27-ديسمبر-2022
فقر غلاء الأسعار

لم تكن سنة 2022 بالهينة على تونس اقتصاديًا وماليًا وما لذلك من تأثير على الوضع الاجتماعي (الشاذلي بن إبراهيم/ NurPhoto)

 

لم تكن سنة 2022 بالهيّنة على تونس، اقتصاديًا وماليًا، لما عايشته على مدار أشهرها الإثني عشر من عثرات ومشاكل ألقت بظلالها على الوضع الاجتماعي بالبلاد، لاسيّما وقد بلغت نسبة التضخم أعلى مستوياتها ما تسبب في مزيد اهتراء المقدرة الشرائية وصعّب حياة التونسيين أكثر فأكثر.

وتجد الدولة نفسها في مأزق البحث عن موارد مالية، والحال أن عجز ميزانية الدولة بلغ مع موفى نوفمبر/تشرين الثاني 2022، قيمة 9.784 مليار دينار، وفق ما ورد في قانون المالية التعديلي، علمًا وأن توقعات الدولة كانت تشير إلى أن عجز ميزانية الدولة سنة 2022 سيكون في حدود 8.5 مليار دينار، حسب ما جاء في قانون المالية لسنة 2022. 

لم تكن سنة 2022 بالهيّنة على تونس، اقتصاديًا وماليًا، لما عايشته على مدار أشهرها الـ12 من عثرات ومشاكل ألقت بظلالها على الوضع الاجتماعي بالبلاد لاسيّما وقد بلغت نسبة التضخم أعلى مستوياتها

لكن على ما يبدو أن الحكومة التونسية ترى "الحلّ" لتعبئة موارد مالية في خزينتها في سنة 2023 في توسعة قاعدة المنظومة الجبائية، وذلك وفق ما تبيّنه أرقام مرسوم قانون المالية 2023، الصادر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 23 ديسمبر/كانون الأول 2022، إذ جاء فيه أن مداخيل ميزانية الدولة لسنة 2023 تقدر قيمتها بـ46.4 مليار دينار من بينها 40.5 مليار دينار مداخيل جبائية. كما جاء في المرسوم ذاته أن نفقات الدولة لسنة 2023 تقدر بـ53.9 مليار دينار، ليكون بذلك عجز ميزانية الدولة سنة 2023 بقيمة 7.49 مليار دينار.

 

صورة

 

  • آمال معلقة على صندوق النقد الدولي

وتعلق تونس آمالها على صندوق النقد الدولي ليمنحها قرضًا ليسعف عجزها المالي، إلا أنّ تأجيله للاجتماع الذي كان مقررًا عقده يوم 19 ديسمبر/كانون الأول على مستوى مجلسه التنفيذي من أجل النظر في ملف قرض تونس، إلى أجل غير مسمى، خلق نوعًا من الريبة بخصوص توجه الصندوق لمنح هذا القرض من عدمه.

وكانت قد نقلت وكالة رويترز عن مسؤول حكومي تونس، في 14 ديسمبر/كانون الأول 2022، قوله إن صندوق النقد الدولي أجل اجتماع مجلس إدارته بشأن برنامج القرض التونسي لمنح السلطات مزيدًا من الوقت للانتهاء من "إصلاحاتها". وأضاف أن "تونس تعتزم إعادة تقديم ملف برنامج "الإصلاحات" مرة أخرى عند استئناف اجتماعات صندوق النقد في جانفي/ يناير 2023". 

تعلق تونس آمالها على صندوق النقد ليمنحها قرضًا ليسعف عجزها المالي إلا أنّ تأجيله للاجتماع الذي كان مقررًا  من أجل النظر في ملف تونس إلى أجل غير مسمى خلق نوعًا من الريبة

وكانت السلطات التونسية قد توصلت مع صندوق النقد الدولي، في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2022، إلى اتفاق على مستوى الخبراء لتمكين تونس من قرض بقيمة 1.9 مليار دولار، على 4 سنوات.

وذكر صندوق النقد الدولي، في بيان له، أن الاتفاق النهائي بشأن الترتيب يخضع لموافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد والذي من المقرر أن يناقش طلب برنامج تونس في ديسمبر/كانون الأول 2022. والموعد الذي تم تحديده فيما بعد هو يوم 19 ديسمبر/كانون الأول 2022 قبل أن يراجع صندوق النقد حساباته ويقرر تأجيله.

وقد اعتبرت وكالة التصنيف الائتماني "موديز"، في تقرير نشرته بتاريخ 19 ديسمبر/كانون الأول 2022، أن قرار تأجيل صندوق النقد الدولي النظر في برنامج تمويل جديد مع تونس من شأنه أن يزيد من صعوبة حصولها على التمويل الخارجي وتآكل الاحتياطي من العملة الصعبة، وفقها. 

وأضافت أن "هذا التأخير الحاصل في المصادقة على تسهيل الصندوق الممدد لفائدة تونس سيزيد من خطر تدهور الترقيم السيادي لتونس الذي ثبتته الوكالة عند مستوى CAA1 قيد المراجعة من أجل الخفض"، ومن شأنه أن "يفاقم الوضعية الصعبة التي تعيشها تونس بسبب زيادة مخاطر السيولة المالية ومكانتها الهشة في الخارج ما يعرّضها لعدم القدرة على السداد".

قرار تأجيل صندوق النقد الدولي النظر في برنامج تمويل جديد مع تونس دفع وكالة "موديز" إلى التنبيه إلى أن ذلك من شأنه أن يزيد من خطر تدهور الترقيم السيادي لتونس

وقالت وكالة التصنيف "موديز" إن البرنامج الجديد لصندوق النقد الدولي يعدّ "حاسمًا بالنسبة لتونس، لاسيما وأنه سيمكّن من استقطاب تمويلات جديدة إضافية بكلفة معقولة وذلك في إطار اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف، على غرار الاتحاد الأوروبي والبنك الأوروبي للإعمار والتنمية"، وفق ما جاء في التقرير.

  • منحى تصاعدي للتضخم

من بين أبرز المظاهر اللافتة للأزمة الاقتصادية التي تعيش على وقعها تونس سنة 2022 هو الارتفاع المطرد لنسبة التضخم التي صعدت من 6.7% في جانفي/يناير 2022، إلى 9.8% في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، ومن المرجح مزيد ارتفاعها أكثر لتناهز الرقمين مع منطلق العام الجديد.

من بين أبرز المظاهر اللافتة للأزمة الاقتصادية التي تعيش على وقعها تونس سنة 2022 هو الارتفاع المطرد لنسبة التضخم التي من المرجح مزيد ارتفاعها أكثر لتناهز الرقمين مع منطلق العام الجديد

وفي الجدول التالي يتمظهر المنحى التصاعدي لنسبة التضخم في تونس خلال أشهر سنة 2022: 

 

الشهر

جانفي

فيفري

مارس

أفريل

ماي

جوان

جويلية

أوت

سبتمبر

أكتوبر

نوفمبر

نسبة التضخم (%)

6.7

7

7.2

7.5

7.8

8.1

8.2

8.6

9.1

9.2

9.8

 

وقال وزير الاقتصاد التونسي سمير سعيّد، الاثنين 26 ديسمبر/كانون الأول 2022، إنه من المتوقع أن ترتفع نسبة التضخم  في تونس إلى 10.5% في المتوسط في 2023، مسجلة ارتفاعًا من 8.3% متوقعة في 2022 مع استمرار زيادة الضغوط التضخمية.

ويعود الصعود المستمر في أرقام التضخم في تونس على مدار أشهر سنة 2022 إلى ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية. فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية باحتساب الانزلاق السنوي بنسبة 15.1% ويعود ذلك بالأساس إلى ارتفاع أسعار البيض بنسبة 43.4% وأسعار الخضر الطازجة بنسبة 32.4% وأسعار لحم الضأن بنسبة 24.3% وأسعار الزيوت الغذائية بنسبة 20.4%.

من المهمّ جدًّا تسليط الضوء على أسعار المحروقات التي شهدت ارتفاعًا لخمس مرات متعاقبة خلال سنة 2022، في توجه نحو رفع الدعم عنها وفق ما يراه مختصون في الشأن الاقتصادي

كما شهدت أسعار المواد المصنعة لشهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2022 ارتفاعًا بنسبة 9.8% باحتساب الانزلاق السنوي ويعود ذلك بالأساس إلى ارتفاع أسعار مواد البناء بنسبة 10% وأسعار الملابس والأحذية بنسبة 9.5% وأسعار مواد التنظيف بنسبة 9.9%، وفق ما أورده المعهد الوطني للإحصاء في نشريته حول مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي لشهر نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

ومن المهمّ جدًّا تسليط الضوء على أسعار المحروقات التي شهدت ارتفاعًا لخمس مرات متعاقبة خلال سنة 2022، في توجه نحو رفع الدعم عنها وفق ما يراه مختصون في الشأن الاقتصادي.

وكانت وزارتا الطاقة والتجارة بتونس قد أعلنتا، بتاريخ 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، عن زيادة جديدة في أسعار المحروقات، وهي الزيادة الخامسة في أسعار المحروقات منذ بداية سنة 2022 إذ تم الترفيع فيها في مرة أولى في فيفري/شباط، وفي مرة ثانية في شهر مارس/آذار، أما الزيادة الثالثة فقد كانت في شهر أفريل/نيسان والرابعة في شهر سبتمبر/أيلول المنقضي.

صورة
ما انفكت تونس تشهد فترات فقدان/نقص المحروقات تليها مباشرة زيادة في أسعارها (ياسين محجوب/NurPhoto)

 

زيادة اعتبرتها الجامعة العامة للنفط والمواد الكيمياوية (التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل) "لا تمثل استجابة لمتطلبات السوق بل هي خطوة في اتجاه رفع الدعم"، وفق ما جاء على لسان الكاتب العام للجامعة سلوان السميري بتاريخ في 4 ديسمبر/كانون الأول 2022.

وقال السميري، في تصريح لموقع الشعب نيوز التابع للاتحاد العام التونسي للشغل، إن الزيادة جاءت في سياق عالمي يشهد انخفاضًا في أسعار النفط وهو ما يعني أن الزيادة التي فرضتها الحكومة التونسية مبرمجة بشكل مسبق في إطار استراتيجية حكومية ولا علاقة لها بحقيقة الأسعار، وفق تأكيده.

  • اتساع هوّة العجز التجاري لتونس

بالتوازي مع ذلك، ما انفكّت قيمة العجز التجاري لتونس تتعمّق، لتبلغ خلال الأشهر الـ11 الأولى من سنة 2022 مستوى 23,281 مليار دينار مقابل عجز بقيمة 14,653 مليار دينار خلال الفترة ذاتها من سنة 2021 أي بارتفاع ناهزت نسبته 58,8 في المائة.

وتراجعت نسبة تغطية الواردات بالصادرات بـ5,1 نقطة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2021 لتصل إلى مستوى 69,1%، وفق ما أورده المعهد الوطني للإحصاء في نشريته حول التجارة الخارجية بالأسعار الجارية لشهر نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

ما انفكّت قيمة العجز التجاري لتونس تتعمّق، لتتجاوز خلال الأشهر الـ11 الأولى من سنة 2022 مستوى 23 مليار دينار مقابل عجز بقيمة 14 مليار دينار خلال الفترة ذاتها من سنة 2021

وأبرزت النتائج أن مستوى عجز الميزان التجاري دون احتساب قطاع الطاقة يقدر بـ14,085 مليار دينار مع العلم أن العجز التجاري لقطاع الطاقة بلغت قيمته 9,195 مليار دينار (ما يعادل نسبة 39,5% من العجز الجملي) مقابل عجز بقيمة 4,517 مليار دينار تم تسجيله خلال الأشهر 11 الأولى من سنة 2021.

وأوضح معهد الإحصاء أن عجز ميزان المبادلات الخارجية لتونس يعود أساسًا إلى العجز المسجل مع بعض البلدان كالصين (عجز بقيمة 7،94 مليار دينار) وتركيا (3،691 مليار دينار) والجزائر (3،265 مليار دينار) وروسيا (2،571 مليار دينار)، وأيضاً، إيطاليا (2،249 مليار دينار) وإسبانيا (0،735 مليار دينار).

وفي الجدول التالي يتمظهر المنحى التصاعدي لقيمة العجز التجاري لتونس خلال أشهر سنة 2022: 

 

الأشهر

جانفي+فيفري

مارس

أفريل

ماي

جوان

جويلية

أوت

سبتمبر

أكتوبر

نوفمبر

العجز التجاري (مليار دينار)

2.6

4.3

6.6

9.9

11.8

13.7

16.9

19.2

21.3

23.2

 

كما تعمق عجز الميزان التجاري الغذائي لتونس إلى مستوى 2.86 مليار دينار، إلى موفى شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2022، مقابل عجز بقيمة 1.95 مليار دينار في نفس الفترة من السنة المنقضية، وفق بيانات نشرها المرصد الوطني للفلاحة. ويعود هذا العجز في الميزان التجاري الغذائي إلى ارتفاع نسق الواردات الغذائية وخصوصًا واردات السكر والزيت النباتي والقمح الصلب وتفل الصويا.

وارتفعت قيمة الواردات الغذائية بنسبة 37.5% لتبلغ قيمتها 8.06 مليار دينار، ويمثل ذلك 10.7% من جملة الواردات. وقد بلغت قيمة الواردات من الحبوب 4.1 مليار دينار مسجلة ارتفاعًا بنسبة 34.4% بالمقارنة مع شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2021.

وذكر المرصد الوطني للفلاحة أن حصة واردات الحبوب مثلت 51.1% من جملة الواردات الغذائية المسجلة إلى غاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2022، مقابل 52.3% في نفس الفترة من السنة المنقضية.

  • فقدان المواد

وفي ظلّ الأزمة المالية التي تعيش على وقعها تونس، أضحت الدولة، في عديد الأحيان، عاجزة عن خلاص مزوّديها الأجانب، مما خلق أزمة نقص في بعض المواد الأساسية في الأسواق التونسية في فترات متواترة على غرار الزيت النباتي، الحليب، السكر، الفارينة، الدقيق، المحروقات، وغيرها من المواد التي تُفقد من الأسواق من فترة إلى أخرى.

في ظلّ الأزمة المالية التي عاشت على وقعها تونس سنة 2022 وجدت الدولة نفسها في عديد الأحيان عاجزة عن خلاص مزوّديها الأجانب مما خلق أزمة نقص في بعض المواد الأساسية في الأسواق التونسية

وقد أرجع المختص في الشأن الاقتصادي عز الدين سعيدان فقدان المواد الأساسية من الأسواق بين الحين والآخر إلى أزمة المالية العمومية وعدم توفر الموارد المالية للدولة بصفة طبيعية، حسب تصوّره.

وأوضح، في تصريح لـ"الترا تونس"، أن المؤسسات العمومية التي لديها اختصاص توريد مختلف المواد الأساسية تعيش وضعًا ماليًا صعبًا جدًا، الأمر الذي جعلها تفقد ثقة المزودين الأجانب وثقة البنوك في الداخل والخارج"، حسب رأيه.

أما بخصوص المواد الأساسية التي لا يقع استيرادها على غرار الألبان أو الدجاج أو مواد أخرى، أرجع المختص في الشأن الاقتصادي المشكل إلى "عدم دفع الدولة لمستحقات الدعم لمؤسسات أو قطاعات معينة، على غرار منتجي الحليب وأصحاب المخابز وغيرهم"، وفقه.

وبالإضافة إلى ذلك فإن التحولات العالمية، خاصة الحرب الأوكرانية الروسية والأزمات، كان لها تأثير مباشر على فقدان بعض المواد الأساسية نتيجة ارتفاع الطلب العالمي عليها كالحبوب والزيوت النباتية.

وما انفك الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي يؤكد أن فقدان المواد الأساسية من الأسواق يندرج في إطار "سياسة ممنهجة" من قبل الحكومة التونسية في اتجاه رفع الدعم. وقال، بتاريخ 9 ديسمبر/كانون الأول 2022، في كلمة له في الدورة الـ36 لأيام المؤسسة تحت عنوان "المؤسسة والأمان: الحريات والسيادة الوطنية"، إنه "تم الاعتماد على سياسة اتصالية ممنهجة تمهيدًا لرفع الدعم ترتكز على "الصدمة" من خلال نقص المواد في الأسواق ما يدفع المواطن لشرائها بأي ثمن، وتوجيه الاتهامات بالاحتكار والفساد، ثم الرفع في الأسعار"، حسب تصوره.

عاب منتدى الحقوق الاقتصادية على قيس سعيّد تعاطيه السلبي مع الأزمة في تونس قائلًا: "مع عمق الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية يواصل الرئيس تبني خطاب الإنكار وعدم الاعتراف وتنزيل الأزمة ضمن المؤامرة"

وفي تعليقه على ذلك، قال المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في تقريره حول التحركات الاحتجاجية لشهر سبتمبر/أيلول 2022، إن "تونس تقف أمام تحديات المرور في تنفيذ شروط الحصول على قرض صندوق النقد الدولي والتي تتعلق بتنفيذ جملة من "الإصلاحات" ستزيد في تفقير التونسيين، ونذكر منها تحدي رفع الدعم عن المنتجات الغذائية الأساسية والمحروقات وتجميد الزيادات في الأجور والتفويت في المؤسسات العمومية".

وعاب المنتدى على الرئيس التونسي قيس سعيّد تعاطيه السلبي مع الأزمة، قائلًا: "مع عمق الأزمة الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية وما يعيشه التونسيون من نقص وفقدان حاد للعديد من المواد الغذائية، يواصل الرئيس تبني خطاب الإنكار وعدم الاعتراف وتنزيل ما يقع من تحركات واحتجاجات وشعور عام بعدم الرضا ضمن المؤامرة ومحاولات تعطيل عمل أجهزة الدولة الأمر الذي قد يزيد في تغذية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية"، وفق تقديره.

  • الانعكاسات: 

صعوبة الأوضاع الاقتصادية والمالية بالبلاد كانت لها ارتدادات مباشرة على الوضع الاجتماعي والواقع المعيشي للتونسيين، خاصة مع تواصل ارتفاع نسب الفقر والبطالة ومزيد تدهور المقدرة الشرائية. 

البطالة:

وقد بينت آخر المعطيات التي نشرها المعهد الوطني للإحصاء، في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، حول مؤشرات التشغيل والبطالة للثلاثي الثالث من سنة 2022 أن نسبة البطالة في تونس تقدر بـ 15.3%، إذ بلغ عدد العاطلين عن العمل نحو 613.6 ألف.   

صعوبة الأوضاع الاقتصادية والمالية بالبلاد سنة 2022 كانت لها ارتدادات مباشرة على الوضع الاجتماعي والواقع المعيشي للتونسيين خاصة مع تواصل ارتفاع نسب الفقر والبطالة ومزيد تدهور المقدرة الشرائية

وأظهرت البيانات ذاتها أن "نسبة البطالة بين حاملي الشهائد العليا ارتفعت لتصل إلى 24.3% خلال الثلاثي الثالث من سنة 2022، مقابل 22.8% خلال الثلاثي الثاني من السنة ذاتها.

الفقر:

كما كان للوضع الاقتصادي أيضًا وقع على نسبة الفقر في تونس، التي اتسعت رقعتها. ولئن لم يقع تحيين البيانات الرسمية التونسية في علاقة بنسب الفقر، فإنه قد ورد في مقال نشر في مدونة البنك الدولي، بتاريخ 30 جوان/ يونيو 2022، أنه "إذا استمر ارتفاع الأسعار، واستمر الدعم قائماً، فإن معدل الفقر في تونس سيزداد بمقدار 2.2 نقطة مئوية مع موفى سنة 2022 وستتفاقم مستويات التفاوت وعدم المساواة إلى حد ما، إذ سيرتفع مؤشر جيني (من المقاييس الهامة والأكثر شيوعا في قياس عدالة توزيع الدخل القومي) من 32.82 إلى 32.9".

وتشير التقديرات، وفق المقال الذي جاء تحت عنوان "ارتفاع معدل التضخم وأثره على أوضاع الفقر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، إلى أن زيادة الأسعار العالمية أدت إلى ارتفاع معدل الفقر بمقدار 1.1 نقطة مئوية، وقد تم التخفيف من أثر ذلك على الأسر المعيشية من خلال دعم المواد الغذائية ومنتجات الطاقة.

صورة
كان للوضع الاقتصادي أيضًا وقع على نسبة الفقر في تونس التي اتسعت رقعتها (فتحي بلعيد/ أ.ف.ب)

 

المقدرة الشرائية: 

كذلك كان للأوضاع الاقتصادية تأثير مباشر على المقدرة الشرائية للتونسيين، مع الارتفاع المطرد في الأسعار الذي صاحبه تدني الأجور

وكان قد صدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، في عدده المنشور 21 أكتوبر/تشرين الأول 2022، أمر رئاسي يتعلق بضبط الأجر الأدنى المضمون لمختلف المهن كما يلي: 459.264 دينارًا شهريًا بالنسبة لنظام العمل بـ48 ساعة في الأسبوع و390.692 دينارًا شهريًا بالنسبة لنظام العمل بـ40 ساعة في الأسبوع، وهو رقم وصِف بالمتدني لاسيما مع ارتفاع الأسعار في عديد المواد، الذي تشهده تونس.

احتجاجات اجتماعية

الأوضاع الاقتصادية المتدهورة خلقت وضعًا من عدم الاستقرار الاجتماعي، مما "أعطى شعورًا عامًا بعدم الراحة والرضا لدى عموم التونسيين"، وفق ما يراه منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وقد دفع ذلك بمتساكني عدة جهات إلى الخروج للاحتجاج تنديدًا بارتفاع الأسعار وفقدان المواد الأساسية، ورافعين مطالب اجتماعية على غرار التنمية والتشغيل والعدالة الاجتماعية.

الأوضاع الاقتصادية المتدهورة خلقت وضعًا من عدم الاستقرار الاجتماعي مما "أعطى شعورًا عامًا بعدم الراحة والرضا لدى عموم التونسيين" وفق ما يراه منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعي، وقد دفع ذلك بمتساكني عدة جهات للاحتجاج

واعتبر منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في تقريره، أن "التحركات والاحتجاجات وحالة الغضب العام في أكثر من منطقة بالبلاد تكشف عن تدهور الوضع العام الذي أصـبح يتسم بالسلبية ويؤشر لفرضيات كبيرة، في التوجه نحو مزيد التعكر خاصة إذا ما وضعناه في مواجهة مع ضعف العمل السياسي للحكومة وحالة الضبابية وعدم الوضوح".

وتتجه أصابع اللوم إلى الحكومة التونسية في تعاطيها مع الأزمة، وقال منتدى الحقوق الاقتصادية في هذا الصدد إن "تنكر السلطة لتعهداتها والتزاماتها تجاه المواطنين قد تسبب في تعميق أزمة الثقة في المسؤول. وزاد في الشعور بالعجز لدى الفاعلين الاجتماعيين الأمر الذي قد يدفع إلى مضاعفة التحركات الاحتجاجية وتوجهها نحو العشوائية والعنف أكثر فأكثر. مقابل تقلص فرضيات التنظيم وتجعل إمكانيات الذهاب في إصلاحات حكومية اقتصادية سياسية أكثر صعوبة"، وفق ما جاء في تقريره حول التحركات الاحتجاجية لشهر سبتمبر/أيلول 2022.

صورة
شهدت تونس احتجاجات تنديدًا بارتفاع الأسعار وفقدان المواد الأساسية (ياسين محجوب/NurPhoto)

 

الهجرة غير النظامية

ولعلّ من أبرز انعكاسات الأزمة الاقتصادية في تونس، اجتماعيًا، ارتفاع أرقام الهجرة غير النظامية، التي تصدرت عناوينها الأحداث خلال سنة 2022. وقد ضجت أخبار الهجرة غير النظامية في تونس طيلة الأشهر الماضية، تحت عناوين "مفقودي جرجيس"، و"هجرة طفلة الـ8 سنوات"، و"الهجرة عبر صربيا" وما تلاها من أحداث شملت إلغاء التأشيرة للتونسيين إلى صربيا وعمليات احتجاز تونسيين في مطار بلغراد، وغيرها من العناوين.

لعلّ من أبرز انعكاسات الأزمة الاقتصادية في تونس، اجتماعيًا، ارتفاع أرقام الهجرة غير النظامية التي تصدرت عناوينها الأحداث سنة 2022 وسجلت خلالها تونس من أعلى الأرقام لعدد الواصلين إلى إيطاليا وعدد المفقودين

وسجّلت تونس أعلى رقم لعدد المهاجرين التونسيين الواصلين إلى سواحل إيطاليا، منذ سنة 2011، بـ 17443 مهاجرًا تونسيًا غير نظامي إلى حدود آخر تحيين في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

تجدون في الجدول التالي الإحصائيات المتعلقة عدد المهاجرين غير النظاميين خلال الأشهر 11 من سنة 2022 بالمقارنة بالثلاث سنوات السابقة، وفق ما وثقه منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية:

 

2019

2020

2021

2022

الشهر

عدد الواصلين إلى إيطاليا

عدد المجتازين الذين وقع إيقافهم

عدد الواصلين إلى إيطاليا

عدد المجتازين الذين وقع إيقافهم

عدد الواصلين إلى إيطاليا

عدد المجتازين الذين وقع إيقافهم

عدد الواصلين إلى إيطاليا

عدد المجتازين الذين وقع إيقافهم

جانفي

31

177

68

316

84

463

382

1155

فيفري

21

46

26

571

660

1273

308

1036

مارس

85

323

60

137

334

882

224

886

أفريل

116

166

37

99

307

409

345

1515

ماي

94

249

494

1243

601

2487

1024

2658

جوان

249

254

825

1611

977

2120

1714

2086

جويلية

262 

608 

4145 

2918 

4044 

2993 

3461

3226 

أوت

489 

515 

2306 

1621 

4035 

5582 

4284

5713

سبتمبر

864

500

1951

2035

1796

3199

2958

3882

أكتوبر

381

750

1300

1349

1504

2739

1999

5584

نوفمبر

90

501

1298

849

713

1969

744

4034

المجموع

1931

2966

6095

8210

6976

15541

17443

34638

 

أما بخصوص المفقودين في عمليات هجرة غير نظامية، فقد وصف الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رمضان بن عمر، سنة 2022 بـ"الأكثر مأساوية والأعلى حصيلة في فقدان المهاجرين غير النظاميين من جميع الجنسيات في السواحل التونسية منذ سنة 2012"، وفق ما نقلته عنه وكالة تونس إفريقيا للأنباء (الوكالة الرسمية)، مشيرًا إلى أنه "تم تسجيل فقدان 580 مهاجرًا منذ مطلع السنة وإلى حدود يوم الاثنين 26 ديسمبر/كانون الأول 2022".

صورة
رمضان بن عمر: سنة 2022 هي الأكثر مأساوية والأعلى حصيلة في فقدان المهاجرين غير النظاميين (حسن مراد/ Defodi Images)

 

سنة 2022 كانت صعبة وخانقة على كلّ المقاييس، ولئن كانت الآمال معلقة على أن تُقفَل بنفس جديد بعد الحظيّ بدعم من صندوق النقد، إلا أن الرياح سارت عكس ما تشتهي السفن، وعادت الحسابات إلى نقطة الصفر بعد أن تم تأجيل النظر في ملف تونس إلى أجل غير مسمّى. وفي الأثناء، صدر قانون مالية 2023 فاتحًا الأبواب أمام مزيد من الضغط على التونسيين، على جلّ الأصعدة وخاصة من الناحية الجبائية، وخالقًا مزيدًا من الضبابية فيما يتعلق بـ"الإصلاحات" التي اعتبر مختصون في الشأن الاقتصادي أنها لم تتضح جليّة في قانون المالية. لأكثر تفاصيل عن قانون المالية اطّلعوا على التقرير التالي: في شكل مرسوم ويرتكز على الجباية.. أبرز ملامح قانون المالية 2023 في تونس