30-ديسمبر-2022
 اجتماع مجلس الأمن القومي

"خطاب متشنج مفكك، مليئ بردود الفعل الغاضبة، ويستنجد مشهديًا بحزام الأجهزة الحاملة للسلاح"

مقال رأي 

 

في بضعة أسابيع، تجمعت مؤشرات واضحة على أن حكم الرئيس قيس سعيّد يتجه نحو مرحلة صعبة، الأصعب منذ ذروة حكمه أي 25 جويلية/يوليو 2021: تجميد الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي حول القرض دون أي أجل واضح، في الوقت الذي يستند فيه قانون المالية على تمويلات خارجية ضخمة (14 مليار دينار) ولا يوجد حتى الآن، حسب تصريحات وزير الاقتصاد سمير سعيّد، أي بديل عن صندوق النقد سواء لتوفيرها أو توفير ضمان لإمكانية الحصول عليها.

تجمعت مؤشرات واضحة على أن حكم سعيّد يتجه نحو مرحلة صعبة، الأصعب منذ 25 جويلية 2021 ومن ذلك تجميد الاتفاق النهائي مع صندوق النقد حول القرض دون أي أجل واضح

إضافة إلى ذلك، نسبة مشاركة ضعيفة جدًا في الانتخابات التشريعية، التأسيس الأول لدستور 2022، وهو أقرب للعصيان السياسي السلبي. وتواصل نضوب وأحيانًا اختفاء مواد أساسية كالحليب وعدد كبير من الأدوية وأحيانًا البنزين، ثم انزياح تدريجي لمساندين لـ25 جويلية بعيدًا عن الرئيس خاصة من بين المنظمات الأكثر بروزًا في تونس، الثلاثي اتحاد الشغل وهيئة المحامين ورابطة حقوق الإنسان (وربما يتحوّلون إلى سداسي بانضمام منظمات أخرى مثل نقابة الصحفيين والمنتدى الاقتصادي والاجتماعي وأيضًا اتحاد المهن الحرة)، بما يهيئ لكتلة معارضة ربما تكون الأكثر تأثيرًا في قادم الأشهر وحتى الأسابيع.

 

 

أمام كل ذلك لا يبدو أن الرئيس بصدد مراجعة سياساته، بل العكس هو الحاصل، وتمثل ذلك بوضوح في خطاب 28 ديسمبر/كانون الأول الجاري. خطاب متشنج مفكك، مليئ بردود الفعل الغاضبة، ويستنجد مشهديًا بحزام الأجهزة الحاملة للسلاح، التي دعتها قوى معارضة ضمنيًا وعلنًا للقيام بـ"انقلاب طبي".

نلاحظ مشاركة ضعيفة جدًا في الانتخابات التشريعية، التأسيس الأول لدستور 2022، وهو أقرب للعصيان السياسي السلبي وتواصل نضوب وأحيانًا اختفاء مواد أساسية ثم انزياح تدريجي لمساندين بعيدًا عن الرئيس

المعارضة السياسة ليست في وضع نضج ومقبولية لتهديد الرئيس، لكن خطابه يميل بشكل متزايد إلى حالة غطرسة وسياسته بدأت تميل إلى وضع أشبه بالهذيان، سياسة غير منسجمة ومفككة ومترددة وتتراوح بين انفعالات مفاجئة غاضبة أحيانًا كثيرة. ماذا يمكن أن تكون استتباعات ذلك في ظل الوضع المالي الصعب؟

ليس من المبالغة القول إن وضع البلاد أصبح مرتهنًا بمزاج الرئيس. ليس ذلك فقط حجة إضافية على محدودية نجاعة الحكم الفردي بل هو تشخيص أيضًا لاحتمالات المستقبل. تشخيص المسار النفسي للرئيس أصبح في قلب العملية السياسية واستشرافها، بما أنه يمسك بكل مفاصل الدولة.

المعارضة السياسة ليست في وضع نضج ومقبولية لتهديد الرئيس، لكن خطابه يميل بشكل متزايد إلى حالة غطرسة وسياسته بدأت تميل إلى وضع أشبه بالهذيان، سياسة غير منسجمة ومفككة ومترددة وتتراوح بين انفعالات مفاجئة غاضبة أحيانًا كثيرة

لكن أيضًا لأن تضخم مجال السلطة يؤدي أيضًا إلى تضخم ذات طبيعي، حالة تكبر وغطرسة تنشأ موضوعيًا من حجم مجال السلطات. في اليونان القديمة تم توصيف ذلك بحالة "Hubris" وتعني عمليًا ثقة متعاظمة في النفس تمنع صاحب السلطة من القدرة على رؤية الواقع كما هو. ومن هنا سيرى الرئيس في الواقع الموضوعي، كما يظهر فقط، واجهة لحالات غير مرئية. وإذا كان الواقع الموضوعي سلبيًا لن يراه كما هو بل سيراه كتعبير عن مؤامرات معادية لا غير.

ماذا بعد؟ يسأل العديدون. حتى وإن سبق الخطاب، على الأرجح، اجتماع خاص بالقيادات الخمسة لمجلس الجيوش، فإن المؤدى الأساسي للخطاب لا يعني بالضرورة استتباعات عملية و"منعطفًا تسلطيًا" جديدًا يحمل مزيدًا من الإجراءات لتوسيع مجال حكم استبدادي يهضم الحريات، بل يمكن أًن يكون ببساطة تفريغًا لحالة انفعالية تملكت وضع Hubris.

ليس من المبالغة القول إن وضع البلاد أصبح مرتهنًا بمزاج الرئيس

نحن إزاء مأزق حقيقي. رئيس ينغمس بشكل متزايد أسيرًا في حالته النفسية ويبتعد بشكل متصاعد عن أي تأثير للمجال العقلاني وبصدد الاهتراء شعبيًا. في المقابل مبادرات لنخبة لا تجد مقبولية شعبية، بمختلف تجلياتها سواء الحزبية، سواء المحيطة بحركة النهضة، أو الدستوري الحر، أو "الخماسي" الديمقراطي الاجتماعي أو ما تبقى منه.

أيضًا المبادرات الجديدة سواء المنتظرة "هيئة 18 أكتوبر" Bis بمشاركة شخصيات مستقلة والتي تريد أن تكون محورًا لالتقاء المعارضين جميعًا، أو الأهم أو بمعنى آخر المتوقع أن تكون ذات أثر رمزي وميداني أكبر، أي مبادرة الثلاثي الذي سيصبح سداسيًا أو سباعيًا لمنظمات تميل إلى اليسار التقدمي في توجهاتها والتي ستستبعد الأحزاب مرحليًا حتى الصديقة لها، موازين القوى ليست في صالحها حتى اتحاد الشغل سيحتاج بعض الوقت حتى يجدد قدرته التعبوية لأنه هو أيضًا تعرض إلى الاهتراء.

نحن إزاء مأزق حقيقي. رئيس ينغمس بشكل متزايد أسيرًا في حالته النفسية ويبتعد بشكل متصاعد عن أي تأثير للمجال العقلاني وبصدد الاهتراء شعبيًا. في المقابل مبادرات لنخبة لا تجد مقبولية شعبية، بمختلف تجلياتها

في المقابل، نجد مبادرات أخرى غير مرئية تحضيرًا لسيناريو انتخابات 2024: نجيب الشابي الذي سيبحث على الأرجح عن تعهد منافسيه من القريبين من جبهة "الخلاص" التي تعول على النهضة بعدم الترشح (الصافي سعيد مثلًا، المتهيئ فطريًا للترشح لأي سباق رئاسي)، حاتم بن سالم الذي يعوّل على تحالف جهوي ساحلي-قروي وبعض ماكينة التجمع المتطرفة (التي ساندت حتى وقت قريب عبير موسي) وبعض رجال الأعمال، فاضل عبد الكافي أيضًا، خيار أكثر عقلانية ووسطية ربما لمنظومة الأعمال وبعض الخارج. وربما مرشحين آخرين أكثر حتى حظوظًا وينتظرون اللحظة المناسبة. لكن في نهاية الأمر من يضمن أن قيس سعيّد سيلتزم بعقد انتخابات سنة 2024؟ وأن لا يؤول الدستور بأن عهدته انطلقت في سنة 2022، وليس 2019، ويكون الجميع في التسلل؟!

ربما المعادلة الوحيدة التي يمكن أن تجد طريقًا لتغيير موازين القوى هي "زلزال اجتماعي" يلتقي مع قلق الأجهزة وقرار خارجي "بقطع الإمداد". كثيرة هي الشروط التي تستوجب الاجتماع وأيضًا الصدف، بدءًا بحالة اجتماعية عامة منهكة تمثل الوجه الآخر لحالة الإنهاك العام النخبوي والسياسي في البلاد. أجهزة محتارة ليس بينها انسجام بالضرورة (بل الأرجح التنافس المعتاد) وليست معتادة على المبادرة دون وجود عصبية حول شخصية بديلة من داخل الدولة (سيناريو "الانقلاب الطبي") أو دون وجود ضغط تحركات اجتماعية واسعة تهدد النظام العام.

في نهاية الأمر من يضمن أن قيس سعيّد سيلتزم بعقد انتخابات سنة 2024؟ وأن لا يؤول الدستور بأن عهدته انطلقت في سنة 2022، وليس 2019، ويكون الجميع في التسلل؟!

وأطراف خارجية بعضها (خاصة الأوروبي) ليس متحمسًا للمغامرة بالوضع الاجتماعي وانفلات وضع الهجرة والمبادرة بسحب أي دعم مالي (unplug the financial support) وتعود في المقابل إلى المرجعية الجيوسياسية لإبقاء حكم الرئيس في غرفة الإنعاش المالي حتى إشعار آخر، مع تغيير حكومي شكلي لمرحلة انتقالية أخرى.

مأزق عام. في كل الحالات شهر جانفي/يناير لن يكون شهرًا عاديًا. هل سيساهم قيس سعيّد بأفعاله وردود فعله في التسريع بالأزمة، أم أن عوامل "القدح" ستجد مطافئ من جهات مختلفة.

 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"