12-مايو-2019

ترأس عادل المعيزي لجنة حفظ الذاكرة الوطنية بهيئة الحقيقة والكرامة

 

ظهر اسم الشاعر عادل المعيزي ضمن جيل شعراء التسعينيات في تونس الذي أسّس لموجة جديدة من الشعراء والكتّاب تحدوهم قوة الكلمة وإرادة المبدع، فهو الجيل الذي أراد تخطي "شعراء الطليعة" الذين هيمنوا على الساحة الشعرية والأدبية منذ الاستقلال إلى مشارف التسعينيات وكانوا بمثابة الشجرة التي حجبت الغابة. تحدّى شعراء التسعينيات السائد الثقافي الذي كانت تهيمن عليه بعض الوجوه واللوبيات الثقافية الدائرة في فلك النظام السياسي الجاثم على المشهد الثقافي آنذاك بكل ثقله، بذلك مثل جيل التسعينيات استثناءً ثقافيًا حقيقيًا.

عادل المعيزي عاش رحى معارك ثقافية أبرزها تلك التي اندلعت بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر أو مع أسماء شعرية وأدبية رائجة ومروّجة حاولت تقزيم الجيل الذي نشأ فيه، وكان "مهرجان الشعراء الطلبة" أحد المنابر التي عرّفت به حينما كان طالبًا بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، وقد اشتهر برسائل الحب المائة التي كتبها لحبيبته سلمى الجلاصي وكانت مهرًا من ذهب الكلمات.

عادل المعيزي هو شاعر نشأ ضمن جيل التسعينيات أصدر مجموعات شعرية وانضمّ لهيئة الحقيقة والكرامة مكلفًا بملف حفظ الذاكرة الوطنية

أصدر المعيزي عدة مجموعات شعرية أشهرها "وطّان القصيدة " (1998)، و"أحبك حين أحبك" (2002)، و"أمس منذ ألف عام" (2004)، و"تطير الخاطيف" (2009)، أما آخر مجموعة شعرية صدرت سنة 2019 بعنوان "استدارة كاملة ينقصها جناح".

وكمثقف مسكون بقضايا وطنه، انخرط المعيزي منذ عقود في العمل المدني والحقوقي متابعًا ومشاركًا فكان عضوًا مؤسسًا لرابطة الكتّاب الأحرار، ونقابة كتّاب تونس المؤسسة قبل ستّة أشهر من اندلاع الثورة. ثم انضم لاحقًا إلى هيئة الحقيقة والكرامة، التي تتولى الإشراف على مسار العدالة الانتقالية، وترأس لجنة حفظ الذاكرة الوطنية وكان أيضًا عضوًا بلجنة البحث والتقصي صلبها. غادر الشاعر الهيئة بانتهاء مهامها، في تجربة مثيرة للجدل جلبت له النقد والإشادة، ليعود لأحضان الشعر بمشاعر ورؤى متجددة.

"ألترا تونس" التقى عادل المعيزي وتنافذ معه حول الشعر والثقافة وتجربته بهيئة الحقيقة والكرامة، فيما يلي نص الحوار كاملًا:


  • هل أثنتك انشغالاتك بالجانب الحقوقي عن الشعر وعوالمه؟

في الفترة التي انغمست فيها بمطلب أساسي للثورة التونسية وهو بعث هيئة الحقيقة والكرامة، لم أكتب كثيرًا رغم أن النصوص كانت تزدحم بداخلي وتتراقص أمامي. لقد كنت أعيش وجهًا آخر للشعر لم أستطع كتابته إلى الآن، حيث يلزمني الكثير من الوقت حتى أحوّل ما استمعت إليه وما قرأته من حقائق مثيرة حول تاريخ تونس المعاصر إلى نصوص شعرية. وفي اعتقادي أن شعراء تونس تربوا إبداعيًا على الخوض في ألام بسيطة كالهجر والبعاد ولم تطأ أقلامهم ألام القتل والتعذيب والإقصاء والضيم السياسي والأيديولوجي.

اقرأ/ي أيضًا: ابتهال عبد اللطيف: تقرير "الحقيقة والكرامة" ضعيف وملفات سُويت في الظلام (حوار)

  • أثار انضمامك إلى هيئة الحقيقة والكرامة طيلة فترة نشاطها من 2014 إلى 2018 جدلًا في الساحة الثقافية والسياسية، كيف قرأت ذلك؟

لابد من التوضيح أنني دخلت الهيئة بصفتي كشاعر وكمثقف وهو المثقف الذي هُمّش بعد الثورة واُخفت صوته أمام إعلاء صوت السياسيين. لقد اعتبرت الانضمام إلى الهيئة تجربة ضرورية ولزامًا عليّ خوضها بجسارة الشاعر وقوته وقدرته على أن يتحول في لحظة ما إلى ضمير وصوت هادر.

عادل المعيزي: انضممت إلى هيئة الحقيقة والكرامة بهويّتي الشعرية والثقافية رغم تحذيرات الشاعر الراحل محمد الصغير أولاد أحمد

يذكر كلّنا تدوينة الشاعر الراحل محمد الصغير أولاد أحمد حينما كتب: "إلى صديقي الشاعر عادل معيزي، هل تعتقد أنّ مكانك في هيئة الحقيقة والكرامة وهي ماهي عليه الأن سيكون مفيدًا لك؟ حاذر أن تفقد المنصب والشعر معًا". لكن مضيت في اختياري مسكونًا بالتناقض نفسه الذي تشرّبته من الساحة الثقافية والذي تشي به تدوينة شاعرنا الذي كان في يوم ما مديرًا لمؤسسة "بيت الشعر"، ويبدو أنني كنت صائبًا في اختياري.

  • هل تعتبر نفسك نجحت في اختيارك بانضمامك لهيئة الحقيقة والكرامة؟ وهل كنت فعلًا ضميرًا وصوتًا هادرًا؟

طبعًا أعتبر نفسي نجحت في مهمتي رغم ما شاب أشغال الهيئة من شوائب ومن تعطيلات مفتعلة أغلبها من الأعداء السياسيين لرئيسة الهيئة سهام بن سدرين. لقد كانت تجربتي في صلب الهيئة تتجاوز الحقيقة بمعناها السطحي إلى معناها القيمي والأخلاقي، إنها تجربة حارقة تشبه الإطلالة على الجحيم، هي عوالم ما فوق الحقيقة. لم أتخيل يومًا هذا الكم من العداء الذي يستطيع أن يكنه التونسي لأخيه التونسي.

مراسل  "ألترا تونس" مع الشاعر وعضو هيئة الحقيقة والكرامة عادل المعيزي

 

كنت رئيسًا للجنة حفظ الذاكرة الوطنية صلب هيئة الحقيقة والكرامة، هل تعتبر مهمتك كانت جسيمة وكيف تعاملت معها؟

مهمتي كانت خطيرة وعسيرة، فأنا أمثل الدولة التي يجب عليها تعرية جانب من تاريخها المظلم ودفعها للمكاشفة، ومن ثمة الاعتراف علنًا بتقصيرها وتواطئها وخذلانها لمواطنين تعرضوا لانتهاكات جسيمة منذ الاستقلال إلى سنة 2013 بسبب مواقفهم وأرائهم السياسية والأيديولوجية والدينية، وثم المرور إلى جبر الضرر فالمصالحة حتى لا تتكرر الانتهاكات أخرى.

عادل المعيزي: كانت مهمّتي في حفظ الذاكرة الوطنية خطيرة ودوري كشاعر هو منح الدولة بعض الخيال حتى تتعلم درس العدالة الانتقالية

إن دوري كشاعر وكمثقف هو منح الدولة بعض الخيال حتى تتعلم من هذا الدرس العظيم، درس العدالة الانتقالية الذي نأمل من ورائه إلى إعادة الاعتبار إلى الذات الإنسانية.

تلقّت الهيئة طيلة مدّة عملها 62 ألف ملف ونظرت في 42 ألف منها وختمت التحريات في شأنها وأحالت العديد منها على الدوائر القضائية المختصة في العدالة الانتقالية. واستكملت البحث في عشرات القضايا الأخرى وأصدرت 8 قرارات تحكيمية تتعلق بالفساد المالي تمكنت الهيئة من خلالها من استرجاع ما يناهز 800 مليون دينار.

 لكن في اعتقادي أنّ المسألة تبدو أعمق من الأرقام، فسيظلّ حجم الألم محفورًا في ذاكرة الوطن والضحايا وذويهم، ولذلك لا بدّ من حفظ الذاكرة ومراجعتها حتى نشفى. وفي هذا الإطار، أدعو مؤسسة الأرشيف الوطني إلى صون هذه الذاكرة من التلف ووضعها على ذمة طالبيها، كما أدعو المؤرخين والباحثين إلى الاشتغال على أرشيف هيئة الحقيقة والكرامة لتحوزه على وثائق ما كان لها أن تصل للناس لولا عمل الهيئة لمدة خمس سنوات متتالية.

  •  ولكن التقرير النهائي لعمل هيئة الحقيقة والكرامة لم يكن عرضه احتفائيًا إذ قوبل بموجة انتقادات شديدة وصل بعضها إلى حد توجيه تهمة الفساد المالي للهيئة وأعضائها. ما تعليقكم؟

أريد أن أذكركم بالتعثر الذي حصل زمن إنشاء الهيئة والنقاش المجتمعي والتجاذب الذي حصل وهو يدل على وجود تونسيين لا يريدون مسار العدالة الانتقالية من أصله سواء لضلوعهم في الانتهاكات أو لقصور نظرتهم لدور الهيئة. ويعلم الجميع أن التشويه الذي تعرضت إليه الهيئة وأعضائها من طرف سياسيين وإعلاميين وغيرهم جعل فرق العمل تشتغل في مناخات غير طبيعية، ونحن كنا على وعي بذلك وحاولنا العمل بمسؤولية وأمانة لأننا نعلم علم اليقين أن التاريخ والأجيال القادمة سيحاسباننا.

عادل المعيزي: أدعو المؤرخين والباحثين إلى الاشتغال على أرشيف هيئة الحقيقة والكرامة ونحن كشفنا جزءًا من كواليس الدولة

إن التقرير الختامي هو خلاصة جملة من الأعمال والأبحاث والتوصيات التي قامت بها الهيئة، ولا يعنى ذلك أنها الحقيقة المطلقة فقد تكون نصيبًا من الحقيقة الذي لا يمكن دحضه بسهولة وذلك بقطع النظر عن التهم التي وجهتها لنا دائرة المحاسبات.

الآن وبعد نشر التقرير، يتسنى لنا القول إنه أصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية، وأعتبره شخصيًا معجزة حقيقية ستتعاظم قيمتها عبر السنوات لأننا كشفنا جزءًا مما كان يحدث في كواليس الدولة وحددنا المسؤوليات وأنصفنا مظلومين إنصافًا اعتباريًا ورمزيًا لم يتسن للقضاء إنصافهم.

اقرأ/ي أيضًا: بن عمّو مؤلف "عام الفزوع": شوقي الماجري أراد تزييف تاريخ "بن غذاهم" (حوار)

  • لنعد إلى الشعر والكتابة وأنت الذي تحتفي هذه الأيام بإصدارك الشعري الجديد "استدارة كاملة ينقصها جناح"، هل يمكن القول إنك استلهمت بشكل من الأشكال من المناخات المؤلمة التي عشتها سنوات عملك بهيئة الحقيقة والكرامة؟

نعم أنا أحاور هذه المأساة الإنسانية التي عاشها بعض التونسيين بكامل ألمها والتي لا دخل فيها للقدر، لقد كنت مندهشًا لقدرة الشر على الانتصار. وفي الحقيقة، إن مخزون الذاكرة الذي انبلج بفضل عمل هيئة الحقيقة والكرامة يمثل منجمًا بالنسبة للشعراء والفنانين والسينمائيين والموسيقيين حتى يحوّلوا الألم إلى فن يبقى للأجيال القادمة، وهذا ما أفعله حاليًا فقصائدي التي تشكل ديوان "استدارة كاملة ينقصها جناح" كلها من ذلك المعين.

عادل المعيزي: مخزون ميراث الأسى يمثل منجمًا بالنسبة للشعراء والموسيقيين والسينمائيين حتى يحوّلوا الألم إلى فن يبقى للأجيال القادمة

  • كيف يحوّل الشاعر هذا الرصيد من الألم إلى شعر دون السقوط في مآزق التاريخ؟

الشاعر يؤرخ ويكشف ويشير الى الحقائق لكن بوسائله الخاصة وأساليبه البلاغية وبحساسية الشاعر نفسه وبحسه الإنساني المرهف. لكن رغم ذلك تلوّنت بعض قصائدي بألوان التاريخ فمثلًا تجدني أهدي أغلبها إلى بعض ضحايا المأساة ومنهم عادل العرفاوي، ونور الدين الصولي، ونجوى الرزقي، وبشير الخلفي ومكرم الحجري.

وكم كنت مندهشًا لقدرة الشر على الانتصار، فروايات التعذيب التي استمعت إليها مباشرة أو اطلعت على ملفاتها جعلتني أراجع الكثير من المسلمات والرؤى التي كنت أحملها عن الكائن البشري الذي نسميه الإنسان.

  • أليس حريًا بالمبدعين التونسيين الذهاب الآن إلى هذه التخوم والالتحام بأسرارها علّهم يصنعون بعض الملاحم؟

تمثل مخرجات هيئة الحقيقة والكرامة وخاصة الشهادات حول انتهاكات حقوق الإنسان والحط من الكرامة منجمًا لا تنتهي موارده لسنوات بل لعقود لاستغلاله في مختلف الفنون والتعبيرات الثقافية والغاية من ذلك قد تكون سياسية وحضارية وثقافية وهي حفظ الذاكرة حتى لا يكون هناك عود. ولكن هناك أيضًا غاية وجدانية وفلسفية عميقة تجعل المبدع والفنان من خلال اطلاعه على هذا الإرث أو ميراث الأسى، كما يحلو لي أن أسميه دائمًا، يطرح الأسئلة الملحة حول الشخصية التونسية وعمق الإنسان التونسي.

عادل المعيزي: مجموعتي الشعرية" استدارة كاملة ينقصها جناح" تحاور المأساة الإنسانية التي عاشها بعض التونسيين بكامل ألمها

كما يدعو هذا الرصيد مختلف اختصاصات العلوم الإنسانية ومن ضمنها الصحافة وعلوم الإخبار لإعادة التفكير في جملة من القضايا التي تهم الذاكرة الجمعية والتاريخ المعاصر والتعاطي مع هذا الإرث عن طريق الفن والفكر، وهو الذي يجعلنا نشفى من محننا.

  •  هل لديك مشاريع شعرية قادمة؟

 يبدو أني سأظل أحاور ميراث الأسى لمدة أطول.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كمال الرياحي: الثورة الثقافية لامرئية وما حصل لـ"بيت الخيال" عمل داعشي (حوار)

الرسام والجامعي سامي بن عامر: وزير الثقافة أقصاني والنقابات خذلتني (حوار)