15-يوليو-2021

أحلام (طالبة): لن تتغير هذه النظرة إلا إذا فتحت الدولة آفاقًا جديدة لمرتادي الشعب الأدبية في سوق الشغل خاصة (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

 

ارتبطت شعبة الآداب في المخيال الجمعي لدى التونسيين بأنها تضم التلاميذ الأضعف على مستوى المؤهلات والقدرات الذهنية، خاصة أنّها لا تشمل المواد العلمية التي تقوم على الحساب والمعادلات الفيزيائية، وتضم اللغات الحية والفلسفة وموادًا تاريخية وجغرافية.

وداخل الأسرة ذاتها يُحتفى بالتلميذ المتفوق في العلوم أكثر من التلميذ المتمكن من الفلسفة والقارئ المتمعن للتاريخ، وعادة ما يبدأ ذلك في مراحل مبكرة من عمر الأبناء، حيث يحاول أولياؤهم توظيف فكرة أن مهنتهم المفضلة حين يكبرون ستكون طبيبًا أو مهندسًا أو قائد طائرة، وقل ما تكون الإجابة عالمًا في التاريخ أو مختصًا في الآداب ولا حتى كاتبًا أو فيلسوفًا.

المختص في علم الاجتماع التربوي معاذ بن نصير، لـ"الترا تونس": التفكير الجمعي في تونس ينظر بطريقة دونية للآداب ويعتبرها الشعبة الأقل كفاءة، بل حتى المنطوق الشعبي يكرس تلك النظرة 

  • الشعبة الأدبية: نظرة اجتماعية دونية

يقوم التعليم في تونس في مرحلة الثانوية على الفصل بين المواد العلمية والأدبية أثناء التوجيه، الذي يتزامن مع السنة الأولى أي قبل مناظرة البكالوريا (الثانوية العامة) بثلاث سنوات.

وتوفر وزارة التربية للطالب اختيار إحدى الشعب المتاحة، وهي: العلوم التجريبية، الآداب، الرياضيات، الاقتصاد والتصرف، علوم التقنية، علوم الإعلامية والرياضة. ويشبه النظام التونسي في ذلك، نظام المدرسة الفرنسية التي تميز بين المجال الأدبي والعلمي.

فهل أن الشعب العلمية أفضل من الأدبية؟ ولماذا ترسخت هذه النظرة الدونية تجاهها في تونس؟

سؤال طرحناه على المختص التونسي في علم الاجتماع التربوي معاذ بن نصير، الذي قال في تصريح لـ"الترا تونس" إن: "العديد من العائلات التونسية تحبذ أن يتوجه ابنها نحو الشعب العلمية لا شعبة الآداب ويعود ذلك لعدة أسباب لعل أهمها التفكير الجمعي الذي ينظر بطريقة دونية للآداب ويعتبرها الشعبة الأقل كفاءة، بل حتى المنطوق الشعبي يكرس تلك النظرة، زد على ذلك النسق الصاعد للثورة الرقمية والتكنولوجيا، التي أصبحت المستقطب الأول لليد العاملة، ما يدفع العائلات لتحصين أبنائها بما يضمن لهم عملاً قارًا وعيشًا كريمًا في هذا التوجه"، وفق تقديره.

وأضاف: "علينا أن ندرك أيضًا بأن ما يسمى بالسلم الاجتماعي والارتقاء به يكون بطريقة أسرع إذا اختار الطفل إحدى الشعب العلمية كأن يصبح طبيبًا أو مهندسًا". ويُشير معاذ بن نصير إلى أن للإعلام دورًا هامًا في تكريس هاته النظرة، "فالتركيز على معدلات أصحاب الاختصاص العلمي دون الآداب هو ما زاد الطين بلة، وأصبحنا بطريقة لا إرادية نميل نحو العلوم ونعتبرها شعبة التميز والذكاء" وفق قوله.

مختص في علم الاجتماع التربوي: "الشعب الأدبية هي للأذكياء حيث يتميز التلميذ بالتحليل والتأويل والتفسير والمنطق والاستشراف، عكس الشعب العلمية التي تبقى جامدة"

يرى بن نصير أنّ النظرة الاستشرافية للولي والتلميذ على حد سواء، زادت من الرغبة في اختيار الشعب العلمية ويعود ذلك إلى لجوء البعض إلى الهجرة نحو العالم المتقدم، الذي يستقطب بدرجة أولى أصحاب الاختصاص العلمي، وبدرجة أقل الآداب وهنا نتحدث عن هاجس الهجرة الذي أصبح يسكن مخيلة أغلب الشباب التونسي".

وفق بالنصير هذه النظرة الدونية عليها أن تضمحل، لأن "الفضل يعود لخريجي الآداب في تطوير الوعي الجمعي والتفكير العام عبر البحوث العلمية في علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة" وفقه. واستشهد بالثورة الفرنسية التي قامت حسب رأيه "على أعناق مفكرين من الآداب ونحن اليوم في تونس في أشد الحاجة لثورة فكرية وفلسفية يكون قادتها من أبناء هذا التوجه".

وعن إمكانية وجود شعبة تضم طلبة أذكى من الأخرى، يجيب: "الشعب الأدبية هي للأذكياء حيث يتميز التلميذ بالتحليل والتأويل والتفسير والمنطق والاستشراف، عكس الشعب العلمية التي تبقى جامدة تقتصر فقط على الحتمية لا غير ولا تتطلب هامشًا من الحرية على مستوى إعمال العقل".

اقرأ/ي أيضًا: بدر الدين الماجري.. جرعة أمل من أعماق الشمال الغربي

  • من العلمي إلى الأدبي .. تغيير البوصلة

في المرحلة الثانوية، الخيارات ضعيفة بالنسبة لتلاميذ الشعبة الأدبية في إعادة التوجيه، التي تكون حصرًا نحو شعبة الاقتصاد والتصرف في السنة الثالثة من نفس المرحلة، شرط التميز في مادتي الرياضيات والتاريخ والجغرافيا خاصة، وعادة تكون آفاق خياراته بعد النجاح في البكالوريا محددة.

فيما للطالب في الشعب العلمية، خيارات أكثر تحررًا، ويمكن وفق معدلاته أن يتوجه إلى مسار يراه الأفضل بعد البكالوريا، وقد يكون فيه استغناء عن المواد العلمية لصالح الأدبية.

وتواصل "الترا تونس" مع الطالبة سامية (اسم مستعار) التي تفوقت في بكالوريا علوم تجريبية لكن أعدادها لم تسمح لها بدراسة الطب، فتوجهت إلى المعهد التحضيري للدراسات الهندسية، بمعدل 15 من 20. إلاّ أنّ طريقة التدريس التي وصفتها بأنها أقرب للعبودية والنسق السريع وطبيعة البرامج التي لا توفر لها أي هامش للحرية، جعلتها تفكر في تغيير الطريق، نحو مجال مختلف لطالما حلمت به وهو القانون. وأعادت التوجيه بعد نهاية السنة الجامعية نحو جامعة المنار، التي تفوقت فيها، رغم معارضة والدتها بداية.

سامية (طالبة قانون ـ بكالوريا علوم): لاحظت فرقًا في المستوى التعليمي مع طلبة شعبة الآداب، لا أجد صعوبة في فهم الدروس عكس زملائي الذين يفهمون بالتلقين

تقول الطالبة إنها لاحظت فرقًا في المستوى التعليمي مع طلبة شعبة الآداب، فهي مثلًا لا تجد صعوبة في فهم الدروس إذا تغيبت عن الحضور في الجامعة، عكس بعض زملائها الذين يفهمون بالتلقين، وفق قولها، ويحتاجون دائمًا من يفسر لهم.

وذكرت أنّها لا تعول على الحفظ بل الفهم، عكس دارسي القانون من شعبة الآداب الذين يعتمدون على ملكة الحفظ للنجاح، أساسًا.

أما أحلام (اسم مستعار) فلم يتدخل أي من أفراد أسرتها لمنعها من تغيير مسارها الدراسي، ورغم نجاحها بمعدل متميز في البكالوريا يخول لها دراسة جيدة في مجالها (العلوم التجريبية) فقد اختارت أن تتوجه إلى كلية الآداب والفنون والإنسانيات في منوبة، لدراسة اللغة الفرنسية. تقول لـ "الترا تونس" إن جيرانها وأصدقاءها تعجبوا من خيارها ولم يشجعوها لكنها أصرت، وترى أنّها وُفقت في ذلك.

وفق أحلام، النظرة الدونية تجاه الشعبة كرستها بدرجة أولى نسبة البطالة العالية في صفوف المقبلين عليها، خاصة أن الأجيال التي سبق وتخرجت لم تجد مكانًا لها خاصة في قطاع التعليم. وبالنسبة إليها الشعبة الأدبية أفضل على مستوى الآفاق لأنها قادرة على البحث عن عمل في غير مجالها، ولا يكبلها توجه علمي أو تقني محدد.

أحلام (طالبة): النظرة الدونية تجاه الشعبة كرستها بدرجة أولى نسبة البطالة العالية في صفوف المقبلين عليها

وأشارت إلى أنّ الشعبة الأدبية عمومًا لا تجمع أصحاب المؤهلات الضعيفة فقط، بل فيها طلاب، أصحاب نظرة عميقة وتحليل متميز، لكن أضعف المعدلات وطنياًّ تتيح التوجه في الغالب إلى المواد الأدبية وهو ما رسخ الصورة السلبية حولها، وأصبح التوجه إليها في المخيال الجمعي، ضرورة وليس حبًّا.

وفق أحلام، لن تتغير هذه النظرة إلا إذا فتحت الدولة آفاقًا جديدة لمرتادي الشعب الأدبية في سوق الشغل خاصة.

اقرأ/ي أيضًا: المدارس والمعاهد النموذجية في تونس.. هوس الأولياء وإرهاق الأبناء

  • إلغاء التقسيم بين الشعب العلمية والأدبية

عام 2017، انتشرت أخبار حول إمكانية إلغاء شعبة الآداب في تونس والجمع بين المواد العلمية والأدبية، وهو ما نفته الوزارة في بلاغ لها، مؤكدة أنّها لا تفكر أبدًا في هذا الإجراء، وأنّها ستواصل العمل بها ضمن آلية التدريس المتاحة.

وهو ما طرح انقسامًا لدى الرأي العام التونسي، حول مدى أهمية هذه الشعبة وجدوى التقسيم بين العلمي والأدبي، مع دعوات للجمع بين الشعبتين، حتى اجتياز مناظرة البكالوريا حيث يتاح للطالب الاختيار، باعتبار أن شعبة الآداب لا تنتج أشخاصًا فاعلين بكفاءة عالية في المجتمع، وفق تقدير البعض.

وهذه النظرة ليست وليدة اليوم، لأنّ علماء المسلمين تاريخيًا، كانوا يجمعون بين الصفتين، ويوصفون بالحكمة ومنها جاءت عبارة "الدكتور حكيم" مثلًا، لأنه يجمع بين الطب والفلسفة والرياضيات وعلم الفلك والفقه والموسيقى.

عام 2017، انتشرت أخبار حول إمكانية إلغاء شعبة الآداب في تونس والجمع بين المواد العلمية والأدبية، وهو ما نفته الوزارة حينها لكن البعض يساند هذا التوجه 

ومع تطور المناهج التعليمية بدا الانقسام جليًّا، وربما يعود ذلك إلى تداعيات عصر النهضة الأوروبية، في أواخر العصور الوسطى، وهي حركة ثقافية أولت اهتمامًا خاصًا بالآداب والعلوم الإنسانية واللغات القديمة، التي كانت سمة الطبقة الكلاسيكية البرجوازية في ذلك الوقت، وساهمت في تقسيم المجتمعات، إلى أدبية فنية يتميز بها صفوة القوم وأخرى علمية لبقية الشعب.

لكن اليوم اختلفت النظرة إلى الآداب، باعتبارها شعبة الأقل تميزًا اجتماعيًا، ثقافيًّا واقتصاديًّا، حتى أنّها الشعبة الأقل نجاحًا في تونس على مستوى نتائج البكالوريا فنسبة النجاح فيها عام 2021 على سبيل المثال لم تتجاوز ⁠26.50% وهي الأضعف مقارنة بباقي الشعب، ولم تختلف النسبة عن سابقتها في 2020 التي لم تتجاوز 28 %. فيما بلغت سنة 2019 حوالي 22 % ولم تتجاوز في عام 2018 نسبة %13. وتتنافس في المرتبة الأخيرة مع شعبة الاقتصاد والتصرف.

وحاول "الترا تونس" التواصل مع وزارة التربية التونسية للوقوف عند أسباب هذا الضعف والحلول التي يمكن أن تطرحها الوزارة للتحسين، لكن لم يتحصل على إجابة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بكالوريا 2021: تلاميذ بين مركز حجر "غير صحي" وتفتيش مهين

متفوّقو بكالوريا 2021 لـ"الترا تونس": الهندسة حلم أغلبهم ومغادرة تونس هدفهم