ultracheck
رأي

ديمقراطية المستبدين في طبعتها التونسية

24 يوليو 2015
GettyImages-108223641.jpg
أعاد الإنسان التونسي اكتشاف نفسه بعد ثورة الياسمين (الأناضول)
خولة الفرشيشي
خولة الفرشيشيكاتبة وناشطة من تونس

مقال رأي 

 

عملت الدولة الوطنية، منذ خروج المستعمر الفرنسي، على تحديث تونس وإلحاقها بركب البلدان المتقدمة، ولكنّها أخذت الطابع الاستبدادي. إذ أرغمت حكومة ما بعد الاستقلال المواطن التونسي على الانخراط في حلقة التحديث كفرض التعليم، وحفظ حقوق المرأة، والقضاء على العصبية القبيلة، التي تُعرف في تونس بالعروشية، ولم يكن الفرد في تونس جاهزًا لهذا كله، بسبب الجهل المتفشي وإحكام المستعمر قبضته على مفاصل البلد. 

أدى هذا إلى خلق طبقتين، واحدة متعلمة متأثرة بالنموذج الفرنسي، وأخرى تقليدية تسعى إلى المحافظة على الهوية الإسلامية الصميمة، واجتناب تقليد فرنسا لأنها تمثل "الكفر". وقد انعكس هذا جليًّا في الصراع السياسي بين شقّيْ الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف، الذي انتهى بتصفية الأخير في ظروف غامضة، لتعود موجة أخرى من التيار المحافظ بعد نكسة 67، تجلّت في التيار الإسلامي، أو ما يعرف الآن بـ"حركة النهضة التونسية".

لَبِسَ التونسي وتعلّم على طريقة الأوروبي، لكنه بقي متأصلًا في واقعه

لم يكن التحديث قرارًا شعبيًّا نابعًا من إرادة الشعب التونسي، بمقدار ما كان يعبر عن إملاءات حكومية بقيادة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، فلبس التونسي وتعلّم على طريقة الأوروبي، ولكنه بقي متأصلًا ضمنيًّا في واقعه، ويمكننا الاستشهاد بالمشروع التونسي في مجال حقوق المرأة، والذي يحمل في فصوله نزعة تحررية، ولكن هناك تباينًا كبيرًا بين الواقع والمشروع، فما زالت المرأة التونسية تعيش في واقع ذكوري يستبطن دونية المرأة وخضوعها لسلطة الرجل والعائلة، رغم أنّ حقوقها النظرية سبقت واقعها بأشواط كثيرة، نلاحظ أن العادات القبلية ما زالت حاضرة في بعض الأرياف حيث تحرم المرأة من حقها في الميراث.

لا يعكس ما ذهب إليه الحبيب بورقيبة تحديثًا منبعه محاورة الواقع التونسي وبنياته السوسيوثقافية ومحاورة الآخر الغربي، وإنما يُعد مجرد إسقاط للثقافة الغربية على الشعب التونسي، ما ولّد انفصامًا اجتماعيًّا في شخصية المواطن التونسي، ذلك أنها باتت شخصية مزدوجة، تفصلها هوة كبيرة عن هويتها وخصوصيتها الحقيقية.

مع فترة حكم بن علي، شهد الواقع التونسي تغريبًا جديدًا ومحنةً قوامها استلاب الشخصية التونسية، إذ تمّ استثمار الإسلام بشكل براغماتي، يضفي طابع القداسة على حكمه من جهة، ويشرّع لقمعه بادعاء أنه وريث شرعيّ لمقومات الإسلام في تونس، ولكي يخفي عمالته للغربيّ وفق قوانين وضعية، تتعارض رأسًا مع خطابه وسلوكاته الدينية المتمثلة في بناء الجوامع وغيرها من تعبيرات سياسية مارسها نظامه كالوصاية على المساجد ومنابر الدين، والحال أن سجونه في تلك الفترة، كانت تعجّ بالإسلاميين كما اليساريين، وهو ما يبرز تنكّره لجل مقومات القوانين الوضعية في حرية الرأي والتعبير، وحرية المعتقد والضمير. هكذا تم العمل على طمس مقومات الشخصية التونسية، وقولبتها وفق مصلحة نظام الحكم.

بعد الرابع عشر من كانون الأول/يناير، أعاد الإنسان التونسي اكتشاف نفسه، وهو ما أفرز على السطح تشكيلات هوياتية ملأت الفضاء المدني والإعلامي والسياسي والافتراضي، فظهر السلفيون والليبراليون والشيوعيون واليساريون والأناركيون والعروبيون والأمازيغ، وحتى عبدة الشيطان ودعاة المثلية الجنسية، إلى جانب حركات التبشير المسيحية التي حاولت النهل من التاريخ المسيحي لتونس الذي سبق الفتوحات الإسلامية.

هل تخرج النخب السياسية من المراهقة إلى النضج، لتبني قواعد للعبة الديمقراطية في تونس؟

لم تستطع كل هذه الحركات أن تبني قواعد تعايش بينها، رغم الدستور التوافقي الذي انبثق عن المجلس التأسيسي بعد 14 كانون الأول/يناير. حداثتها في العمل السياسي الرسمي، وحالة الكبت التي كانت تعيشها جميعًا، ولّدت حالة عدائية قصوى لدى بعضها البعض، وحبًا في التسلط والسيطرة ومحاولة إنتاج الشكل القديم للنظام، ولكن بصيغة تجعل كل واحدة منها تسعى إلى أن تكون المسيطر الوحيد على المشهد، إلى جانب اختراقات وتدخلات أجنبية، ساعدت في تأجيج الصراع وبث روح الفتنة. كما ساهم وجود الوجوه القديمة، وتصدرها للمشهد السياسي في عودة الصراع القديم الذي عاشته الجامعة التونسية في سبعينات القرن الماضي.

إن الممحّص في المشهد التونسي يجد أن حالة من المراهقة والطفولية السياسية تسيطر على قياداته التي يطغى عليها فكر إقصائي إلغائي، استمدته من مرجعيات متطرفة من داخل مدارسها الفكرية وثقافة الاستبداد التي ربّتها عليها الأنظمة السابقة.

أما السواد الأعظم من المجتمع، وخاصة جيل الشباب الذي تلقى مناهج تربوية مفرغة من أيّ مرجع فكري أو حس نقدي، جعلته في أزمة وجودية يبحث من خلالها عن هويته، وهو الأمر الذي استغلته كل الأطراف السياسية لتحاول صبغه بلونها، ما عمق الأزمة وزاد من حالة التوهان الذي يعيشه الشعب التونسي، وولّد حالة من الرفض للجميع تجسدت في الانتخابات الأخيرة، إذ كانت أضعف نسبة مشاركة لدى الشباب.

فهل تخرج النخب السياسية التونسية من مرحلة المراهقة إلى مرحلة النضج التي تبني فيها قواعد للعبة الديمقراطية في البلاد، وجسورًا للتواصل والتعايش بين جميع أطيافها؟ أم ستتواصل هذه الحالة الطفولية ومعارك إلغاء الكل للكل؟ ما سيؤدي حتمًا، لا قدر الله، إلى انهيار السقف على الجميع وسقوط الدولة التونسية.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

 

الكلمات المفتاحية

تثبيت أحكام قضية التآمر.. أحزاب محاكمة سياسية للمعارضة الرافضة للانفراد بالحكم

تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟

قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين


حقوق حريات حزب المسار شبكة الحقوق

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز

لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"


جحيم السّجون

جحيم السّجون في تونس

من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة


حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

حين يتحوّل التشخيص نفسه إلى "أمر غير طبيعي"

طارق الكحلاوي: السلطة، حين تتعامل مع كل عطب خدماتي بوصفه اعتداءً خارجيًا أو تخريبًا داخليًا منظمًا، تحرم نفسها من الأداة الوحيدة التي تمكّنها من حل المشكلة فعليًا أي التشخيص الموضوعي

طقس تونس pexels
منوعات

طقس تونس.. الحرارة في استقرار مع أمطار متفرقة وغزيرة ببعض المناطق

معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي قوية نسبيًا قرب السواحل الشرقية وبالجنوب وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

طقس تونس قرطاج Getty
منوعات

طقس تونس.. انخفاض في درجات الحرارة وأمطار رعدية في عدة جهات

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تواصل الانخفاض، لتتراوح القصوى بين 23 و28 درجة بالشمال والمرتفعات


تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية
منوعات

تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية

تقام مباريات الجولة الرابعة للبطولة التونسية، أيام السبت 12 والأحد 13 والأحد 20 سبتمبر 2026 انطلاقًا من الساعة الرابعة بعد الزوال.

طقس تونس.. أمطار غزيرة بعد الظهر ببعض المناطق مع انخفاض الحرارة
منوعات

طقس تونس.. أمطار غزيرة بعد الظهر ببعض المناطق مع انخفاض الحرارة

معهد الرصد الجوي: ظهور خلايا رعدية مصحوبة بأمطار أحيانًا غزيرة بعد الظهر بالمناطق الغربية للشمال والوسط ثم تشمل بعض الجهات الشرقية أثناء الليل

الأكثر قراءة

1
سیاسة

تزايد الوفيات داخل السجون.. جمعية القضاة تدعو إلى فتح أبحاث قضائية فورية


2
منوعات

البطولة التونسية.. انتصاران للترجي وشبيبة العمران وتعادل وحيد


3
مجتمع

مدينة عمر المختار بسيدي حسين.. عائلات مهددة ومطالب بتدخل عاجل


4
مجتمع

"الصوناد" تعلن تواصل اضطراب التزويد بالماء.. 3 ولايات معنية


5
منوعات

أوت 2026 يحتل المرتبة الأولى بين أشهر أوت الأكثر حرارة في تونس منذ سنة 1950