واقع الحريات الصحفية في تونس.. 154 اعتداءً و14 ملاحقة قضائية
2 مايو 2026
إحياءً لليوم العالمي لحرية الصحافة، أصدرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين يوم السبت 2 ماي/أيار 2026، تقريرها السنوي حول الحريات الصحفية في تونس للفترة الممتدة من غرّة أفريل/نيسان 2025 إلى غرّة أفريل/نيسان 2026.
وتضمّن التقرير معطيات تعبّر عن واقع حرية الصحافة في تونس، كما شمل عدة توصيات للسلطات التونسية، وقالت النقابة إن التقرير يأتي هذه السنة "في سياق وطني ودولي بالغ التعقيد، يتسم بتداخل عميق بين تحولات سياسية متسارعة، وضغوط اقتصادية غير مسبوقة، وتسارع لافت في مسارات التحول الرقمي التي تعيد تشكيل المجال الإعلامي ووظائفه، غير أن هذا السياق لا يمكن فصله عن مناخ سياسي داخلي يتسم بتضييق متزايد على المجال العام".
اعتداءات وملاحقات قضائية في حق الصحفيين
كما اعتبرت أن "واقع العمل الصحفي شهد خلال الفترة التي يشملها التقرير طيلة سنة، تعقيدات متزايدة، لم تقتصر على الجوانب الظرفية، بل شملت أساسًا الإطارين التشريعي والمؤسساتي المنظمين للمهنة. وقد تجلت هذه التعقيدات خاصة في الإشكالات المرتبطة بتحديد صفة الصحفي، إضافة إلى العراقيل غير المشروعة التي وُضعت أمام أداء مهامه، بما يعكس بيئة عمل تتسم بعدم الاستقرار القانوني والمهني".
سجلت النقابة 154 حالة اعتداء على الصحفيين خلال الفترة من أفريل/نيسان 2025 إلى أفريل/نيسان 2026، وبينت في تقريرها أن "تطور عدد الاعتداءات خلال السنوات الخمس الأخيرة يظهر نسقًا غير مستقر يعكس هشاشة بيئة العمل الصحفي أكثر مما يعكس منحىً واضحًا نحو التحسن. فقد ارتفع عدد الاعتداءات من 214 حالة سنة 2022 إلى 257 حالة سنة 2023، قبل أن يشهد تراجعًا تدريجيًا إلى 211 سنة 2024، ثم 167 سنة 2025، وصولًا إلى 154 حالة سنة 2026".
سجلت نقابة الصحفيين 154 حالة اعتداء على الصحفيين في تونس خلال الفترة من أفريل 2025 إلى أفريل 2026، إضافة إلى 14 ملاحقة قضائية للصحفيين، وصدور 5 أحكام سالبة للحرية في حق صحفيين تونسيين
واعتبرت النقابة أنه "رغم أن هذا الرقم يُظهر تراجعًا نسبيًا مقارنة بالفترات السابقة، إلا أن القراءة النوعية لهذه المعطيات تكشف أن هذا التراجع لا يعكس بالضرورة تحسنًا فعليًا في واقع حرية الصحافة، بقدر ما يخفي تحولات في طبيعة الانتهاكات وأشكالها".
وبينت أن "الاعتداءات أصبحت أقل مباشرة في بعض الحالات، لكنها أكثر تعقيدًا ومأسسة، وهو ما يجعل رصدها والتصدي لها أكثر صعوبة".
وكشف التقرير تسجيل 55 اعتداء استهدف السلامة الجسدية والنفسية للصحفيين بوتيرة مقلقة، وتوزعت هذه الاعتداءات إلى 29 حالة تحريض و14 حالة اعتداء جسدي و10 اعتداءات لفظية إضافة إلى تسجيل حالتي تهديد، كما مثّل الفضاء الرقمي عنصرًا محوريًا في تغذية هذا النوع من العنف، إذ تم تسجيل 21 حالة تحريض وتهديد عبر المنصات الرقمية، كان نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي مسؤولين عن 18 منها.
كما سجّل التقرير الصادر عن النقابة 14 ملاحقة قضائية للصحفيين، خلال الفترة التي يشملها التقرير، وقد تمت ملاحقة الصحفيين على معنى المرسوم 54 الخاص بمكافحة جرائم أنظمة المعلومات والاتصالات، كما تمت الملاحقة في 6 مناسبات على معنى المجلة الجزائية، وفي حالتين تمت الإحالة على معنى مجلة الاتصالات، كما سجّل التقرير خلال الفترة نفسها التوجه نحو التجريم بصدور 5 أحكام سالبة للحرية في حق صحفيين تونسيين.
نقيب الصحفيين: وضع قاتم للصحافة التونسية
وخلال ندوة صحفية انعقدت بمقرّ نقابة الصحفيين لتقديم التقرير السنوي لواقع الحريات الصحفية، قال نقيب الصحفيين التونسيين زياد دبار، إن "تونس تحي ذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يوافق يوم 3 ماي/أيار من كل سنة، في ظل وجود صحفيين تونسيين في السجن، ووجود ما لا يقل عن 28 تتبع لصحفيين تونسيين استنادًا إلى قوانين مختلفة ما عدا المرسوم عدد 115 المنظم للمهنة".
وأضاف أن "الصحفيين التونسيين لا يزالوا يُطالبون بالتراخيص لتمكينهم من ممارسة مهامهم، وتُمارس عليهم عديد التضييقات، فضلًا عن عدم تسليم بطاقات الاعتماد".
اقرأ/ي أيضًا: نقابة الصحفيين تحذّر: تصاعد خطير لخطابات الكراهية في تونس
وأضاف أن "شكايات يومية تصل من الصحفيين حول حالات المنع من العمل، حتى أصبحت الأسئلة عن غلاء الأسعار وكلفة المعيشة موجبة للتتبع في عدد من الحالات".
كما اعتبر أن "مؤسسات الإعلام العمومي أصبحت تُدار كمزرعة خاصة، أين طغى الصوت الواحد والرأي الواحد، وغابت التعددية".
نقيب الصحفيين التونسيين زياد دبار: يوجد ما لا يقل عن 28 تتبعًا لصحفيين تونسيين استنادًا إلى قوانين مختلفة ما عدا المرسوم عدد 115 المنظم للمهنة، ووضع قطاع الصحافة في تونس قاتم
ولفت من جانب آخر إلى أن "الاعتداءات على الصحفيين انخفضت لأن العمل الصحفي انكفأ، وليس لأن الوضع سار نحو الأفضل"، معتبرًا أن "وضع قطاع الصحافة في تونس قاتم وهناك شعور بالمرارة، في ظل منظومة لا تحترم القانون، وسلطة تتشدق بخطاب اقتصادي واجتماعي لا نرى له أثرًا ملموسًا في الواقع".
ولفت إلى أن "استهداف الصحفيين هو استهداف للحقيقة"، كما طالب بمراجعة كل التشريعات التي تمس بالحريات، مضيفًا أن "رئيس الجمهورية يقول إن الحريات مضمونة، ولكن مقابل ذلك نرى الواقع المرير لسجن الصحفيين وتصفية الأصوات المستقلة".
وأكد زياد دبار أن "الصحفيين التونسيين سيدخلون في جملة من التحركات الاحتجاجية وسيتم الإعلان عنها في وقت لاحق".
كما أضاف أن "النقابة ستطرح خلال مؤتمرها المقبل، مقترحًا بسحب انخراط كل صحفي يتورّط في الصنصرة، التي أصبحت ظاهرة سيئة جدًا تهيمن على قطاع الإعلام والصحافة في تونس".
توصيات للسلطات التونسية
واعتبرت نقابة الصحفيين التونسيين في تقريرها أن "الأزمة التي يعيشها قطاع الإعلام اليوم لم تعد أزمة قطاعية أو ظرفية، بل أصبحت تعبيرًا مكثفًا عن اختلالات أوسع تطال التوازن بين السلطة والمجتمع، في سياق سياسي يتجه بشكل متسارع نحو تجريف الحياة السياسية، وتحجيم دور المجتمع المدني، وإضعاف الأجسام الوسيطة، تحت مبررات متعددة من قبيل مكافحة الفساد أو حماية الدولة من التفتت، بما أفضى عمليًا إلى إعادة تشكيل المجال العام على أسس أكثر انغلاقًا وأقل تعددية".
ولفتت في تقريرها إلى أن "الصحافة في تونس دخلت مرحلة مفصلية تتجاوز مسألة حرية التعبير في معناها التقليدي، لتطرح إشكالًا أعمق يتعلق بمستقبل المهنة نفسها، وبقدرتها على الاستمرار كوظيفة اجتماعية ديمقراطية قائمة على التعددية، والرقابة، والمساءلة. ففي ظل سياق يتسم بتراجع آليات الضبط والتعديل المستقل، وتزايد الصعوبات الاقتصادية، وتضييق متنامٍ على النفاذ إلى المعلومة، إلى جانب تنامي مناخ عام تغلب عليه الضغوط السياسية والأمنية، تجد المؤسسات الإعلامية نفسها أمام تحديات وجودية تهدد استقلاليتها، وتدفع بها تدريجيًا نحو فقدان قدرتها على أداء دورها كوسيط نقدي داخل الفضاء العام".
تقرير واقع الحريات الصحفية: أزمة الإعلام اليوم لم تعد قطاعية أو ظرفية، بل أصبحت تعبيرًا مكثفًا عن اختلالات أوسع تطال التوازن بين السلطة والمجتمع، في سياق سياسي يتجه بشكل متسارع نحو تجريف الحياة السياسية، وتحجيم دور المجتمع المدني
وأضافت أنه "لا يمكن فهم هذا التقهقر المتسارع في واقع الحريات الصحفية بمعزل عن السياق السياسي العام، حيث تتقاطع التحولات المؤسساتية مع خيارات سياسية تعيد رسم حدود المجال العام، وتؤثر بشكل مباشر في البيئة الحاضنة لحرية التعبير"، وأشارت في السياق ذاته إلى أنه "مهما تعددت العوامل التقنية والاقتصادية، تبقى المسؤولية السياسية عنصرًا حاسمًا في تفسير هذا التراجع، خاصة في ظل سياسات عمومية تميل إلى التحكم في مفاصل المجال الإعلامي، سواء عبر التشريع، أو عبر التضييق على النفاذ إلى المعلومة، أو عبر إضعاف الهيئات التعديلية، أو من خلال خلق مناخ من الخوف والضغط غير المباشر، يجعل من ممارسة العمل الصحفي فعلًا محفوفًا بالمخاطر".
اقرأ/ي أيضًا: خلّف عقوبات سجنية وصنصرة ذاتية.. دعوات لتنقيح المرسوم 54 في تونس
وتقدمت نقابة الصحفيين التونسيين في هذا الإطار بجملة من التوصيات للسلطات التونسية وإدارة المؤسسات الإعلامية وكذلك مختلف الجهات السياسية والمدنية، وفيما يلي أبرز هذه التوصيات:
رئاسة الجمهورية:
مراجعة السياسة الاتصالية لرئاسة الجمهورية والانفتاح على وسائل الإعلام على أساس ضمان المساواة الكاملة بين وسائل الإعلام، وتكريس الشفافية والنشر الاستباقي للمعلومة.
مجلس نواب الشعب:
تسريع النظر في مشروع تعديل المرسوم 54 بما يضمن، عدم تسليط عقوبات سالبة للحرية في قضايا الصحافة والتعبير، ومنع توظيفه ضد العمل الصحفي والمحتوى الإعلامي، والتسريع في النظر في المبادرة التشريعية المتعلقة بإرساء هيئة الاتصال السمعي البصري
رئاسة الحكومة:
تعديل السياسة الاتصالية الخاصة بها في اتجاه الانفتاح على كل وسائل الإعلام على قدم المساواة وضمان ولوج الصحفيين/ات إلى تغطية الزيارات الميدانية للمسؤولين الحكوميين في مختلف الولايات وخاصة الداخلية، وإيقاف العمل بالمناشير المعيقة للحق في الحصول على المعلومات وتفعيل مبدأ النشر التلقائي للمعطيات والتقارير المتعلقة بنشاطها.
الجهات القضائية:
مراقبة احترام الحق في الحصول على المعلومات والتغطية الصحفية داخل قاعات المحاكم وإزالة كل العوائق غير المشروعة أمام عمل الصحفيين/ات، وإيقاف إحالة الصحفيين/ات على معنى المرسوم 54 والنصوص الزجرية العامة في قضايا النشر، واعتماد المرسوم 115 كإطار حصري.
وزارة الداخلية:
توفير الحماية الضرورية لضمان أمن وسلامة الصحفيين/ات خلال تغطية التظاهرات والتجمهرات ومحاسبة الأمنيين المنخرطين في العنف على الصحفيين/ات، ومحاسبة كل الأمنيين المتورطين في اعتداءات ضد الصحفيين عبر آليات شفافة وعلنية.
للاطلاع على التقرير السنوي لواقع الحريات الصحفية 3 ماي/أيار 2026، تجدونه كاملًا هنا.
الكلمات المفتاحية
حرية الصحافة في تونس.. استياء متزايد إزاء تراجع مكاسب الإعلام
يحلّ الثالث من ماي، اليوم العالمي لحرية الصحافة، على المشهد الإعلامي في تونس هذا العام مثقلًا بالهواجس، التي ترسم ملامح واقع "موجع وقاتم"، تتقاطع فيه القضبان مع الرقابة الذاتية وغياب المعلومة
"رمضان ملء قلوبنا".. عن أشهر برنامج إذاعي رمضاني في تونس
برنامج "رمضان ملء قلوبنا" ليس برنامجًا عاديًا في الإذاعة، بل شعلة روحية ونفحة دينية أضاءت في تونس عبر أثير الإذاعة الوطنية التونسية لأزيد من ستين عامًا
خلّف عقوبات سجنية وصنصرة ذاتية.. دعوات لتنقيح المرسوم 54 في تونس
رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بسام الطريفي: "المرسوم 54 يعدّ من أولى المراسيم التي صدرت في 2021، وهو من آليات حكم هذه المنظومة منذ 25 جويلية 2021"
4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54
نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54 ضد الصحفيين وآخرها الأحكام الصادرة بحق الصحفية خولة بوكريم، والنزاعات المتعلقة بالمضامين الإعلامية يجب أن تعالج في إطار المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر
أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل يحتجون للمطالبة بتطبيق قانون انتدابهم الاستثنائي
يواصل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، احتجاجاتهم رفضًا لـ"سياسة المماطلة في تنفيذ القانون 18 وإصدار الأوامر الترتيبة القاضية بانتدابهم".
كم بلغ عدد حالات الغش خلال الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026؟
مدير عام الامتحانات الوطنية بوزارة التربية: الوزارة لا تهدف إلى معاقبة التلاميذ، بل توفير شروط النجاح لهم، مع التصدي لإصرار بعض الأطراف على التشويش على الامتحانات الوطنية
رسميًا.. "الفيفا" يرفع المنع من الانتداب عن الترجي الرياضي التونسي
تم تحيين جدول العقوبات في منصة منع الانتداب للفيفا، حيث أُزيل اسم نادي الترجي الرياضي التونسي رسمياً من قائمة الأندية المحظورة بعد تسوية ملفه