هل لديك أكاذيب أخرى؟
4 يوليو 2026
مقال رأي
لو كنتَ من المتابعين للشّأن العامّ إبّان حكم نظام الرّئيس الرّاحل، زين العابدين بن عليّ، فعلى الأرجح أنّ اسم سهام بن سدرين قد مرّ عليك. وإن كان، فمن المؤكّد أنّ أوّل عهدك بهذا الاسم كان على صفحات "الحدث" أو "كلّ النّاس" أو على موقع "بالمكشوف"، وهي وسائل إعلام هابطة، كانت تُمثّل منصّة غير رسميّة، يُوجّه عبرها نظام بن عليّ سمومه حيال بن سدرين ومجموعة أخرى من النّاشطات – طبعًا، إلى جانب ناشطين -، مثل نزيهة رجيبة – أمّ زياد – وراضية النّصراويّ وسناء بن عاشور وبشرى بلحاج حميدة وخديجة الشّريف وسهير بلحسن والرّاحلة ميّة الجريبي..
لم تدّع بن سدرين ورفيقاتها الكمال. لكنّهنّ عملن لعقود طويلة ثقيلة على إعلاء صوتهنّ وقول كلمة حقّ في وجه سلطان جائر، كلّ بطريقتها وأسلوبها ونبرتها، مع علمهنّ المسبق بالثّمن الباهظ الّذي كان عليهنّ دفعه، وقد دفعنه، بالفعل، وبطرق شتّى.
اللّافت أنّه، غداة صدور حكم بسَجن سهام بن سدرين 25 عامًا، بصفتها رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، انطلقت صفحات على شبكة "فيسبوك" بالتّرويج لأكاذيب خلنا أنّها دُفنت مع آلة الدّعاية القذرة الّتي كان يُديرها نظام بن عليّ
استخدم نظام بن عليّ العصا – تلك المؤسّسة الأغلى على قلبه – لمحاولة احتواء الأصوات المعارضة، فاعتقلهنّ وضيّق عليهنّ الخناق وراقبهنّ وعذّبهنّ. لكنّه جنح أيضًا إلى الاغتيال المعنويّ. كانت المقالات – غير الممضاة، طبعًا – تنال من عرضهنّ وتتّهمهنّ بالخيانة، مع كليشيهات لغويّة تكاد تكون ثابتة، من قبيل "بثّ الأراجيف" أو "التّمسّح على عتبات السّفارات الأجنبيّة".
واللّافت أنّه، غداة صدور حكم بسَجن سهام بن سدرين خمسة وعشرين عامًا، بصفتها رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، بتهم "تجاوزات وخروقات" في ملفّ البنك الفرنسيّ التّونسيّ، انطلقت صفحات على شبكة "فيسبوك" – وهو الأكثر استخدامًا في تونس – بالتّرويج لأكاذيب خلنا أنّها دُفنت مع آلة الدّعاية القذرة الّتي كان يُديرها نظام بن عليّ، من ذلك "دور بن سدرين المشبوه في احتلال الولايات المتّحدة للعراق"، سنة 2003، استنادًا لمذكّرات بول بريمر، المهندس الأمريكيّ لتفتيت العراق، والحال أنّ الكتاب المعنون "عام قضيّتُه بالعراق" – وقد صدر باللّغة الانجليزيّة – لم يأت على ذكر بن سدرين، لا من قريب ولا من بعيد. بل إنّ بعض الصّفحات نشرت غلاف كتاب بن سدرين، "رسالة إلى صديقتي العراقيّة" – وقد صدر باللّغة الفرنسيّة – كدليل على "عمالتها للأمريكيّين"، بينما كانت تتطرّق فيه الكاتبة إلى "العراق الجديد" الّذي مزّقته واشنطن، بل وتُحذّر فيه من سيناريوهات مماثلة في تونس وسوريا، حيث يمكن أن يفتح الطّغيان المحلّيّ الباب أمام التّدخّل الخارجيّ.
اقرأ/ي أيضًا: الهشاشةُ.. بداية لأيّ انهيار
لكم أن تتخيّلوا أنّ هذه الأكاذيب صمدت لنحو ربع قرن! وقبلها، طبعًا، السّلوك ذاته لآلة الدّعاية نفسها، إذ لم يكن طريق الهيئة مفروشًا بالورود. فقد اتّهمتها "الماكينة" بتلفيق الملفّات وتضخيم شهادات الضّحايا بل وحتّى تمكين الآلاف منهم من تعويضات سخيّة أثقلت كاهل الدّولة.
كثيرون نظروا – ولا يزالون، بالمناسبة – للهيئة بعين الرّيبة، لا بسبب عيب في صلاحيّاتها ومهامّها، بل بسبب عدائهم – النّابع من خوفهم – للعدالة الانتقاليّة، تماًم مثلما عملوا، سريعًا، على طيّ صفحات تقرير لجنة تقصّي الحقائق عن الفساد والرّشوة، الّذي وإن أنجز على عَجَل فإنّه عبّد الطّريق للكشف عن ملفّات شديدة الخطورة مثّلت حجر الأساس في منظومة الفساد والإفساد إبّان حكم بن عليّ.
لم تدّع بن سدرين ورفيقاتها الكمال. لكنّهنّ عملن لعقود طويلة ثقيلة على إعلاء صوتهنّ وقول كلمة حقّ في وجه سلطان جائر، كلّ بطريقتها وأسلوبها ونبرتها، مع علمهنّ المسبق بالثّمن الباهظ الّذي كان عليهنّ دفعه، وقد دفعنه،بالفعل، وبطرق شتّى
كانت سهام بن سدرين الذّريعة الّتي تخفّى وراءها معادو العدالة الانتقاليّة. ولو عُهدت رئاسة الهيئة لبن عليّ نفسه لما تغيّر موقفهم. وكان ترويجُ الأكاذيب السّلاحَ لتقويض المسار برمّته.
أسلوب الأكاذيب، عدا عن كونه رخيصًا، يسحب من تحت أقدامنا ضرورات عدّة، ليس أقلّها ضرورة تقييم أيّ تجربة، فتختفي الوقائع الموثوق من صدقيّتها، أمام سرعة انتشار ما أشيع من أخبار زائفة، بشكل يجعل ما كان يمكن أن يُؤسّس للمحاسبة والمساءلة والجرد، يتحوّل سريعًا إلى عراك وسباب وشتم.
كما أنّه أسلوب يصنع آلهة، حين يتعلّق الأمر بمحاولة خلق واقع يتمنّاه طرف بعينه بهدف تمجيد شخصيّة أو جهة سياسيّة، ويصنع شياطين حين يتحوّل الهدف إلى التّشويه.
وبالرّغم من العواقب الوخيمة لآلة التّزيّيف، فإنّ للأكاذيب مستقبلًا باهرًا في مجتمعنا، فنحن لا نكتفي بالقَبول بالكذب، بل نُقبل عليه. ولا أعتقد أنّ الأمر يتعلّق بجهة دون غيرها، سواء في الإنتاج أو الاستهلاك، ناهيك عن الاستهداف.
اقرأ/ي أيضًا: علاقتنا الملتبسة بالشّهادات التّاريخيّة
وفي غمرة هذا المشهد المزري، خرجت أستاذ علم النّفس والكاتبة، رجاء بن سلامة، برسالة قويّة قدّمت فيها اعتذارًا علنيًّا، لتصديقها "الكثير من الأكاذيب الّتي روّجها فاعلون سياسيّون ومدنيّون وإعلاميّون، من باب تصفية الحساب مع اﻹسلاميّين". وختمت بن سلامة رسالتها بالدّعوة إلى "نقد ذاتيّ يسمح بتحريرنا من أكاذيب قاتلة، ومن تلاعب بالعقول ساهمت فيه الشّبكات الاجتماعيّة بدرجة أكبر"، مشدّدة على أنّه ليس لها من طموح "سوى المساهمة في إعداد مستقبل أفضل للأجيال القادمة وفي التّمهيد لحالة تصالح ومصارحة نطوي بها صفحة الاحتراب والقمع".
ولم يكن مفاجئًا أن تُقابَل رسالة رجاء بن سلامة بحملة شرسة من معارضين لحركة النّهضة، إذ رأوا فيها محاولة للتّطبيع مع الإسلاميّين، في تأكيد لنزعتهم الاستئصاليّة الرّافضة لمجرّد فكرة وجودهم على السّاحة. لكن، في المقابل، كان هناك هجوم صادمٌ من إسلاميّين على بن سلامة بل بلغت حدّ اتّهامها بالمساهمة في فشل تجربة الانتقال السّياسيّ، ممّا دفع بالمؤرّخ، محمد ضيف الله، إلى التّعليق، قائلًا: "من خلال ردود العديد من النّهضويّين على الأستاذة رجاء بن سلامة، أفهم لماذا فشلت النّهضة".
كثيرون نظروا – ولا يزالون – لهيئة الحقيقة والكرامة بعين الرّيبة، لا بسبب عيب في صلاحيّاتها ومهامّها، بل بسبب عدائهم – النّابع من خوفهم – للعدالة الانتقاليّة، تمامًا مثلما عملوا، سريعًا، على طيّ صفحات تقرير لجنة تقصّي الحقائق عن الفساد والرّشوة
وعدم تقبّل الاعتذار، سواء من هذا الطّرف أو ذاك، هو جزء أصيل في "ماكينة" الأكاذيب. فالطّرف الأوّل، يرى أنّ رسالة بن سلامة هي دحض لتلك الأكاذيب. أمّا الطّرف الثّاني، فيدّعي برفضه الاعتذار أنّ الباطل لا يأتيه لا من خلفه ولا من أمامه، وهو أبعد عن ذلك بكثير.
ومن المضحكات المبكيات أنّ بعض الأكاذيب تحوّلت إلى أيقونات للتّندّر، من ذلك يخت الوزير السّابق، سمير ديلو، أو ثروة زعيم حركة النّهضة، راشد الغنّوشي، - فرّج الله كربه - البالغة 2700 مليون دينارًا وإرسال الرّئيس الرّاحل، الباجي قائد السّبسي، برقيّة عزاء للحكومة الإسرائيليّة، بعد وفاة مجرم الحرب، أرييل شارون، ونزول مليون و800 ألف تونسيّ للشّارع تعبيرًا عن دعمهم لرئيس سلطة الأمر الواقع، قيس سعيّد..
وقد نحتاج لكتاب من الحجم الضّخم لتعداد هذا الكمّ الهائل من الأكاذيب. لكنّنا سنحتاج حتمًا لطبعات عدّة مُحدَّثة. فالنّزيف مستمرّ!
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
ليسوا ديمقراطيين.. الأقنعة غير البريئة التي تخدم الاستبداد
"الاختلاف مع الآخر السياسي.. لا يمكن أن يحوّل أي ديمقراطي بحقّ إلى عدوّ للديمقراطية، وإن كان عكس ذلك، فهو منذ البداية ليس ديمقراطيًا، بل هو منتحل صفة.. "
الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟
في باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ
تونس والجزائر.. المقبول وغير المقبول
"من يهدّد تونس نخلولو الخيمة تاع والديه".. هل من المقبول أن يدلي الرئيس الجزائري بتصريح بتلك الصيغة؟
"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس
قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..
هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب
أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..