ultracheck
مجتمع

موسم الحصاد في تونس.. لماذا تسارعت الوتيرة وتراجعت الفترة الزمنية؟

1 يوليو 2026
وزارة الفلاحة التونسية تحذر
دافع ماديّ يتمثّل في تأمين عائدات ماليّة تساعدهم على مواجهة الديون.. من بين أسباب تسريع بعض الفلاحين في موسم الحصاد (صورة توضيحية/ فتحي بلعيد/ أ ف ب/ Getty)
أحمد الزوابي
أحمد الزوابي باحث من تونس

في موسم الحصاد في تونس، مواعظ ومكاسب ونواميس، مواعظ وعبر مبثوثة في الأشعار والأمثال والألغاز والأقوال المأثورة، ومكاسب وأرباح تراها مرأى العين في سنابل القمح المنحنيات امتلاءً واكتنازًا وأكياسه المكدّسة في الشاحنات والمخازن، أمّا النواميس والطقوس المقترنة بهذا الحدث الجليل فهي مهما تنوّعت تظلّ موصولة بمعاني الأمل والصبر والخير والطهارة والجمال.

لئن بدت تلك النواميس المتّصلة بالحصاد ذات عمق ثقافيّ وجوهر روحي وعطر جمالي فإنّ اقترانها بالبعد المادّي وصلتها بالأمن الغذائي قد اقتضى منذ عقود جملة من التشريعات والضوابط حرصًا على حماية المحصول من التلف والتعفّن وغيرها ممّا قد يُحوّل المنحة إلى محنة ويجعل الغنيمة خسرانًا وغرامة. جدير بالذكر أنّ صابة الحبوب قد تتخطّى موسم 2026 وفق التقديرات الرسمية 22 مليون قنطار وهو ما اقتضى استعدادًا أوفر ويقظة أشدّ والتزامًا حازمًا من قبل كلّ الأطراف بجملة من الضوابط والأحكام.

من اللافت سرعة انقضاء موسم الحصاد في تونس.. إذ تراجعت فترة الحصاد من موسم صيفيّ إلى بضعة أسابيع إلى  عدد من الأيّام القصيرة

  • بداية الحصاد في تونس.. تواريخ رسميّة محدّدة واجتهادات فرديّة متعدّدة

بداية موسم الحصاد في تونس من الضوابط الميقاتية التي تحدّدها الدولة بدقّة علميّة تشرف عليها لجان مختصّة تأخذ بعين الاعتبار المناخ ونضج المحصول والتحضيرات اللوجستيّة. تختلف نسبيًّا حسب الجهات من الشمال إلى الوسط إلى الجنوب، تتناقل وسائل الإعلام الرسميّة وغيرها خبر انطلاق هذا الحدث الاقتصادي الهامّ الذي يضاهي أخطر العملّيات ذات الأهميّة الوطنيّة والأمنيّة في عناوين من قبيل انطلاق موسم الحصاد بجندوبة أو سوسة أو القصرين أو غيرها، مع التنصيص على نعت هذا الموعد بكونه تاريخًا رسميًّا يوحي بأن الفلاح بإمكانه أن يجتهد نسبيًا في تخير بداية مبكرة "غير رسمية" في جمع المحصول، يمكن بيسر معاينة هذا التباين الواضح من إقليم إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى وداخل القرية الواحدة أحيانًا، لكنّ الجامع بين هذه الاختلافات هو سرعة انقضاء موسم الحصاد وهو ما يحثّنا على النظر والتحقيق في الأسباب والملابسات.

  • من اليد والمنجل إلى الحاصدات الدارسات

حدّثنا "العربي بن حسن" من ولاية باجة أنّ الحصاد في قريته قبل أربعة عقود كان ينطلق حوالي منتصف شهر جوان/يونيو ويتواصل إلى آخر الصيف، يشارك في هذا الموسم كلّ أفراد العائلة فتيانًا وفتيات نساء ورجاء كهولًا وشيوخًا وحتّى الصبيان المتعلّمون في المدارس والكتاتيب ما كانوا يتخلّفون عن مدّ يد العون. أمّا الأسر الفقيرة عددًا، فلا حرج عليها بفضل هبَّات التعاون والتكافل بين العائلات، ولأنّ العمل يدويّ وأدوات الحصاد ووسائل نقله ودرسه بدائيّة، فإنّ فترة الحصاد بالأيدي والمناجل تأخذ أسابيع عديدة بل إنّ بعض الفلاحين كان وفق "العربي" يداهمهم فصل الخريف ولمّا يفرغوا بعد من تتمّة حصاد عدد من الحقوق خاصّة تلك الواقعة في أماكن وعرة، ومن طرائف الأمور وفق مُحدّثنا، أنّ مواعيد حفلات الزواج كانت تتحدّد غالبًا في موفّى شهر أوت/أغسطس وبداية شهر سبتمبر/أيلول مراعاة لطول مدّة الحصاد.

كلام "العربي بن حسن" أوحى لنا بإجابة تبدو واقعيّة منطقيّة مفادها أنّ المكننة والتطوّر التكنولوجي قد أسهما في تسريع عمليّة الحصاد فما هي إلا سويعات وتكون الحقول الممتدة على مئات الهكتارات قد تحوّلت إلى مساحات جرداء قد خلت من سنابل القمح ومن الأعلاف بفضل الحاصدات الدارسات وأسطول النقل المتطوّر السريع القويّ وآلات الرفع والترصيف، غير أنّ هذا العامل التقني لا يبرّر نهاية موسم الحصاد في الأيّام الأولى من شهر جوان في جلّ الأرياف خاصّة الجبليّة، فما السرّ؟

عدد من الفلاحين لـ"الترا تونس": أصبحنا نسارع بالحصاد ونسابق الخنزير الذي انتشر بشكل لافت في العديد من الأرياف وأصبح يمثلّ خاصّة بالنسبة إلى أصحاب الأراضي المتاخمة للجبال عاملًا مهدّدًا للمحصول

  • وللخنازير نصيب..

يُجمع العديد من الفلاحين من ولايات جندوبة وباجة والكاف على أنّهم يسابقون الخنزير الذي انتشر بشكل لافت في العديد من الأرياف وأصبح يمثلّ خاصّة بالنسبة إلى أصحاب الأراضي المتاخمة للجبال عاملًا مهدّدًا للمحصول حالما ينضج وقبل أن يكتمل نضجه، ولا تقتصر قطعان الخنازير على أكل حبات القمح إنّما تتعدّى عند الشبع إلى التمرّغ في الحقول ممّا يجعل السنابل تستوي مع الأرض فيصعب التقاطها من الحاصدات الدارسات وتتناثر منها حبّات القمح على التراب. وممّا يؤكّد خطر الخنزير على المحصول الفلاحي عامّة على حدّ تعبير الحبيب العمدوني، إقبالها على كلّ الثمار من قمح وحمص وغيرهما من المزروعات والمغروسات.

اللافت أنّ الخنزير البري في تونس أصبح ينازع فلاحي الشمال الغربي محاصيلهم من القمح والبقول وينازع فلاحي الساحل غلة الدلاع والبطيخ ويأخذ نصيبًا من الجلبانة والفول والتين الشوكي في القيراون وحتّى القوارص في الوطن القبلي لم تسلم من هذا الحيوان الوحشيّ وفق تصريح لرئيس الاتحاد المحلّي للفلاحة والصيد البحري ببني خلّاد لإحدى الإذاعات المحلية.

اقرأ/ي أيضًا: ما هي توقعات صابة الموسم الحالي من الحبوب في تونس؟

يرجع عدد من الفلاحين التكاثر الكبير للخنزير البري في العديد من المدن والأرياف التونسيّة إلى وضع قيود صارمة في الصيد، وهو ما يقتضي ضبط خطّة للحدّ من عبث هذا الحيوان المفسد وفق تعبير جلّ الفلاحين، ولا بدّ في هذه الحالة من تجنّب عشوائيّة القنص ومراعاة جملة من التوازانات البيئيّة التي يعلمها أهل الاختصاص.

  • التهوّر والاستخفاف بأملاك الغير

فضلًا عن الحيوان الوحشيّ، تشكّل قطعان الحيوانات الأليفة من أغنام وأبقار وحمير والدواب عامّة، خطرًا على المحصول الفلاحي في الحقول لاسيما القمح والشعير، فوفق شهادات من ولاية منوبة ومن الضاحية الغربية من ولاية بن عروس، يؤكد العديد من الفلاحين أن العديد من الفلاحين أنّ أصحاب المواشي لا يراعون حرمة أملاك الغير فتراهم يرعون على حواشي الحقول ويتركون الحيوانات تقتات من القمح عمدًا أو عن سهو أو لأنّ القطيع قد أفلت عن السيطرة، يتفاقم ذلك خاصّة قُبيل عيد الأضحى، هذا ما يدفع إلى إنقاذ المحصول عبر التسريع في الحصاد وإن لزم الأمر الشروع في ذلك قبل الموعد الرسميّ.

عدد من الفلاحين لـ"الترا تونس": إنقاذ المحصول عبر التسريع في الحصاد حتى قبل إعلان الموعد الرسميّ، مردّه عدم مراعاة بعض أصحاب المواشي حرمة أملاك الغير إذ يتركون الحيوانات تقتات من القمح عمدًا أو سهوًا 

لا شكّ أنّ الاستخفاف بأملاك الغير يظلّ محدودًا في علاقة بالحيوانات التي تأكل سنابل القمح والشعير في الحقول، وهو أمر يمكن معالجته بالتوعية أو باللجوء إلى القضاء، في المقابل يبلغ الخطر منتهاه حينما يتسبّب البعض بدافع إجراميّ أو لعدم المبالاة في نشوب حرائق لا تُبقي ولا تذر، فمن الطبيعي في ظلّ هذا الاستهتار والنيران الداهمة أن يسارع الفلاح بجمع المحصول حتّى إن لم يبلغ أحيانًا درجة النضج المُثلى.

لئن كان الفلاح في علاقة بالخنازير والمجرمين والمستخفين مجبرًا، فإنّه في بعض الحالات يكون مخيّرًا نسبيًا فقد يعمد الكثير من أصحاب الحقول إلى التسريع في الحصاد منطلقًا ومدّة بدافع ماديّ يتمثّل في تأمين عائدات ماليّة تساعدهم على مواجهة الديون.

اقرأ/ي أيضًا: من البذرة إلى المديونية.. دائرة "تبعية مغلقة" لقطاع الحبوب في تونس

ومن التبريرات التي أفادنا بها طبيب يجمع بين النشاط المهني والعمل الفلاحي، هو خشيته من التقلبات المناخيّة والزوابع الرعديّة التي أصبحت متواترة خلال السنوات الأخيرة بسبب التغيرات المناخيّة الحادّة والمتطرفة في تونس وفي العالم، فالتسريع بالحصاد قد يحميه من البًرد والعواصف والأمطار الصيفيّة الطوفانية، فأخطر الأعاصير والعواصف تندلع في الصيف وعند الحصاد وفق المثل الإيطالي "Le pire orage éclate au moment de la moisson"، يتأكّد هذا من خلال النشرات الجوية الخاصّة الصادرة عن المعهد الوطني للرصد الجوي التي تعتمدها وزارة الفلاحة والموارد المائيّة والصيد البحري مرجعًا لتنبيه الفلاحين منذ نهاية شهر ماي/أيار لتوخي ما تسميه التدابير الوقائيّة اللازمة لحماية المحصول، وها قد تحوّل الحصاد المبكر وتأمين الصابة من غضب الطبيعة إلى لون من ألوان التدابير الوقائيّة.

يتّضح من خلال هذه المعطيات أنّ سرعة انقضاء موسم الحصاد يرجع إلى اختيارات ذاتيّة من بعض الفلاحين ويعود في الغالب إلى دوافع موضوعيّة فيها ما يمكن التصدّي له، وفيها ما يندرج ضمن الأسباب القاهرة، لكن في كلّ الحالات يحتاج الأمر إلى معالجة وطنيّة ذات منحى علمي واقتصادي تفضي إلى حماية المحصول كميًّا فلا يطاله التلف والضياع ونوعيًا فتأخذ الثمار وقتها الكافي من النضج والاستواء خشية الرطوبة والتعفّن.

الكلمات المفتاحية

عائلات المفقودين
مجتمع

"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس

قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..

الممرضين تونس
مجتمع

هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب

أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..


لماذا تعترض جامعة التعليم الثانوي على المنصة الرقمية لتنزيل الأعداد الرقمنة غيتي.jpg
مجتمع

التحول الرقمي.. دعوة إلى مجانية الخدمات الإدارية الأساسية للمؤسسات

رحبت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة بما جاء في..

قائمة المدارس الخاصة في تونس
مجتمع

انتقادات لتركيبة الهيئة العليا للمجلس الأعلى للتربية.. ما التفاصيل؟

تم تعيين أعضاء بالهيئة العليا للمجلس الأعلى للتربية وهم..

الأكثر قراءة

1
سیاسة

محمد عبو: غازي الشواشي يواجه وضعًا صحيًا صعبًا داخل السجن


2
مجتمع

أسعار الزقوقو تحت ضغط تراجع الإنتاج.. وتحذيرات من المنتجات المهربة


3
اقتصاد

تفاقم عجز الطاقة في تونس وارتفاع واردات الكهرباء من الجزائر


4
مجتمع

وفاة طفل جرفته السيول في المكارم بسيدي بوزيد


5
مجتمع

ارتفاع نسبة البطالة لدى حاملي الشهادات العليا في تونس إلى 26.6%