ultracheck
مجتمع

موسم الجز في الجنوب التونسي.. كرنفال احتفالي يحيي الذاكرة الشعبية

21 أبريل 2025
موسم جز الأغنام في الجنوب التونسي
يمتدّ موسم الجزّ كل عام من بداية شهر أفريل إلى نهاية شهر ماي، وهي الفترة الأنسب لهذه المناسبة، حيث يعتدل المناخ وتبدأ درجات الحرارة في الارتفاع (محمد ضيف الله/ الترا تونس)
محمد ضيف الله
محمد ضيف اللهصحفي من تونس

الجزّ، أو "عرس الأغنام"، هو موسم تراثي توراثته الأجيال في الجنوب التونسي، وهو حدث احتفالي موسمي يتم الإعداد له جيّدًا من قبل الفلاّحين، أصحاب قطعان الأغنام. ويمتدّ موسم الجزّ كل عام من بداية شهر أفريل/نيسان إلى نهاية شهر ماي/أيار، وهي الفترة الأنسب لهذه المناسبة، حيث يعتدل المناخ وتبدأ درجات الحرارة في الارتفاع، فالعملية هي عبارة عن نزع ثوب شتوي تجمعت فيه الأتربة، إلى آخر صيفي.

والجزّ هو عملية قصّ صوف الشّاة، أي التخفيف منه أقصى ما يمكن، فيريحها ذلك وتغيّره بصوف جديد ينمو تدريجيًّا من جديد. عمليّة جزّ أو قصّ الصوف دوريّة وتحدث كل عام، تعقبها عمليّة طلاء بأدوية مطهّرة وواقية من الأمراض التي قد تنتشر في القطيع.

فعملية الجزّ هي عملية صحيّة مهمّة، تحمي وتحافظ على سلامة القطيع وتساهم في تحسين نموّه الخرفان وتحميها من الحشرات والطفيليات، كما أنّها تخفّف عنها حرارة فصل الصيف وتجنّبها التعرّق.

انطلق موسم الجزّ هذه الأيام من شهر أفريل/نيسان في ربوع الجنوب التونسي خاصة ولايتي مدنين وتطاوين، حيث تحتفي به بعض المدن كبن قردان والصمار وقصر عون وبني مهيرة وبني خداش وغيرهم وتقيم له مهرجانات.

ويتحوّل الفلاّح في هذه المناسبة الموسمية مرفوقًا بعائلته وبعض من أقاربه وأصدقائه وأصحاب الأغنام الموجودة مع قطيعه إلى حيث المراعي خارج المدينة، وبمجرد الوصول تنصب الخيام مقسمةً بعضها للرجال وأخرى للنساء.

الجزّ، أو "عرس الأغنام"، هو حدث موسمي متوارث بين الأجيال في الجنوب التونسي، يتم فيه قص صوف الأغنام في أجواء احتفالية

ويتحوّل المكان إلى أشبه بحفل عرس، فيمتلأ حركيةً ونشاطًا، وسرعان ما تقسّم الأدوار بين الحضور، النساء للطبخ ولكل ما له علاقة بمأكل ومشرب فتتابع الوجبات بين غداء وعشاء مرفوقة بأباريق الشاي، بنوعيه الاخضر والأحمر، ويجهّزن "البسيسة" والتمر والألبان من حليب و"رايب" ولبن وزبدة.

ويكون "الكسكسي" حاضرًا بامتياز، في الاحتفاء بعملية الجز، فهو الوجبة الرئيسية في هذا الموسم، ويكون مثقلًا باللحوم، حيث يذبح الفلاح بعض الخرفان بالمناسبة يختارها من بين الأجود و"الأسمن"، فتكون وليمةً كبيرةً تعبر عن الفرحة والاحتفاء بهذا الموسم.

عمليّة جزّ أو قصّ الصوف دوريّة وتحدث كل عام (محمد ضيف الله/ الترا تونس)

أمّا الرجال، مع انطلاق عملية الجزّ، فيقسّمون الأدوار فيما بينهم ويوزعون مهمّات مختلفة على بعضهم البعض تكون متكاملةً، فبعضهم يتكفل بمطاردة الأغنام والإمساك بها وآخرون يتسلمونها لـ"التكتيف" (تقييدها) فيمرّرونها إلى "الجزّازة" الذين يقومون بقصّ الصوف وممارسة عملية الجزّ وعادةً يكون هؤلاء من أصحاب الخبرة في ذلك.

 كما تعتمد العملية على مهمّة "الوذّان"، وعادةً ما يُكلَّف بها الأطفال، حيث يساعدون في إمساك أذني وبعض أطراف الشاة خلال عملية الجزّ.

كما تتكفّل مجموعة أخرى بمهمة حلّ وثاق الشاة التي يكتمل جزّها ويسلمونها إلى مجموعة أخرى تشرف على عمليّة الطلاء، ثم يطلق سراحها لترتع وتنتظر جزًّا آخر في عام قادم، فيما يتكفل البعض الآخر بجمع وتكديس الصوف المقصوص ووضعه في "شباك" أو في أكياس.

فيما يجلس كبار السن لمراقبة المشهد بشغف كبير يمتزج بوقفات طللية وأحاديث بينية يتحسرون فيها على ماضٍ كانوا فيه قادة وفاعلين في مثل هذه الأنشطة والمواكب، لكنهم اليوم يكتفون بالمواكبة عن قرب، ويصرّون على حضور هذا الكرنفال حتى وإن لم يقووا على ذلك.

عملية الجز تحمي وتحافظ على سلامة القطيع وتساهم في تحسين نموّ الخرفان (محمد ضيف الله/ الترا تونس)

وبالنسبة للأطفال فيتخذون من محيط الخيام مرتعًا لهم يلعبون ويمرحون في تناغم كبير في مراوحة بين ألعابهم ومواكبة عملية وأجواء الجز لمشاهدة مهارة آبائهم والاعتداد بها فيما بينهم، فكل منهم يرى أن والده الأمهر والأكثر براعة في الجز.

أمّا المعدّات التي يتم اعتمادها في عملية الجزّ فنذكر أهمّها: "الڤريشة"، وهي بمثابة أسلاك متشابكة تستعمل لتسييج المكان الذي يتم فيه تجميع الأغنام حتى يسهل حصرها والإمساك بها للجزّ، و"الكتّاف" الذي يتمثل في حبال قصيرة يشد بها وثاق الشاة أثناء عملية الجز، و"الجلم" وهو آلة يدويّة شبيهة بالمقصّ وأكبر منه حجمًا تتم بها عملية جزّ الصوف، بالإضافة إلى مختلف المواد الأخرى كالطلاء والأدوية، وغيرها.

وسط أجواء احتفالية وحركية كبيرة تنتظم الأدوار موزعة بين مختلف المساهمين في عملية الجزّ وتنبعث الزغاريد من النسوة، متناغمة مع أهازيج رجالية تحتفي بجزّ "الشويهات"

وسط أجواء احتفالية وحركية كبيرة تنتظم الأدوار موزعة بين مختلف المساهمين في عملية الجزّ وتنبعث الزغاريد من النسوة، متناغمة مع أهازيج رجالية تحتفي وتحتفل بجزّ "الشويهات"، أهازيج تقليدية ضاربة في القدم توارثتها الأجيال نذكر منها "اليوم جازك يا درعاء"، "يا وكمشتين دقيق قصب ويسرحوا الأدرع يلعب"، "الكبش لدرع بو زلمات بابا لفطيمات يبغي بسيسة وتمرات"، وأخرى تحتفي بـ"الحولية" و"الشخماء" و"حمر بطان" و"الشتوية" و"البقصاء"، وغيرها من النعوت التي تطلق على الشويهات حسب لونها وعمرها للتمييز بينهم.

 تسيطر على المشهد في عملية الجز المنافسة التي تكون على أشدّها (محمد ضيف الله/ الترا تونس)

كما تسيطر على المشهد المنافسة التي تكون على أشدّها خاصة عند بعض المبتدئين في عملية الجزّ، فيتلاقف الحضور أخبار الأرقام، فلان جزّ 10 والآخر 20 ومن هناك الشاب فلان وهو مبتدئ جزّ 8، وفي كل مشهد يخرج من بين الحضور بطل تتحدث عنه الألسن كصاحب الرقم القياسي وكأمهر "الجزّازين".

أمّا الأكباش فلهم قدر وقيمة أكبر وأشمل من "الشويهات"، إذ يمثلون "قادة القطيع وسادته" ويُحتفى بهم احتفاءً خاصًّا وله أشعار وأهازيج خاصةً منها "ها الكبش لدرع بو زلمات بابا لفطيمات يبغي بسيسة وتمارات"، "ويا كمشتين دقيق قوي والسمن جاوي ويسرحوا الأدرع يمشي"، و"يا كمشتين دقيق قصب والسمن يدعب ويسرحوا لدرع يلعب"، وغيرها.

يكون "الكسكسي" حاضرًا بامتياز، في الاحتفاء بعملية الجز، فهو الوجبة الرئيسية في هذا الموسم، ويكون مثقلًا باللحوم

وعادةً ما يختم المشهد بجزّ الأكباش تعظيمًا وإكرامًا فتعدّ لها "بسيسة بالتمر" خاصة، كما أنّ عملية جزّهم تختلف، حيث لا يقصّ كل صوف الكبش بل تتمّ "دربلته"، أي قصّ الأجزاء السفلى وترك ما فوق الظهر، فذلك يعطي هيبةً للكبش وليس دارجًا لدى الفلاحين أن يجزّ كل صوفه.

كما يحتفي الأطفال بهذا المشهد ويركبون ظهر الكبش وسط أهازيج وزغاريد، ويرى الأهالي أبناءهم أبطالًا وهم يعتلون ظهر الأكباش، فهي علامة على الشجاعة والجسارة والإقدام.

مشهد قد يمتد إلى يومين أو أكثر حسب كثرة القطيع، وهو كرنفال جميل ومليء بالمعاني والحركة وفيه لُحمةٌ ولحمٌ كثير، لُحمة بين الحضور ولَحم في الوليمة التي يحاول الفلاح توسيعها أكثر ما يمكن حتى يستعرض كرمه ويؤدّيه على أكمل وجه لأناس قدموا لمعونته ومساعدته في نزع أتعاب قطيعه وانفتاحه على موسم جديد متخففًا مستبشرًا وصاحبه بعام يكون ممطرًا وفيه كلأ كثير.

قد تمتد عملية الجز إلى يومين أو أكثر حسب كثرة القطيع (محمد ضيف الله/ الترا تونس)

وفي ختام الاحتفال يقفل "الجزّازة" راجعين إلى ديارهم في سياراتهم وجرّاراتهم محملين بالصوف على أمل لقاء وموسم جديدين، فيما يقوم الفلاح ورعاته بعملية فرز الخرفان وحمل ما أمكن منها إلى سوق الأغنام بالبلدة وبيعها، فهي مصدر ومورد التعويضات الأكبر لمصاريف الفلاح وهي عبارة عن حصاد ما يزرعه من اهتمام وعناية بقطيعه.

الجزّ، هذا المورث الضارب في القدم، ظل راسخًا من بين العديد من العادات والتقاليد الأخرى التي توارت في هذا العصر الحديث

يشار إلى أن الجزّ في السنوات الأخيرة بات حرفةً ومورد رزق، حيث لم يعد الفلاح يعتمد على المتطوعين من أقاربه وأصدقائه بل بات يحمل فريقًا من المتمكّنين بمقابل مالي، أيضًا يمكن أن نشير في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، إلى إقحام بعض الآلات الكهربائية في عملية قص الصوف بدلًا عن القص اليدوي التقليدي بـ"الأجلام".

ختامًا نقول إنّ الجزّ، هذا المورث الضارب في القدم، ظل راسخًا وشامخًا من بين العديد من العادات والتقاليد الأخرى التي توارت في هذا العصر الحديث، رسوخًا ربما فرضه ارتباطه بقطيع الأغنام التي بقيت وبقي الفلاح متمسكًا بها كأهم موارد فلاحته وعمادها وأيضًا لحاجة الإنسان الدائمة إلى هذه الثروة الحيوانية واستمراريتها.

الكلمات المفتاحية

بين تعثّر الأشغال ومداهمة الشتاء.. هضبة سيدي بوسعيد على شفير الهاوية

بين تعثّر الأشغال ومداهمة الشتاء.. هضبة سيدي بوسعيد على شفير الهاوية

يرى خبراء الجيولوجيا والهندسة المدنية أنّ هضبة سيدي بوسعيد تتكون من طبقات رسوبية وطينية هشّة تتأثر بشكل مباشر بتشبع التربة بالمياه التي تتسرب من القنوات الباطنية ومن التساقطات الهامة التي تشهدها المنطقة سنويًا


البرباشة في تونس

رزق شحيح.. يوميات "البرباشة" في زمن أزمة المياه المعدنية

تُظهر هذه الأزمة المزدوجة كيف تتسرب الآثار الجانبية للتغيرات المناخية وأزمات السلع الأساسية إلى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع


مدرسة

ارتفاع درجات الحرارة يعيد جدل العودة المدرسية والجامعية.. هل تتجه تونس نحو تأجيلها؟

مع تصاعد الجدل حول موعد العودة المدرسية والجامعية في تونس، تتزايد الدعوات إلى تأجيل استئناف الدروس في ظل..


من الذبائح إلى الأسماك.. غلاء الأسعار يُغيّر عادات وليمة الأعراس في تونس

من الذبائح إلى الأسماك.. غلاء الأسعار يُغيّر عادات وليمة الأعراس في تونس

شهدت أسعار اللحوم الحمراء في تونس ارتفاعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما هذا العام إذ بلغت في بعض المناطق 70 دينارًا للكيلوغرام من لحم الضأن و50 دينارًا للحم البقر، ما أدّى إلى تراجع حضورها على موائد الكثير من العائلات، خاصة محدودي الدخل الذين اضطروا إلى مقاطعتها بسبب تدهور المقدرة الشرائية

 طقس تونس istockphoto
منوعات

طقس تونس.. سحب عابرة وأمطار متفرقة في بعض المناطق

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تتراوح بين 26 و31 درجة بالشمال وجهة الساحل

طقس تونس pexels
منوعات

طقس تونس.. الحرارة في استقرار مع أمطار متفرقة وغزيرة ببعض المناطق

معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي قوية نسبيًا قرب السواحل الشرقية وبالجنوب وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات


طقس تونس قرطاج Getty
منوعات

طقس تونس.. انخفاض في درجات الحرارة وأمطار رعدية في عدة جهات

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تواصل الانخفاض، لتتراوح القصوى بين 23 و28 درجة بالشمال والمرتفعات

تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية
منوعات

تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية

تقام مباريات الجولة الرابعة للبطولة التونسية، أيام السبت 12 والأحد 13 والأحد 20 سبتمبر 2026 انطلاقًا من الساعة الرابعة بعد الزوال.

الأكثر قراءة

1
منوعات

بطولة إفريقيا للكاراتيه.. تونس تختتم مشاركتها بـ 18 ميدالية


2
سیاسة

تزايد الوفيات داخل السجون.. جمعية القضاة تدعو إلى فتح أبحاث قضائية فورية


3
منوعات

البطولة التونسية.. انتصاران للترجي وشبيبة العمران وتعادل وحيد


4
مجتمع

مدينة عمر المختار بسيدي حسين.. عائلات مهددة ومطالب بتدخل عاجل


5
مجتمع

"الصوناد" تعلن تواصل اضطراب التزويد بالماء.. 3 ولايات معنية