منها النقد والموعظة والسخرية.. معاني التشبيه في اللهجة التونسية ومرجعياته
1 سبتمبر 2025
التشبيه هو أبرز الأساليب البيانيّة في اللغة العربيّة وفي جلّ اللغات، ولا تخلو اللهجة التونسية من هذا اللون البلاغي في الخطاب، إذ تحفل به النصوص العاميّة والأمثال الشعبيّة والألغاز فضلًا عن كلمات الأغاني وسيناريوهات الأعمال الكوميديّة والدراميّة، ولئن اهتمّ عدد قليل من المعجميّين بالمفردات والكلمات في اللسان التونسيّ منهم الباحث إبراهيم بن مراد، فإنّ بنية الجملة وتراكيبها وأساليبها الفنيّة ظلّت أبعد ما تكون عن البحث العلميّ. ورغم حرصنا على إيلاء هذا المشغل الاهتمام الكافي من خلال بعض المقالات منها "التكرار في اللهجة التونسية.. طرافة وعمق" ، فإنّنا نعترف بالتقصير في هذا الجانب، كما نقرّ بأنّ المسألة تقتضي مشروعًا بحثيًّا واسعًا دقيقًا عميقًا حتّى نتصدّى لعدد كبير من المتهافتين والانطباعيين الذين استغلوا بعض المساحات الإذاعيّة وصفحات التواصل الاجتماعي لإصدار أحكام غالبًا ما تفتقر إلى الدقّة وحسن التبويب والتعليل.
يقوم التشبيه كما فصّل ذلك البلاغيون القدامى على أربعة أركان: المشبّه، والمشبّه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه، كأن يقول التونسيّ متغزّلًا بفتاة "وِجْهها كي القمره الضوّاية" محاكاة للعبارة العربيّة الفصيحة "وجهُها كالقمر ضيّاء"، ولئن أفاد التشبيه في هذه العبارة معنى التشبيبِ والتغنّي بجمال الحبيبة، فإنّه في مقامات أخرى ينهض بوظائف أخرى شتّى منها الإيضاح والتصوير والسخرية والتحقير والتضخيم والتعظيم، ويستند إلى مرجعيّات تكشف عن ثقافة المتكلّم وذوقه ومعارفه وتجاربه، فحينما شبّه "صَليحْ" (الشخصيّة التي جسّدها الممثّل صلاح مصدق) في أحد المسلسلات التونسيّة المعروفة، حياته بطابوريه من الخشب (Le tabouret) كشف من خلال المشبّه به عن جانب هامّ من تجربته المهنيّة قائلًا: "أنا حْياتي كيما هاكه التابوري اللي بو ثلاثه ساقين الساق لولانيّه (الأولى) مهنتي كنجار، والساق الثانية مَليحْ رفيق الدرب (اسم العصفور الكناري) والساق الثالثة مَرْتِي لِلّا بيّه" (الخطّاب على الباب، الجزء الثاني، الحلقة الثانية، الدقيقة 43، نصّ وسيناريو علي اللواتي).
لا تخلو اللهجة التونسيّة من التشبيه كلون بلاغي في الخطاب، تحفل به النصوص العاميّة والأمثال الشعبيّة والألغاز فضلًا عن كلمات الأغاني وسيناريوهات الأعمال الكوميديّة والدراميّة
يتّضح إذن أنّ المشبّه به في أسلوب التشبيه وفي الاستعارة التي يغيب فيها أحد الأركان الأساسيّة في التشبيه، هو مستودع المرجعيّات ومكمن التصوّرات وزوايا النظر والأذواق التي يستند إليها المتكلّم مُبدعًا كان أو مُحاورًا على سبيل التفسير والحجاج أو في مقام عفويّ يحكمه شجن الحديث.
اليهودي والنصراني واللاديني.. المرجعيّة الدينيّة في التشبيهات التونسيّة
المرجعيّة الدينيّة في التشبيه تحضر في عنصر "المشبّه به" كأن يقول المتنبّي "أنا في أمّة تداركها الله كصالح في ثمود" في قصيدة فخريّة مطلعها "إن أكنْ مُعْجبا فعُجبُ عجيب**لم يجد فوق نفسه من مزيد".
تشبيه المتنبّي نفسَه بصالح في ثمود هو تشبيهٌ تمثيل أي تشبيه صورة بصورة، وهو ما يجعله أكثر تعقيدًا من تشبيه مفردة بمفردة، لذلك يقتضي من المتلقّي اطّلاعًا واسعًا ودقيقًا على بعض المرجعيّات، ففي المثال المذكور لا يمكن فهم علاقة الصدام بين المتنبّي وبني أمته المفتقرين إلى الحكمة والنُّبل إلّا إذا كانت لنا معرفة بقصّة النبيّ صالح وعلاقته بقومه ثمود الذين اتّصفوا بالجحود ونقض العهود.
هذا اللون من التشبيه الذي يحتاج إلى معرفة واسعة عميقة وتفكيك ذكيّ تحفل به التشبيهات في اللهجة التونسيّة، نذكر منها أربعة تشبيهات كثيرة السريان على الألسن منذ عقود ، "تِحسبو موسى يطلع فرعون"، "الطول والخساره كي سلّوم النصارى"، "يتعاركو على وسخ دار الدنيا"، "فلان لا دين لا ملّه".. وغيرها.
التشبيه الأوّل يبدو أقرب إلى الأفهام قياسًا إلى البقيّة فهو حمّال لمعاني الخيبة وسوء التقدير كأن يُحسن الواحد الظنّ بشخص فيحسبه في مقام موسى عليه السلام عِلمًا وأمانة قوة وصبرًا ولطفًا وشجاعة فيجده أشبه ما يكون بفرعون غطرسة وظلمًا وتعسّفًا.
اقرأ/ي أيضًا: الثناء والاستحسان في اللهجة التونسية.. أصالة وطرافة وتجدّد
أمّا التشبيه الثاني فقد احتار التونسيّون في تحليله واستيعابه، فقد اتّفق الجميع على أنّ عبارة "الطول والخساره كي سلّوم النصارى" تعني المفارقة بين ما يوحي به الجسد من قوّة وشجاعة وبَأْسٍ وما يكشف عنه سلوك المعنيّ بالأمر نفسه من ضعف وجبن وهوان، لكنّ وجه الخلاف تمحور حول ما تعنيه كلمة "سلّوم النصارى"، والأرجح هو السلّم التصاعدي لرجال الدين في الكنيسة المسيحية، فهي عديدة طويلة متدرّجة من الأدنى إلى الأعلى خاصّة في الطائفة الكاثوليكيّة (علماني، شماس، كاهن، رئيس كهنة/ خوري، أسقف، رئيس أساقفة، مطران، كاردينال، البابا). التشبيه يقوم إذن على مسلّمة مفادها أنّ هذه الدرجات والمراتب صوريّة شكليّة تفتقر إلى الفائدة والجدوى والنجاعة، أمّا التشبيه الثالث فهو أقرب إلى المرجعيّة الدينيّة الإسلاميّة فعبارة "يتعاركو على وسخ دار الدنيا" تنطوي على نبذ لفئة من الناس انشغلت بالتطاحن والصراع على الأشياء الفانية من أموال وممتلكات ومراكز سياسيّة واجتماعيّة وهي عبارة تستأنس بتقسيم للوجود إلى عالم دنيويّ مدنّس وعالم أخرويّ مقدّس طاهر خالد، وفي ذلك محاكاة لبعض معاني الآية القرآنيّة "وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون".
للتشبيه في اللهجة التونسيّة مقاصد نقديّة توعويّة تُراهن على فضح الانحرافات السلوكيّة، ومن وجوه الطرافة في اللهجة التونسيّة هو انفتاح التشبيهات على التطوّر والابتكار
لئن ارتبط التشبيه الأوّل بالمرجعيّة اليهوديّة والثاني بالمسيحيّة والثالث بالديانة الإسلاميّة فقد اتّصل الرابع بالعقيدة والقيم عامّة فحينما نقول "فلان لا دين لا ملّة" فنحن نقصد أنّه قد افتقر إلى الفضائل والمُثل والخصال الحميدة التي تدعو إليها كلّ الديانات والحضارات من شجاعة وكرم وحكمة وأمانة وعفّة، فمن اجتمعت فيه كلّ العيوب من جُبن وشُحّ وجهل وغدر ومُجون قُلنا عنه في تونس "لا دين لا مِلّة"، ألا إنّ اللهجة العاميّة في الكثير من الأقوال المأثورة والتشبيهات والاستعارات والكنايات قد تجسدت فيها بلاغة الإيجاز.
اقرأ/ي أيضًا: ماذا تعرف عن معجم العنف والتحقير والشتائم في اللهجة التونسيّة؟
النزعة الوعظيّة وفضح العيوب السلوكيّة
للتشبيه في اللهجة التونسيّة مقاصد نقديّة توعويّة تُراهن على فضح الانحرافات السلوكيّة، ففي ذمّ النَّهَمِ نقول "كي الجراد" لوصف المُقبل على الطعام أو على الغنيمة، يحرّكه الطمع والجشع فتراه يستزيد ويحرص على أن يظفر بأوفر ما تطاله يده وما يسعه جرابه وما تحمله بطنه، في هذا التشبيه يستحضر التونسيّ صورة حشرة الجراد التي تأكل الأخضر واليابس حينما تجتاح الحقول والبساتين.
وفي ازدراء الكسل والعجز والتواكل، يشبّه التونسيّون الخامل المتقاعس بقولهم "كي الزير المتّكي لا يتحّي لا يْزَكِّي" والزير هو إناء أشبه بالزجاجة غير أنه يختلف عنها في حجمه ومادّته فالأولى زجاجيّة صغيرة والثاني يصنع من الفخّار ويكون أكبر.
وفي التشهير بمن يتخطّى حدوده فيتعالي ويتوهّم السيادة والنفوذ ويأخذ صلاحيّة من هو أعلى منه يُقال في اللهجة التونسيّة على وجه التشبيه التمثيل "العزري أقوى من سيدو" فيشبّه الأدنى الواهم بالعزري أي الشاب في مقتبل العمر المفتقر للوجاهة والهيبة ويشبّه صاحب السلطة الحقيقيّة النافذة بالسيّد، فإذا الأوّل يروم أن يحلّ محلّ الثاني والقيام مقامه دون كفاءة واستحقاق، فيكون موضوع سخرية وانتقاد.
من جهة أخرى يحتجّ التونسيّ على مظاهر الاستغلال والابتزاز والاستخفاف بحقوق الغير فيقال في نعت الضحيّة "كي البهيم القصير" تشبيهًا للمستضعفين بالحمار القصير الذي يمكن امتطاؤه بيسر فيكون فعل التعدّي والإيذاء في متناول الجميع.
وللتعبير عن الشعور بالامتعاض من فئة من الناس يتوخون الإلحاح في الطلب والإصرار على نيل العطاء بأسلوب أقرب إلى الابتزاز الناعم يقول التونسيّون على وجه التشبيه "كي الزرسة يشد ما يْسيّب" وجه الشبه بين الرجل الملحاح أو المرأة المصرّة وألم الأسنان والضروس هو المداومة والاستمراريّة ولا سبيل للخلاص إلّا بالقلع ودواء التسكين مع هذا والاستجابة والتسويف مع الآخر.
اقرأ/ي أيضًا: "ترهدين" و"تسكبين".. ماذا تعرف عن الغش والنفاق في اللهجة التونسية؟
ومن وجوه الطرافة في اللهجة التونسيّة هو انفتاح التشبيهات على التطوّر والابتكار من ذلك نذكر على سبيل المثال عبارة "واحد راسو مربّع يقول كذا"، إشارة إلى المتمسكين بآراء مغلوطة، هذا التشبيه لا ينطوي على تنمّر يتّصل بملمح الرأس إنّما الأمر أعمق بكثير، في رأيي، فالرأس كناية عن العقل والمربّع تعبير عن كثرة الزوايا الحادّة خلافًا للرأس المستدير الطبيعي (الدائرة خالية من الزوايا الحادّة) الذي يتّصف بالمرونة والقابليّة للحوار والشراكة وحسن التفاعل مع الرأي المخالف.
نخلص من خلال هذه العيّنات المختلفة إلى أنّ التشبيه في اللهجة التونسيّة ينطوي على عمق ثقافيّ ودينيّ وقيمي ويتّصف بالانفتاح على الواقع في بعده الاجتماعي والسلوكي ويتميّز بالطرافة وروح الإبداع والابتكار.
الكلمات المفتاحية
الغش والتسريبات في البكالوريا.. هذا ما جنيناه من مدرسة التسييس والتساهل والمحاباة
الغشّ في الامتحانات لم يعد في ظنّ التلامذة -وقسمًا واسعًا من المربّين- جريمة تضرب مبدأ الاستحقاق، فقد تحوّل إلى ثقافة مدرسيّة قلّما يتمّ التصدّي لها بالأسلوب الصارم المناسب.. المزيد عن ظاهرة الغش والتسريبات في البكالوريا في مقال أحمد الزوابي
اتحادات جهوية للشغل تتمسك بتفعيل الإضراب العام وتدعو لتحركات وطنية.. ما القصة؟
الهيئة الإدارية لاتحاد الشغل بسيدي بوزيد: نرفض كل سياسات الاستهداف والتدجين والتهميش التي تمارسها السلطة قصد إضعافه وتمرير سياساتها اللاشعبية واللاديمقراطية
رسالة المعتقلين من سجون تونس.. أيّ وحدة مأمولة؟
توجّه 11 معتقلًا سياسيًا من داخل السجون برسالة للتونسيين والفاعلين في الشأن العام، تضمّنت دعوة للتوحّد و"تأجيل كل خلاف فكري وسياسي إلى أن تعود الديمقراطية".. فهل أن توحّد الديمقراطيين المختلفين بداهة في توجهاتهم السياسية والفكرية يؤمّن تغييرًا في موازين القوى بما يؤدي بالتبعية إلى إنهاء الانحراف الاستبدادي واستعادة المسار الديمقراطي؟
منتدى الحقوق: نستنكر الانقطاع المتكرر للماء بالمتلوي ونساند تصعيد الأهالي السلمي
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: ندعو سلطة الإشراف إلى تحمل المسؤولية كاملة والتسريع في إيجاد حلول جذرية تضمن حق المواطنين في الماء الصالح للشراب بعيدًا عن منطق التسويف والتخوين
الدورة 46 لمهرجان باجة الدولي.. تعرّف على قائمة العروض
يضم برنامج الدورة 46 لمهرجان باجة الدولي 13 عرضا تتوزع بين المسرح والطرب والعروض الشبابية والموسيقى البديلة.