منظمة: اكتظاظ سجون تونس واستخدام مفرط ومتعسّف للإيقاف التحفظي
7 ديسمبر 2025
أصدر مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية، مؤخرًا، (وهو كما يعرّف نفسه منظمة غير حكومية متخصصة في نقل المعارف وتبادل الخبرات وبناء القدرات في مجالات الانتقال الديمقراطي)، ورقة سياسية حول "إصلاح المنظومة الجزائية في تونس بما يضمن حماية الحقوق والحريات"، وأكد من خلالها "تسجيل تراجع فعلي في ضمانات المحاكمة العادلة، والاستخدام المفرط والمتعسف للإيقاف التحفظي"، كما تقدم بعديد التوصيات إلى البرلمان والحكومة والسلطة القضائية في تونس.
اكتظاظ السجون وتحديات تراجع استقلالية القضاء
وبين مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية، في ورقة سياسية نشرها مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025، وكان قد عرضها خلال ندوة في أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أن "الأرقام تُبرز حجم الأزمة التي يعيشها النظام الجزائي في تونس فعدد السجناء اليوم يناهز 33 ألف سجين، أي بمعدل يتجاوز 260 سجينًا لكل 100.000 نسمة، وهو مستوى قیاسي لم تعرفه البلاد منذ عقود".
واعتبر أن مثل هذه الأرقام تعكس "حدة الوضع التونسي وخطورته، إضافة إلى ذلك، تشهد بعض الغرف السجنية اكتظاظًا يصل إلى 300، فيما تبلغ كلفة السجين في اليوم الواحد حوالي 50 دينارًا". وتشكّل المنظومة الجزائية في تونس وفق الورقة السياسية "إحدى أبرز حلقات الإصلاح القضائي العالقة، رغم المبادرات العديدة التي أُطلقت في أعقاب ثورة 2011".
مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية: إخلالات عميقة تقوّض أسس العدالة الجزائية، وتُضعف حماية الحقوق والحريات الفردية في تونس، لعل أبرزها التراجع الفعلي في ضمانات المحاكمة العادلة
وأكد مركز الكواكبي أن "هذه الجهود اصطدمت منذ 2019، ثم بحدة أكبر بعد 25 جويلية/يوليو 2021، بسياق سياسي ومؤسساتي متغيّر عطّل ديناميكية الإصلاح. وفي ظل هذا الواقع، تتزايد تحديات هشاشة الرقابة على الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون، وتراجع استقلالية القضاء، وبطء الإجراءات القضائية، والاكتظاظ الحاد في السجون، واللجوء المفرط إلى الإيقاف التحفظي، وهي جميعها عوامل تهدد الضمانات الدستورية للحريات الفردية"، وفقه، معتبرًا أن من خلال هذه المؤشرات "تبرز الحاجة إلى مراجعة عميقة للمنظومة الجزائية، لا تنحصر في الأبعاد التقنية أو الترقيعية، بل تشمل فلسفة العقاب ذاتها، وآليات الحماية، وتموقع أجهزة العدالة".
إشكاليات جوهرية في المنظومة الجزائية
وقال مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية إن "دراسة واقع المنظومة الجزائية في تونس تُظهر جملة من الإخلالات العميقة التي تقوّض أسس العدالة الجزائية الحديثة، وتُضعف حماية الحقوق والحريات الفردية"، ولعل أبرزها ما يلي وفق ما ورد في الورقة السياسية:
تراجع فعلي في ضمانات المحاكمة العادلة
"بطء مفرط وغير مبرر تشهده الإجراءات القضائية، مما يؤدي إلى إطالة آجال التقاضي (التحقيق والمحاكمة) لأضعاف المدد القانونية، مما ينتهك الحق في محاكمة عادلة في أجل معقول وينهك الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية للمظنون فيهم والمحكومين.
غياب آلية فعالة لرقابة قضائية فورية على إجراءات الضابطة العدلية خلال الساعات الأولى للحرمان من الحرية، وخاصة في حالات الإيقاف (الاستيقاف) عند المراقبة الإدارية والمعابر الحدودية، حيث يفتقر هذا الأخير إلى الضمانات القانونية الكافية.
عدم احترام مبدأ الحضور الإجباري للمحامي في الجنايات وبالنسبة للأطفال الجانحين، خاصة في مراحل البحث الأولي، مما يضعف حق الدفاع بشكل جوهري، ويُخل بتوازن الإجراءات لصالح سلطة الادعاء، ويجعل الاعترافات المنتزعة تحت وطأة الضغط أو الإكراه أكثر احتمالًا.
مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية: الأرقام تُبرز حجم أزمة النظام الجزائي في تونس فعدد السجناء اليوم يناهز 33 ألف سجين، أي بمعدل يتجاوز 260 سجينًا لكل 100.000 نسمة، وهو مستوى قیاسي لم تعرفه البلاد منذ عقود
استخدام مفرط ومتعسف للإيقاف التحفظي
الإيقاف التحفظي يُعد سببًا رئيسيًا في الاكتظاظ الحاد للمؤسسات السجنية، حيث تصل نسبة الموقوفين إلى أكثر من 40% من إجمالي نزلاء السجون، مما يفاقم الأزمة الإنسانية ویُعرّض السجين لتهديد مباشر في حياته الأسرية واستقرار عمله إلى جانب ظروف الاحتجاز القاسية.
يساهم الإيقاف في ارتفاع نسب العود إلى الجريمة نتيجة فقدان الروابط الأسرية والوظيفية والإدماج الاجتماعي، وتحول السجن إلى مدرسة لتلقين الإجرام.
يُضعف الإيقاف قرينة البراءة بشكل عملي، ويحولها من ركن أساسي في العدالة إلى مجرد مبدأ نظري، حيث يُعامَل المشتبه فيه كمجرم منذ لحظة إيقافه.
اقرأ/ي أيضًا: منظمة: الإيقاف التحفظي يعدّ سببًا رئيسيًا في الاكتظاظ الحاد داخل سجون تونس
محدودية تطبيق العقوبات البديلة رغم توفر الإطار القانوني
لم تُفعّل العقوبات البديلة (العمل للمصلحة العامة، التعويض الجزائي، المراقبة الإلكترونية) على النحو المأمول، وظل تنفيذها استثناءً محدودًا ومشروطًا بإرادة القاضي الفردية وليس بسياسة جزائية موحدة، رغم ما تتيحه من حلول عملية للحد من السجن كعقوبة أولى وتفكيك ظاهرة الاكتظاظ، إلى جانب العائدات المالية التي يمكن أن توفرها العقوبات البديلة إلى خزينة الدولة.
يعود ذلك إلى نقص الإطار التنظيمي التفصيلي، ونقص الموارد المخصصة للإشراف على هذه العقوبات، وثقافة قضائية تقليدية لا تزال تفضل العقوبات السالبة للحرية.
غياب مقاربة خصوصية شاملة للأطفال الجانحين في الإجراءات الجزائية
لا تزال بعض الإجراءات المطبقة على الأطفال تفتقر للملاءمة مع أعمارهم ووضعياتهم النفسية والاجتماعية، حيث يتم استجوابهم دون وجود محامٍ أو أخصائي اجتماعي في كثير من الأحيان، وقد يُحتجزون في أماكن غير مهيأة، ما يهدد حقوقهم الأساسية ويناقض مبدأ المصلحة الفضلى للطفل الذي يكفله الدستور والاتفاقيات الدولية.
محدودية عدد القضاة المكونين تكوينًا خاصًا في علم نفس الطفل والعدالة الإصلاحية.
ضعف الإشراف القضائي الفعال على الضابطة العدلية
يشوب العلاقة بين النيابة العمومية/قاضي التحقيق وجهاز الضابطة العدلية قصور كبير في التنسيق والرقابة، في ظل غياب إشراف قضائي فعال ومباشر على عمل مأموري الضابطة خلال مرحلة البحث الأولي، بما يفتح المجال أمام تجاوزات وانتهاكات خلال الأطوار الأولى للتتبع.
عدم فعالية آليات التظلم المتاحة للمحتفظ بهم للاعتراض على إجراءات الاحتفاظ أو التفتيش، مع تزايد الانتهاكات المسجلة خلال هذه المرحلة، سواء عبر سوء المعاملة أو تجاوز الضمانات القانونية الأساسية"، وذلك وفق ما ورد في الورقة السياسية لمركز الكواكبي.
عن ضرورة إصلاح جذري لمرحلة ما قبل الإيقاف
وعن توجهات الإصلاح المقترحة، بيّن مركز الكواكبي أن "إصلاح المنظومة الجزائية يمرّ عبر جملة من الأولويات التشريعية والإجرائية التي تستهدف مختلف مراحل الإجراءات الجزائية، منذ لحظة الإيقاف (الاستيقاف) إلى ما بعد صدور الأحكام، وهو ما يستدعي بلورة توجهات عملية قابلة للتنفيذ والتقييم".
واعتبر أنه "لا بدّ من إصلاح جذري لمرحلة ما قبل الإيقاف (الاستيقاف)، إذ تُعد مرحلة الاستيقاف من المراحل غير المنظمة حاليًا في القانون التونسي، ما يترك مساحة واسعة للتجاوزات ويهدد حقوق الأفراد. ولذلك، تدعو الإصلاحات المقترحة إلى تفريد هذه المرحلة بنظام قانوني مستقل يضمن حقوق الموقوف منذ اللحظة الأولى".
مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية: الإيقاف التحفظي يُعد سببًا رئيسيًا في الاكتظاظ الحاد للمؤسسات السجنية، حيث تصل نسبة الموقوفين إلى أكثر من 40% من إجمالي نزلاء السجون، والعقوبات البديلة لم تُفعّل بالشكل المطلوب رغم توفر الإطار القانوني
كما دعا المركز إلى "تعزيز الضمانات في مواجهة النيابة العمومية، من خلال تقييد صلاحيات الاحتفاظ وإصدار بطاقات الإيداع بالسجن وجعلها قابلة للاستئناف أمام دائرة قضائية خلال 24 ساعة"، كما لفت إلى أهمية "إصلاح نظام التحقيق عبر مراجعة نظام قاضي التحقيق الفردي والنظر في تعويضه بغرف تحقیق جماعية أو إنشاء قضاء الحريات للإشراف على إجراءات التحقيق وضمان مشروعيته مقابل إلغاء دائرة الاتهام".
وشدد المركز على ضرورة "تقليص آجال المحاكمة والتحقيق، وذلك من خلال مراجعة اللجوء شبه الآلي إلى الإيقاف التحفظي والحد من مدته، وترشيد مسارات الطعن في الأحكام، مع تعزيز الموارد البشرية والتخصص القضائي بما يساهم في تسريع البت في القضایا، إضافة إلى اعتماد وتعميم العقوبات البديلة وبدائل الإيقاف والتتبع، وتفعيل آليات البدائل مثل الصلح بالوساطة، العمل لفائدة المصلحة العامة، التعويض الجزائي، ونظام المراقبة الإلكترونية، مع التنصيص صراحة على وجوب اللجوء إلى بدائل التتبع والإيقاف وكذلك العقوبات البديلة كخيار أول في الجنح والمخالفات، مع الحد من السجن كآلية ردع رئيسية والتركيز على إعادة إدماج الجانح".
توصيات للحكومة والبرلمان والسلطة القضائية
وتقدم المركز في ورقته السياسية بعنوان "إصلاح المنظمة الجزائية في تونس بما يضمن حماية الحقوق والحريات" بجملة من التوصيات إلى الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية أيضًا، على النحو التالي:
توصيات للحكومة
استكمال مشاريع المجلة الجزائية ومجلة الإجراءات الجزائية وتحيينها وفق المستجدات الدستورية والمعايير الدولية، مع إعطاء أولوية مطلقة لتنقيح أي فصول تنتهك الحقوق والحريات الفردية.
إعداد وتقديم مشاريع قوانين جزئية مرحلية وسريعة للتقدم في الملف، تركز على الأولويات العاجلة (قانون ينظم مرحلة الإيقاف (الاستيقاف)، قانون يعزز العقوبات البديلة وينظمها، قانون لتقليص حالات اللجوء للإيقاف التحفظي ومدته، مراجعة قانون السجون).
رصد ميزانية استثنائية لدعم البنية التحتية للمحاكم (نظم المعلومات، التجهيزات)، وتحديث المؤسسات السجنية، وتكوين مكثف ومتخصص للقضاة وأعوان الضابطة العدلية حول حقوق الإنسان والإجراءات الحدیثة.
نقل الإشراف على السجل العدلي من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل.
توصيات للبرلمان
تسريع النظر في مشاريع القوانين المتعلقة بالإجراءات الجزائية، سواء المقدمة من الحكومة أو عبر مبادرات تشريعية توافقية من الكتل النيابية في حال تعثر المسار الحكومي
مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية: لا بدّ من إصلاح جذري لمرحلة ما قبل الإيقاف، إذ تُعد هذه المرحلة من المراحل غير المنظمة حاليًا في القانون التونسي، ما يترك مساحة واسعة للتجاوزات ويهدد حقوق الأفراد
التأكيد على ضرورة إرساء إطار قانوني مستقل ينظم مرحلة الإيقاف (الاستيقاف) منذ لحظتها الأولى.
تعزيز الميزانية المخصص لوزارة العدل، خاصة فيما يتعلق بالاستثمار في الكوادر البشرية وتطوير البنية التحتية للمحاكم.
توصيات للمجلس الأعلى للقضاء ووزارة العدل
تشجيع التطبيق الفعلي والجريء للقوانين الموجودة التي تتيح حماية للحريات، مثل القانون عدد 5 لسنة 2016.
ضبط تأويل موحد للفصول الإجرائية لحماية الحقوق، خاصة في فترات الإيقاف والتحقيق، من خلال إصدار مناشير تفسيرية من قبل وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء.
تعزيز التنسيق مع مكونات المجتمع المدني المختصة في العدالة والرقابة، والاستفادة من تقاريرها واقتراحاتها.
تطوير آليات المساعدة القضائية لتمكين جميع المتقاضين من الوصول إلى محام، ومواصلة دور الضغط والمراقبة من أجل إصلاح فعلي وعادل للمنظومة الجزائية، وكشف حالات الانتهاكات والتجاوزات.
يذكر أن وزيرة العدل ليلى جفال كانت قد أعلنت خلال جلسة عامة برلمانية بتاريخ 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 عن اقتناء 200 سوار إلكتروني بتكلفة 1.6 مليون دينار كجزء من تجربة لتطبيق العقوبات البديلة، بهدف تخفيف الاكتظاظ في السجون وتحديث النظام الجزائي، وقالت إنه "سيتم تجربتها حاليًا في السجون على فئات مثل المساجين المرضى والعاملين خارج السجن تمهيدًا لتوسيع نطاقها"، خاصة أن أعداد المساجين في تونس يناهز 33 ألفًا.
ومن بين المشاريع المبرمجة لسنة 2026، ضمن المشاريع المعلنة خلال جلسات مناقشة مشروع ميزانية الدولة ومهمة وزارة العدل لسنة 2026، مشروع بناء سجن جديد في باجة وبناء مجمع النساء بسجن المنستير وتوسعة سجن برج الرومي، وفق ما ورد في تقرير مشترك للجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب ولجنة النظام الداخلي والحصانة والمسائل القانونية بمجلس الجهات والأقاليم، وهو توجه أثار استياء عديد النشطاء والمنظمات الحقوقية.

الكلمات المفتاحية

حسام الحامي: النظام يبتكر في كلّ مرّة تقنيات غير مسبوقة للتنكيل بأصحاب الرأي
منسق ائتلاف صمود حسام الحامي: المعارضة مشتّتة، وغير قادرة لا على القيام بنقدها الذاتي ولا على القيام بمراجعات جدّية وهي عاجزة عن تقديم بديل مشترك وحقيقي يستهوي التونسيين ويعيد لهم الأمل في المستقبل

حكم بالسجن 15 يومًا في حق المحامية دليلة مصدق والإعلامي برهان بسيس
المحامي محمد علي بوشيبة: الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس، تقضي بسجن المحامية دليلة مصدّق بن مبارك والإعلامي برهان بسيّس لمدة 15 يومًا، على خلفية تصريحات خلال برنامج تلفزيوني

الخارجية التونسية: وكالتان قنصليتان جديدتان في أجاكسيو وبوردو
وزارة الخارجية التونسية تعلن افتتاح وكالتين قنصليتين جديدتين بكلّ من أجاكسيو وبوردو، ابتداءً من يوم الخميس 29 جانفي 2026

طقس تونس.. أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية وتساقط للبَرد
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح عامة بين 12 و18 درجة، وتصل إلى 24 درجة في أقصى الجنوب الشرقي

أنيس بوجلبان يغادر الترجي الجرجيسي وسامي القفصي مدربًا جديدًا
الترجي الجرجيسي: تقرر تعيين المدرب سامي القفصي للإشراف على فريق أكابر كرة القدم خلفًا لأنيس بوجلبان.. ماذا تعرف عن المدرب سامي القفصي؟

الجولة 17 للبطولة.. الفوز لشبيبة العمران واتحاد بن قردان
انتهت الدفعة الأخيرة من مباريات الجولة 17 للبطولة التونسية بفوز كل من شبيبة العمران واتحاد بن قردان، في حين حسم التعادل مباراة نجم المتلوي ومستقبل سليمان

تبرير الفشل بالاستشهاد بالعقود الخوالي لم يعد مجديًا
لأنّ التّغيّرات المناخيّة ليست أمرًا طارئًا ولا حدثًا معزولًا، فإنّه من الضّروريّ التّركيز على رسم أهداف واضحة في قطاعات ذات صلة، أهمّها على الإطلاق كيفيّة تحقيق السّيادة الغذائيّة، وإن بشكل تدريجيّ

