مقترحات مبعثرة لتعديل المجلة الجزائية.. تهافت وكلفة غياب المراجعة الشاملة
24 مارس 2026
استمعت لجنة التشريع العام بالبرلمان التونسي، خلال شهر مارس/آذار 2026، لوفد من وزارة العدل بخصوص مقترح قانون لتعديل بعض أحكام المجلة الجزائية وتحديدًا الفصول 261 و262 و264 المنظّمة لجريمة السرقة بشكليْها الموصوفة والمجرّدة وذلك في اتجاه تشديد العقوبة. كما شملت الجلسة الاستماع لمقترح آخر متعلّق بـ"زجر الاعتداء على الإطار التربوي" يتعلق بتعديل الفصل 218 المنظّم لجريمة العنف باتجاه تشديد العقوبة إن كان المتضرّر من قطاع التربية والتعليم. وقبلها، في جويلية/يوليو الفارط، صادق البرلمان على تعديل الفصل 96 الوارد في قسم "الاختلاس من قبل الموظفين العموميين أو أشباههم".
وسبق أن قُدمت مبادرة تشريعية لتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني من بوابة إضافة فقرة جديدة للفصل 61 من المجلة المتعلق بجريمة التآمر على أمن الدولة، وذلك بعد تصريح لرئيس الدولة قيس سعيّد أن من يتعامل مع الكيان يرتكب جريمة الخيانة. وهي المبادرة التي لم يمضي فيها البرلمان مثل مبادرة أخرى حول نفس الموضوع تم وأدها بعد إعلان رئيسه إبراهيم بودربالة أن سعيّد أعلمه أن تمرير القانون "يضرب أمن الدولة الخارجي".
المبادرات التشريعية الأخيرة للنواب تكشف فجوة غياب المشروع الشامل لمراجعة المجلة الجزائية الذي تتعمّد وزارة العدل ركنه في الرفوف معطّلة واحدًا من أهم الإصلاحات التشريعية التي طال انتظارها طيلة السنوات الأخيرة
وتأتي هذه المبادرات وبالخصوص منها لمراجعة اثنين من أكثر الجرائم انتشارًا في الوسط الإجرامي وبالتبعية في التتبعات القضائية، وهما السرقة والعنف، في إطار تفاعل نوّاب مع ما يُسمّونه انتشار ظاهرة السرقة باستعمال العنف أو التهديد به ("البراكاج") أو العنف داخل الوسط التربوي. وهو تفاعل وإن يرتبط ظاهرًا بالدور التشريعي، يظلّ محدودًا في ظل ضعف الصيغة المقترحة أو ضعف الحجج الدافعة للتعديل. وهي تكشف، في جانب آخر، فجوة غياب المشروع الشامل لمراجعة المجلة الجزائية الذي تتعمّد وزارة العدل ركنه في الرفوف معطّلة واحدًا من أهم الإصلاحات التشريعية التي طال انتظارها طيلة السنوات الأخيرة.
تهافت تشريعي
يتبيّن التهافت في إعداد المبادرات المرتبطة بتعديل النصوص المجرّمة للسرقة والعنف، بداية، في الطابع الإنشائي في وثيقة شرح الأسباب لكل مبادرة، والصيغة الإقرارية كالحديث عن "استفحال جرائم السرقة خاصة باستعمال العنف" و"الارتفاع المتواصل في حوادث العنف من سنة إلى أخرى" في غياب أي أرقام رسمية لتبيان وجود منحى تطوّري لانتشار الجرائم.
اقرأ/ي أيضًا: مقترح قانون يرفع عقوبة الاعتداء على المربين إلى 5 سنوات سجنًا
كما غاب أيضًا الاستناد إلى أي دراسات أو تقارير من جهات رسمية أو معتمدة حول أسباب حدوث الجرائم، وتحديدًا إن كانت ترتبط بخلل في النص التشريعي، وحول الحلول المستوجبة إن كانت تستلزم، في الجانب الردعي على وجه الخصوص، مراجعة للنص أم للممارسة القضائية. وحتى في صورة وجواب تعديل النص، فهل يشمل عناصر الجريمة أم العقوبة أم كليهما؟
وهو تهافت يمكن تفسيره بأن المبادرات تأتي أساسًا في سياق ردّ فعل على حوادث إجرامية محددّة لاقت انتشارًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي سياق سعي النواب لإظهار مواكبتهم لدورهم التشريعي. وهي مواكبة تنطلق من تقدير بأن الخلل يعود للنص التشريعي، ومن ذلك فإن تشديد العقوبة في حال كان المتضرّر من الإطار التربوي ستؤدي إلى وضع نظام تمييزي حسب الصفة المهنية للمتضرر بما يتعارض مع عمومية النص التجريمي خاصة في جريمة شائعة مثل العنف. وعلاوة على ذلك، قد يفتح هذا الباب أمام مطالب قطاعات أخرى بإدخال نصوص جزائية خاصة بها.
يتبيّن التهافت في إعداد مبادرات تعديل النصوص المجرّمة للسرقة والعنف، في الطابع الإنشائي في وثيقة شرح الأسباب لكل مبادرة.. وهو تهافت يمكن تفسيره بأن المبادرات تأتي أساسًا في سياق ردّ فعل على حوادث إجرامية محددّة لاقت انتشارًا على مواقع التواصل
في جانب آخر، إن معالجة الظواهر الإجرامية ليست مسألة تشريعية قضائية صرفة، بل تستلزم مراجعة شاملة تشمل الاجتماعي والتربوي والثقافي، وهو ما إن كانت تقرّه المبادرات نفسها أحيانًا، فإنه يفترض تصوّرًا شاملًا يجعل الجانب الردعي عنصرًا ضمن عناصر أخرى. وهذا التصوّر يفترض تحديده ضمن استراتيجية شاملة تنطلق بالاستعانة بمختصين في علوم الإجرام، والعقاب، والاجتماع، والنفس الجنائي، وغيرها.
اقرأ/ي أيضًا: مقترح لتشديد عقوبات جرائم المخدرات والاعتداء الجنسي بالوسط المدرسي في تونس
ففي غياب ذلك، تظل مقترحات النواب محدودة الرؤية، وقاصرة على تحقيق المبتغى، ومن ذلك على سبيل المثال أنه لا يمكن تشديد العقوبات السجنية على مرتكبي جرائم العنف والسرقة في اتجاه تطويل المدة أو المنع من الانتفاع بظروف التخفيف، دون معالجة معضلة اكتظاظ السجون في تونس وبالخصوص ضمان الفصل بين من يؤدون عقوبة سجنية لأول مرة عن العائدين. وهي مسألة جوهرية خاصة أن مرتكبي جرائم العنف والسرقة هم جلّهم من الشباب، وذلك على نحو أن الغاية الإصلاحية من العقوبة السجنية ضرورية لمنع العودة للوسط الإجرامي، في حين أن الاحتكاك بهذا الوسط في الفضاء السجني قد يدفع لخلق بيئة نفسية دافعة أكثر للممارسة الإجرامية.
أين مشروع المجلة الجزائية؟
في الأثناء، إن مقترحات النواب لتعديل فصول من المجلة الجزائية بين الفينة والأخرى تعكس حقيقة لا خلاف في شأنها وهو أن المجلة التي تعود لما يزيد عن قرن (صادرة عام 1913) تجاوزها الزمن في عديد الفصول خاصة في ظلّ تطور السياسات الجزائية والعقابية. وقد سبق أن أشرفت وزارة العدل بعد الثورة على مسار مراجعة شاملة للمجلة الجزائية وأطلقت عام 2018 استشارة وطنية حول المشروع الأوّلي للكتاب الأول من المجلة الذي ينظّم القواعد العامة للجريمة والعقوبة، أي المبادئ الجزائية.
وهو مشروع طرح مراجعة للفلسفة العامة للسياسة الجزائية والعقابية بين ضمان حماية المجتمع واستقراره من جهة، وحماية الحقوق والحريات الفردية والعامة من جهة أخرى. وشمل المشروع تنظيم مسائل جوهرية أفرزتها التطورات الفقهية والقضائية على غرار تجريم الشخص المعنوي، وتطوير العقوبات البديلة وتعزيز تفريد العقوبة بتوسيع نطاق السلطة التقديرية للقاضي.
إن مقترحات النواب لتعديل فصول من المجلة الجزائية بين الفينة والأخرى تعكس حقيقة لا خلاف في شأنها وهو أن المجلة التي تعود لما يزيد عن قرن تجاوزها الزمن في عديد الفصول، خاصة في ظلّ تطور السياسات الجزائية والعقابية
غير أن هذا المشروع الشامل الذي كان المفترض إتمامه في إطار تشاركي لم ير النور، بعد تعمّد وزارة العدل عدم مواصلته وركنه في الرفوف على غرار مشاريع إصلاحية أخرى ومنها بالخصوص مشروع مجلة الإجراءات الجزائية ومشروع مجلة القضاء الإداري. وليس قطار الإصلاحات التشريعية الكُبرى فقط الذي أُوقف ولكن أيضًا مبدأ الحوار مع الفاعلين في الوسط القضائي وتحديدًا الهياكل التمثيلية للقضاة والمحامين، بعد أن تحوّلت الوزارة لرأس حربة في ضرب ضمانات استقلالية القاضي أو في التتبعات المثارة، بحكم واقع الإشراف على النيابة العمومية، ضد المحامين على خلفية ممارستهم لأعمالهم أو بمناسبتها. فالوزارة تحوّلت اليوم إلى عنصر أزمة تنسف بمقومات ضمانات المحاكمة العادلة على نحو أن إيقافها للإصلاحات التشريعية ليس إلا نتيجة طبيعية لواقع أزمة العدالة في البلاد.
الكلمات المفتاحية
ثلاث سنوات دون مجالس بلدية.. كلفة متصاعدة في تونس
يظلّ السؤال اليوم، في نهاية المطاف، هل سنرى يومًا ما قانونًا للبلديات يضمن مبادئ اللامركزية والديمقراطية المحلية ويعيد الاعتبار للبلديات؟ وهل ستُجرى قريبًا انتخابات بلدية تنافسية وشفافة ونزيهة، على خلاف مناخ إجراء الانتخابات التشريعية والرئيسية؟
قضاة جدد خارج الحركة القضائية.. الاستثناء الذي أصبح قاعدة في تونس
تتكرّر مجدّدًا تسمية القضاة الجدد خارج الحركة القضائية السنوية التي المفترض أن يعدّها المجلس الأعلى للقضاء قبل إحالتها لرئيس الجمهورية لختمها، بعد صدور أمر رئاسي يقضي بتسمية الملحقين القضائيين المتخرّجين من المعهد الأعلى للقضاء بعدد من المحاكم،
بين إرساء مؤجّل وسؤال الاستقلالية.. قراءة في مشروع المحكمة الدستورية في تونس
"تأخّر إرساء المحكمة الدستورية يظلّ محفوفًا بمخاطر فراغ دستوري باعتبار أنّ رئيسها هو الذي يتولّى مهام الرئاسة بصفة مؤقتة في حالة الشغور الدائم لمنصب رئيس الجمهورية.."
4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54
نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54 ضد الصحفيين وآخرها الأحكام الصادرة بحق الصحفية خولة بوكريم، والنزاعات المتعلقة بالمضامين الإعلامية يجب أن تعالج في إطار المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر
أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل يحتجون للمطالبة بتطبيق قانون انتدابهم الاستثنائي
يواصل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، احتجاجاتهم رفضًا لـ"سياسة المماطلة في تنفيذ القانون 18 وإصدار الأوامر الترتيبة القاضية بانتدابهم".
كم بلغ عدد حالات الغش خلال الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026؟
مدير عام الامتحانات الوطنية بوزارة التربية: الوزارة لا تهدف إلى معاقبة التلاميذ، بل توفير شروط النجاح لهم، مع التصدي لإصرار بعض الأطراف على التشويش على الامتحانات الوطنية
رسميًا.. "الفيفا" يرفع المنع من الانتداب عن الترجي الرياضي التونسي
تم تحيين جدول العقوبات في منصة منع الانتداب للفيفا، حيث أُزيل اسم نادي الترجي الرياضي التونسي رسمياً من قائمة الأندية المحظورة بعد تسوية ملفه