معرض "انبثاق الجسد" للرسام الراحل الحبيب شبيل.. مدونة جمالية ما فتئت تجادلنا
15 أبريل 2026
تصدير:
"ها هنا بين التمني والأماني
وهنا تفاحة المعنى تتفتق
وهناك يشتعل البنفسج، ويخضوضر الحب مكعبات في مربع،
تحتفل به الألوان وهي تنطلق
تنزاح الظلمة في ردهات النور ثم تنغلق، فيسري توت الوصايا
والموج يعلو فينحني الأزرق.."
(من قصيدة مرثية للشاعر محفوظ الجراحي كتبها سنة 2004 مهداة إلى روح فقيد الفن التشكيلي والمسرحي للحبيب شبيل).
أن تستعيد الحياة التشكيلية والثقافية التونسية الآن وهنا جزءًا من التجربة الجمالية واللغة البصرية الباذخة للرسام الراحل الحبيب شبيل (1936 ــ 2004) وتبرزها من خلال معرض تشكيلي استعادي تحتضنه قاعات دار الفنون بالبلفدير بالعاصمة تونس لمدة تقارب الشهر تمتد من 28 مارس/آذار إلى 26 أفريل/نيسان 2026، فإن ذلك ليس من باب الإنصاف والاعتراف الشكلي لذاكرة الفن التشكيلي التونسي، بل هو استدعاء واضح للسؤال الفلسفي المفتوح والحارق والمؤرق حول دور الفنون الجمالية في صناعة التاريخ ومراكمته ثقافيًا، خاصة وأن تجربة الرسام الحبيب شبيل، تعبر بدقة عن ذاك التساؤل الواسع والملحّ.
عنوان المعرض الاستعادي للحبيب شبيل هو "انبثاق الجسد" في إحالة واضحة إلى زاوية شجاعة من الإرث الفني للراحل وهي "كوريغرافيا الشخصيات داخل فضاء اللوحة" حيث تغيب الملامح وتخفت الإضاءات في بعض الأعمال وتنمو الحركة
هذه التجربة هي أيضًا تجربة أيقونية ونموذجية تحيلنا بكل وضوح إلى شغف الفنان التشكيلي التونسي بفنه ووعيه الوقاد بدوره الفكري في المجتمع الذي ينجر عنه التغيير والاستمرار في الحلم بالمعنى الشعري للكلمة ومن ثمة الإسهام في المراكمة الفكرية ونحت الهوية الثقافية للمجتمع، خاصة إذا ما فهمنا أن اللحظة التاريخية التونسية التي أقام فيها الحبيب شبيل كانت مفصلية في مسار التاريخ الثقافي التونسي، وهي التي تعرف بلحظة الاعتمال والتجريب والتأمل والبحث عن الهوية التونسية وتونسة "الأشياء والكلمات"، والتخلص من ربقات السلطة الثقافية الاستعمارية التي كانت مهيمنة على الفضاء الثقافي التونسي وصبغته بصباغها وظلت تمارس هيمنتها الأدبية والرمزية عليه إلى سنوات ما بعد الاستقلال.
لوحات الحبيب شبيل بدار الفنون انتقاها وبوّبها ووضع التمشي البصري الخاص بها كوميسار المعرض الأستاذ الرسام سامي بن عامر وقد جلبت من "الرصيد الوطني" للأعمال الفنية الذي تملكه الدولة التونسية وتشرف عليه وزارة الشؤون الثقافية، ويمكن الإشارة هنا إلى أهمية الرصيد الوطني والتي تكمن في استنطاقه فنيًا وحضاريًا وفكريًا.. والاستفادة من مكونه الكثيف ثقافيًا وجماليًا بالطرق التي نريد ومتى نريد.. وهذا المعرض يمكن تنزيله ضمن إطار هذا التثمين.
اقرأ/ي أيضًا: المهن المجاورة للفنون التشكيلية في تونس.. إجماع على غيابها وضرورة إحيائها
عنوان المعرض الاستعادي هو "انبثاق الجسد" وهي زاوية مدروسة ومختارة بعناية العارف بمدونة الفنان الراحل وفي ذلك إحالة واضحة إلى زاوية شجاعة من الإرث الفني للحبيب شبيل وهي "كوريغرافيا الشخصيات داخل فضاء اللوحة" حيث تغيب الملامح وتخفت الإضاءات في بعض الأعمال وتنمو الحركة لتملأ الفضاء ضجيجًا وهدوءًا يشبه قصيدة الحب.. حينها يشرع المتلقي في عملية تركيب خاصة به والتي يعتمد فيها على خياله وهي لحظات تفاعل نوعي مع اللوحة لم تأنسها عين المتلقي التونسي في السنوات الستين والسبعين من القرن العشرين.. حيث تهيمن أساليب "مدرسة تونس" للفن التشكيلي على كل شيء فيما يتعلق بالرسم والرسامين في جميع الأبعاد.
وفي هذا الصدد تقول إحدى الأوراق التقديمية المعلقة في المعرض والتي تحمل عنوان "جيل الستينيات": "ينتمي الحبيب شبيل إلى جيل الستينيات وهو الجيل الذي أعاد التفكير في المرجعيات التشكيلية التي رسختها مدرسة تونس، فبعد مرحلة انشغلت أساسًا بالموضوع، اتجه عدد من فناني هذا الجيل إلى البحث في بناء اللوحة ذاتها من خلال تنظيم الفضاء وإعادة صياغة العلاقات بين اللون والخط والكتلة، غير أن هذا التحول لم يكن شكليًا فحسب، بل فتح المجال أمام ظهور معان جديدة، حيث لم يعد الشكل يصف العالم، بل يساهم في إعادة بنائه داخل فضاء اللوحة".
اقرأ/ي أيضًا: مدرسة تونس للفنون التشكيلية.. علامة فارقة وتاريخ خالد
ومن هنا نفهم أن لوحة الحبيب شبيل هي جغرافيا فنية على حدة، تقيم على تخوم التضاد: فسيحة كصحراء وضيقة كمعنى في قصيد منسيّ، ناتئة ككلمات هجاء وملساء كخدّ فتاة، فوضوية كالربيع وفلسفية كزهرة على قمة جبل.. متناغمة مع ما يحدث في مختلف القطاعات الثقافية الأخرى، الأمر الذي حدا بالرسام إلى التقاطع والاشتباك مع ما تنجزه النخب الثقافية والفنية في السينما والمسرح والكتاب والنشر الصحفي.. وقد سبقه لذلك الفنان الرسام زبير التركي الذي وضع ديكورات مسرحية مراد الثالث التي كتبها الحبيب بولعراس وأخرجها علي بن عياد، كما وضع رسومات خطية لكتابات محمود المسعدي "السد" و"حدّث أبو هريرة قال"..
المعرض الاستعادي "انبثاق الجسد" بدار الفنون بتونس، تناول جزءًا من المدونة الجمالية والثقافية الكبرى للفنان الراحل الحبيب شبيل الذي لم يكن رسامًا نمطيًا.. بل كان سينوغرافيًا يشكّل الركح المسرحي بأسلوب الرسام
شخصيات الحبيب شبيل المطلّة من لوحات المعرض والتي تلوّح إلينا بمناديل الخلود والتلاشي ومبتسمة ومنشغلة في حالات أخرى لا تبالي بالموت والفناء.. لقد صنعتها لعبة ضوء وظل عاتية وجسدتها فرشاة مدركة وعالمة ممتلئة.. وهنا يقول الأستاذ سامي بن عامر: "من خلال تدرجات الضوء والظل تبدأ الأجساد والأحجام في الظهور أو في التلاشي، وهكذا يتحول الضوء إلى عامل أساسي في تنظيم الفضاء البصري وفي إبراز التحولات التي يعرفها الجسد داخل اللوحة، شكلًا ومعنى".
عمارة اللوحة عند الحبيب شبيل في معرضه هذا تتنكر إلى الشروط الكلاسيكية للوحة التونسية المهادنة في زمنها وتخلق لها هندستها الداخلية المخصوصة بالرؤيوية وزحمات المعنى.. لتمثل تحولًا جريئًا متحت منه الأجيال التشكيلية فيما بعد ولا زالت، لقد نقل اللوحة من سردياتها القديمة إلى منطقة التجريب الأقصى.
أما الجسد في هذه اللوحات المتجاورة والمتناغمة بصريًا، فيبدو: طيفيًا منشقًا ومحلقًا كطائر لقلق، متاحًا وغير متاح تمامًا كالبرق، تفوح منه ذاكرات بعيدة قصيّة، يشي بالتشظي والتشقق والعطش الأبدي، منعمًا بالحب واللذة والتيه والسفر، ممتعًا بالنشوة والخدر الجميل، منطلقًا كالريح كمهر في البراري، حزينًا كسنابل تستعد للمناجل، مكبّلًا بسلاسل الحضارة..
ورقة تقديمية بالمعرض الاستعادي: ينتمي الحبيب شبيل إلى جيل الستينيات وهو الجيل الذي أعاد التفكير في المرجعيات التشكيلية التي رسختها مدرسة تونس
المعرض الاستعادي "انبثاق الجسد" بدار الفنون بتونس يمكن القول إنه تناول جزءًا من المدونة الجمالية والثقافية الكبرى للفنان الراحل لحبيب شبيل الذي لم يكن رسامًا نمطيًا يكتفي بالمعارض الجماعية والفردية في أروقة العرض.. بل كان سينوغرافيًا يشكّل الركح المسرحي بأسلوب الرسام وقد أنجز مسرحيات هامة: "موال"، "كرنفال "، "سمفونية ".. عُدّت علامات في المسرح التونسي المعاصر (في قسم التجريب)، كما أنتج وأخرج شبيل شريطًا سينمائيًا عنوانه "القلق" وله إسهامات في ديكورات الدراما التلفزية.. وهي تجارب وتقاطعات يمكن اعتبارها ثمرة انفتاح الرسام صاحب الهواجس الفكرية والرؤى المختلفة على الساحة الثقافية التونسية الشاسعة.
أن نعود إلى هذه الأسماء المضيئة ثقافيًا ليس تمجيدًا للتجربة وللفنان وإعادة الحياة إلى الأعمال والمنجزات الإبداعية، بقدر ما هو تخصيب للحياة الثقافية وربطها بماضيها ومساءلته.
اقرأ/ي أيضًا: معرض الفنون التشكيلية في تونس.. أنطولوجيا الألوان والأسماء
الكلمات المفتاحية
10 مواقع تونسية مصنفة على لائحة التراث العالمي لليونسكو.. ماذا نعرف عنها؟
تحوز تونس الترتيب العربي الأول في قائمة اليونسكو العالمية بـ 10 مواقع هامة من رصيدها الكبير. وهذه المواقع والمعالم التاريخية هي..
سامي يوسف يحوّل مسرح قرطاج إلى محراب للمناجاة
كان الحفل فرصةً تواصل خلالها الفنان سامي يوسف مع جمهوره التونسي بحضوره القوي وعفويته وبأنماطه الموسيقية العديدة وبكلمات أغانيه العميقة
مهرجان قرطاج الدولي في ستينيته.. متحف كبير للذاكرة الثقافية التونسية
ذاكرة مهرجان قرطاج الدولي، تحولت إلى وثائق وأرشيفات ثقافية وجب متحفتها بشكل من الأشكال كأن يخصص متحف يطلق عليه "متحف مهرجان قرطاج الدولي"، أو إنجاز شريط سينمائي وثائقي يحكي المسيرة المتوجة لهذه التظاهرة الواجهة والأعرق، أو إنجاز كتاب توثيقي، أو جميعهم معًا..
مهرجان الحمامات الدولي.. سحر المكان ورقيّ العروض
نجيب الكسراوي (مدير مهرجان الحمامات الدولي): برمجة الدورة الحالية تقوم على التنوع سواء من حيث الأجناس الفنية أو المرجعيات الموسيقية، وتجمع بين الفادو البرتغالي والبلوز الأمريكي والروك التركي البديل والموسيقى الإفريقية والكوبية، والأغنية العربية الطربية والمشاريع الموسيقية التونسية الجديدة
"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس
قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..
هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب
أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..