مسلسل أكسيدون.. عن سيكولوجيا الانتقام في الدراما التونسية
12 مارس 2026
ظلّ موضوع الانتقام حاضرًا حضورًا مهيمنًا ومتواترًا في جلّ الأعمال الفنيّة شعرًا وغناءً ومسرحًا وسينما، وقد بلغ هذا المشغل ذروته في المسلسلات العربيّة لاسيما المصريّة، ولئن حضرت بعض السلوكات الانتقاميّة في الدراما التونسيّة على امتداد عقود فإنّ مسلسل أكسيدون للمخرج مطيع الدريدي قد حوّل الانتقام إلى مرتكز جوهري في بناء الأحداث بداية ومسارات ونهاية، كما جعل الرغبة في الثأر السمة المميزة للشخصيّة المركزيّة ملمحًا وشعورًا وخطابًا وأفعالًا وعلاقات مع بقيّة الفواعل والأشياء والمقامات والسياقات والأطر الزمانيّة والمكانيّة.
الانتقام جوهر المسلسل ونظامه وخصوصيته الجمالية
لئن أعرض صاحب السيناريو عن البوح بالعنوان الأقرب للمسلسل وهو "الانتقام" فإنّ أغنية الجينيريك وتصميمه قد أوحت بذلك منذ البداية، أمّا الأغنية فقد كشفت كلماتها عن ثنائيّة الحزن المحبط والغضب المنذر بالقتل والهدم والحرق، بدا ذلك على سبيل المثال في اللازمة المتكرّرة "اللي في قلبي نار ما اطّفيها إلّا نار" وقد تأكدت ثنائيّة الألم والهيجان من خلال اللحن الذي تراوح بين الإيقاع الهادي البطيء الجنائزي والموسيقى الصاخبة المتفجرة التي تزامنت وتناسبت مع عبارات من قبيل "قلبي مقهور" و"ما ننساش وما تشيح الدمعة اللي في عيني"، أمّا الجينيريك فقد هيمن عليه مشهد سوداوي تشكّل من خلال طريق مظلم فيه منعرجات والتواءات تنبئ بإقدام "البطل" على أمر جلل.
ظلّ موضوع الانتقام حاضرًا حضورًا مهيمنًا ومتواترًا في جلّ الأعمال الفنيّة.. ولئن حضرت بعض السلوكات الانتقاميّة في الدراما التونسيّة على امتداد عقود فإنّ مسلسل أكسيدون قد حوّل الانتقام إلى مرتكز جوهري في بناء الأحداث
ولِأنّ الشخصيّة الراغبة في الانتقام تتّصف بالعمق والتعقيد والتناقض أحيانًا حقّ القول إنّ مسلسل "أكسيدون" يقتضي في مستوى تحليلي ونقدي وتقييمي معالجة تستأنس بأصول علم النفس خاصّة في صلة بالسلوك البشري وعلاقته بالدوافع والحوافر والمنبّهات والبواعث والأغراض والرغبات، وهي مقدّمات عامّة لا غنى عنها لاستيعاب "سيكولوجيا الانتقام".
ومن الضوابط العلميّة التي تبرّر هذا التمشيّ هو أنّ العزم على الانتقام والتخطيط له وتنفيذه ليس مجرّد ردّ فعل آليّ يصدر عن كلّ شخص تعرّض إلى الظلم، فلا شكّ أنّ نفس الدافع قد يفضي إلى سلوكات متباينة، كما أن نفس السلوك قد ينشأ عن دوافع مختلفة، وبناءً على ذلك فإنّ بناء شخصيّة المنتقم يقتضي عناية مركزة بعناصر عديدة ومتداخلة تتضافر معًا لتجعل الاندفاع إلى الانتقام سلوكًا له المبررات الموضوعية والذاتية القويّة والمُقنعة والحتميّة، وهو ما يجعل طرح هذا الموضوع دراميًا مغامرة إبداعيّة جريئة.
الاستخفاق بالضحيّة والاستقواء بالنفوذ المالي
فقد يوسف (نضال السعدي) ابنته كنزة وزوجته مريم بسبب حادث مرور قاتل اقترفه كريم (خليل العبدولي)، شابّ في مقتبل العمر كان يسوق سيّارة بسرعة جنونيّة في منطقة عمرانيّة، هذا المعطى الموضوعيّ لم يكن كافيًا منطقيًّا وواقعيًّا لتغذية الرغبة في الانتقام لولا حضور عناصر أخرى جعلت يوسف يشعر بالظلم والغبن، فيعزم على الثأر من مرتكب الجريمة وشركائه من هذه العناصر استخفاف الجاني بالضحيّتين وإعراضه عن إنقاذهما رغم استنجاد الأب/الزوج، وممّا قوّى الدافع إلى الانتقام استغلال مرابط جراح التجميل (محمد علي بن جمعة) والد كريم نفوذه المالي لتغيير الحقائق والملابسات والحيثيات مستعينًا بمحامٍ يتّصف بالخبث والدهاء، إذ وظّف الممرض جميل (شوقي بوقلية) بمقابل مادّي ضخم ليشهد بأنّه المتسببّ في الحادث، حتى يفلت ابنه من عقوبة سالبة للحرية تصل إلى خمس سنوات.
اقرأ/ي أيضًا: مسلسلات رمضان 2026 في تونس.. تنافس شديد في سباق الدراما
ولم تنفع الإغراءات الماليّة والتهديدات في إثناء يوسف عن التفكير في الانتقام تفكيرًا حوّل هذه الرغبة الصارخة المحمومة إلى حالة عُصابيّة مرضيّة أقرب إلى الانفصام في الشخصيّة تشكّلت من خلال مشهد تعنيف أحد السجناء والدفع والضرب واللكم إلى منتهى القسوة والشدّة متخيّلًا في تلك اللحظة أنّه كان بصدد قتل الشاب كريم المتسبّب في فاجعته الأسريّة.
الشخصيّة الانطوائيّة المحافظة والانتقام البارد
بدا مطيع الدريدي مخرج العمل وصاحب السيناريو والحوار حريصًا منذ المشاهد الأولى على رسم صورة للبطل فيها مواصفات عامل التوزيع (Livreur) المحافظ المتواضع المستقيم الذي يغلب عليه الحياء، تجلّى ذلك أوّلًا في سياق إيصاله بضاعة إلى إحدى الزبائن التي نعتته بقولها "حشام وداخل بعضو"، وتأكدت الصورة في ردّ فعله الرافض لتعمد صديقه صلاح قرصنة حسابات من يقصدنه لإصلاح هواتفهن، وممّا دعّم هذه الصورة ملامحه الطفوليّة الظاهرة في بياض وجهه وصفائه وتسريحة شعره ومعاناته من بعض التلعثم في النطق لأسباب تبدو نفسيّة موصولة بفرط الحياء بدليل تقلص هذه الحالة حينما اكتسب الجرأة والإقدام.
بناءً على معطيات كثيرة يتّضح أنّ الانتقام لم يكن مجرد ردّ فعل تشكّل شعورًا وقولًا وتخطيطًا وفعلًا، إنّما هو عنصر درامي متحكّم في تنامي الأحداث وتحوّل ملامح الشخصية المركزية يوسف (نضال السعدي) تحوّلًا جذريًّا
ملامح يوسف المحافظة أقرب وفق بعض دراسات علم النفس إلى الانتقام البارد عند التعرّض للظلم، خلافًا للشخصيّة الصداميّة التي تردّ الفعل آنيًّا بعنف وبمنتهى القسوة والشدّة دون تخطيط.
سلوك يوسف بدا فريدًا غير منسجم مع القاعدة النفسيّة المذكورة، إذ جمع في تدرّج وتحوّل جذري بين لونين من الانتقام، مرحلة أولى توخّى فيها "الانتقام الحارّ" الذي جنج إليه لمّا همّ بخنق جميل (شوقي بوقلية) شاهد الزور داخل مركز الشرطة، كما عمد إلى نفس الأسلوب لمّا حاول إحراق مؤسسّة صحيّة خاصّة بمرابط والد الجاني، وفي مرحلة لاحقة عمد إلى "الانتقام البارد"، إذ استفاد من وجود شاهد الزور معه في نفس السجن فأقدم على شنقه بهدوء وحكمة متخذًا الاحتياطات اللازمة لإخفاء الجريمة.
وفي نهاية المسلسل بلغ أعلى درجات التخطيط والحيطة والترصّد والإعداد والاستعداء والتعبئة الماديّة والنفسيّة والبشريّة لينفذ مقصده الأقصى والنهائي من خلال الانتقام من الشاب الجاني وأبيه، فبعد أن أوقعهما في كمين مستعينًا بمجموعة من أصحاب السوابق منهم حليم (عزيز الجبالي) افتعل بأسلوب جريء وذكيّ حادث مرور أفضى إلى احتراق غريميه داخل السيارة، على هذا النحو أوفى بعهده لزوجته حينما وعدها مرارًا بالانتقام لها ولابنته، قائلًا في أحد المشاهد في المقبرة "حقك وحق كنزه مانيش باش نسلم فيه نُوعدك".
اقرأ/ي أيضًا: الخُطيفة.. مسلسل يُصالح المتفرج التونسي مع الدراما الرمضانية
وفي مقام آخر خاطب جميل شاهد الزور أثناء شنقه وفي لحظات الحشرجة يبلغه وصية إلى ابنته وزوجته "قلهم يوسف ما نساكمش وباش ياخذلكم حقكم من كل واحد كان سبب في موتكم"، تكرار هذا الملفوظ المشحون بمعاني الانتقام يندرج ضمن تجديد العزم على الانتقام، ذلك أنّ المُنتقم يخشى أن تغلبه آفة النسيان المتواطئة مع الزمن، فتفتر رغبته شيئًا فشيئًا بمرور الوقت، لذلك تراه حريصًا على تنشيط ذاكرته الانتقاميّة بالقول كما في مسلسل أكسيدون أو بالوشم والرسم في مقامات واقعية ودراميّة أخرى.
بناءً على هذه المعطيات يتّضح لنا أنّ الانتقام لم يكن مجرد ردّ فعل تشكّل شعورًا وقولًا وتخطيطًا وفعلًا، إنّما هو عنصر درامي متحكّم في تنامي الأحداث وتحوّل ملامح يوسف (نضال السعدي) تحوّلًا جذريًّا.
من الانتقام الشفائيّ إلى الدورة الانتقاميّة
من تصنيفات الانتقام المعتمدة لدى بعض علماء النفس، الانتقام الردعي والانتقام الشفائيّ أمّا الأوّل فهو انتقام يتخذ حجمًا محدودًا الغاية منه تنبيه الخصم وردعه عن التمادي في الخطأ، وأمّا الثاني فهو لون من الثأر يسعى من خلاله المنتقم إلى تحقيق حالة من الرضا واللذة التي تشفي غليله وتطفئ النيران التي تضطرب في فؤاده بسبب ما تعرّض له من ظلم وإيذاء.
لئن أعرض صاحب السيناريو عن البوح بالعنوان الأقرب لمسلسل أكسيدون وهو "الانتقام" فإنّ أغنية الجينيريك وتصميمه قد أوحت بذلك منذ البداية.. وسيكولوجيا الانتقام في هذا المسلسل يمكن اعتمادها مدخلًا لفهم شخصيّة المنتقم والعوامل المؤثرة في سلوكه
الطريف أنّ المتعة التي ينعم بها المنتقم عند النجاح في مقصده يتردّد صداها في المتلقّي/المشاهد متعاطفًا مع البطل ومتماهيًا معه، فيشعر بلون من الشماتة والتشفي من الظالم، كما يتيح له المشهد الانتقاميّ ضربًا من التفريغ العاطفي فيتخلّص من مشاعر الغضب والإحباط والإحساس بالغبن والظلم، ويكتسب شعورًا بالقوة والعدل والإنصاف، فالانتقام بهذه الصوررة لون من الألوان الجمالية الدراميّة أقرب ما يكون إلى جمالية القبح.
يؤكد الباحثون في سيكولوجيا الانتقام أنّ اللذة التي يشعر بها المنتقم أقصر من أن تدوم، فسرعان ما تراوده مشاعر القلق والصراع الداخليّ والفراغ والاضطراب الذهني وقد تفضي به إلى انحرافات خطيرة كأن يتحوّل إلى قاتل متسلسل، ولئن لم تكشف لنا الحلقة الأخيرة من مسلسل أكسيدون بوضوح عن المآل النفسي للبطل فقد أبانت عن درجة أخرى من درجات الانتقام يسميها بعض الباحثين في علم النفس "الانتقام الدائري" أو ما يمكن تفسيره بالانتقام الذي يفضي إلى انتقام مضادّ وقد تشكّل ذلك في اللقطة الأخيرة من المسلسل من خلال ردّ فعل سارّة رفيقة الجاني، إذ عمدت إلى طعن يوسف منتقمة لحبيبها رغم يقينها أنّه كان متلاعبًا في علاقته معها ومذنبًا متسبّبًا بسبب انحرافه وتهوه في إزهاق روح أمّ وابنتها.
فصل المقام، سيكولوجيا الانتقام في مسلسل أكسيدون يمكن اعتمادها مدخلًا لفهم شخصيّة المنتقم والعوامل الذاتية والموضوعية المؤثرة في سلوكه، كما تكشف لنا عن دور الانتقام في توجيه العمل فنيًا حوارًا وأحداثًا وصورة وإيقاعًا وجماليّة وأفق انتظار لدى الجمهور.
الكلمات المفتاحية
معرض الفنان التشكيلي المختار هنان برواق عين بصلامبو.. شوق مرئي للمدينة العتيقة
الفنان التشكيلي التونسي المختار هنان قدّم طيلة مسيرته الطويلة للذاكرة الثقافية التونسية -ولا زال- مئات الأعمال الفنية التي تعدّ مدونة مخصوصة ونموذجية لرؤية جمالية مميزة في عالم "الفن التشخيصي"
مشروع "الكاميرا والرفاق".. مبادرة جديدة لتقليص التفاوت الثقافي بين الجهات والمركز
رئيس الجامعة التونسية لنوادي السينما لـ"الترا تونس": الفيلم الوثائقي، هو النوع الأقرب إلى واقع الشباب وللإمكانيات المتاحة في المناطق الداخلية فهو لا يتطلب ميزانية كبيرة ولا تجهيزات معقدة
الكتب الصوتية في تونس.. مبادرات شبابية لتقديم تجربة قراءة تفاعلية
في إطار تنامي استهلاك الكتب الصوتية في تونس.. برزت الحاجة لمبادرات تُعنى بتحويل الكتب الورقية إلى تجارب مسموعة، تحفّز القارئ أكثر وتوفّر عليه الوقت وتقدّم له تجربة ممتعة، سواء للصغار والكبار على حدّ السواء.
معرض "انبثاق الجسد" للرسام الراحل الحبيب شبيل.. مدونة جمالية ما فتئت تجادلنا
استعادت الحياة التشكيلية والثقافية التونسية جزءًا من التجربة الجمالية واللغة البصرية الباذخة للرسام الراحل الحبيب شبيل (1936 ــ 2004) لتبرزها من خلال معرض تشكيلي استعادي تحتضنه قاعات دار الفنون بالبلفدير بالعاصمة تونس لمدة تقارب الشهر
رسالة المعتقلين من سجون تونس.. أيّ وحدة مأمولة؟
توجّه 11 معتقلًا سياسيًا من داخل السجون برسالة للتونسيين والفاعلين في الشأن العام، تضمّنت دعوة للتوحّد و"تأجيل كل خلاف فكري وسياسي إلى أن تعود الديمقراطية".. فهل أن توحّد الديمقراطيين المختلفين بداهة في توجهاتهم السياسية والفكرية يؤمّن تغييرًا في موازين القوى بما يؤدي بالتبعية إلى إنهاء الانحراف الاستبدادي واستعادة المسار الديمقراطي؟
منتدى الحقوق: نستنكر الانقطاع المتكرر للماء بالمتلوي ونساند تصعيد الأهالي السلمي
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: ندعو سلطة الإشراف إلى تحمل المسؤولية كاملة والتسريع في إيجاد حلول جذرية تضمن حق المواطنين في الماء الصالح للشراب بعيدًا عن منطق التسويف والتخوين
الدورة 46 لمهرجان باجة الدولي.. تعرّف على قائمة العروض
يضم برنامج الدورة 46 لمهرجان باجة الدولي 13 عرضا تتوزع بين المسرح والطرب والعروض الشبابية والموسيقى البديلة.
طقس تونس.. درجات الحرارة تواصل ارتفاعها مع ظهور الشهيلي
معهد الرصد الجوي: الريح من القطاع الجنوبي ضعيفة فمعتدلة ثم تتقوى نسبيًا قرب السواحل وبالمرتفعات