مسرحية الهاربات لوفاء الطبوبي.. مقاربة واقعية ببُعد فلسفي
10 ديسمبر 2025
فازت مسرحية الهاربات بجائزة التانيت الذهبي وبجائزة أفضل نص وحظيت إحدى بطلاتها لبنى نعمان بجائزة أحسن أداء نسائي ضمن المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية في دورتها الـ26 لسنة 2025. تحصلت هذه المسرحية أيضًا على الجائزة الكبرى للإبداع المسرحي وعلى جائزة أفضل ممثلة، استحقتها فاطمة بن سعيدان عن المسابقة الرسمية لمواسم الإبداع للمسرح الوطني التونسي وجمعية عبد الوهاب عياد في دورته الثالثة.
ستّة أبطال لمسرحية الهاربات
مسرحية الهاربات كتبتها وأخرجتها وصممتها سينوغرافيًا، وفاء الطبوبي، وكلفت بإنتاجها فاطمة المرصاوي عن مؤسسة المسرح الوطني. شارك في بطولتها كل من أسامة الحنايني وأميمة البحري وصبرين عمر ومنيرة الزكراوي ولبنى نعمان وفاطمة سعيدان. جسدوا بحضورهم على الركح معنى الفريق وكانوا متماسكين ومتناسقين، أبلوا البلاء الحسن فجاء عملهم محكمًا ومتكاملًا. وبدوا متقاربين في الأداء وفي شدّ انتباه الجمهور.
مسرحية الهاربات، كتبتها وأخرجتها وصممتها سينوغرافيًا، وفاء الطبوبي، التي انطلقت من حدث عادي وروتيني وحوّلته إلى تأمل فلسفي ووجودي بعد أن جسدت للمتفرج معضلة النقل العمومي ومعاناة الانتظار وما تسبّبه من مضيعة للوقت وإخلال بالالتزامات
معاناة يومية دائمة
انطلقت وفاء الطبوبي في هذه المسرحية من حدث عادي وروتيني وحولته إلى تأمل فلسفي ووجودي ومنحته بعدًا ماديًا وآخر وجوديًا. جسدت للمتفرج معضلة النقل العمومي وصوّرت له أناسًا قابعين بالمحطة، وقد اشرأبت رؤوسهم وتطاولت أعناقهم بحثًا عن حافلة، انتظروها طويلًا إلى أن عيل صبرهم وبان على وجوههم الهلع والتأزم والخوف فقرروا أن يلتحقوا بمقرات أعمالهم سيرًا على الأقدام، تقودهم في سيرهم أكبرهم سنًا وأكثرهم تجربة مع محن الحياة ومصاعب الطريق لتوجههم وتأخذهم إلى برّ الأمان، لكن الطريق المسدود والمظلم حال دون نجاتهم وجعلهم يدورون حول أنفسهم ويعودون في كل مرة إلى نقطة الصفر.
لم يربطهم ببعضهم صداقة أو قرابة، بل ربط بينهم انسداد الأفق والخوف من المجهول فنشأت بينهم علاقات عفوية، تحاوروا، تخاصموا وتصالحوا، صمتوا وصرخوا وحمّلوا بعضهم بعضًا مسؤولية ضياعهم وتيههم. باحوا لبعضهم بأوجاعهم وكشفوا عن معاناتهم داخل أسرهم وفي أماكن عملهم وعبروا بمرارة عما يعيشونه من تهميش واضطهاد وما مرّوا به من قهر وظلم وما ينتظرهم من مستقبل غامض.

الانتظار سجن داخلي وخارجي
عرضت وفاء الطبوبي على المتفرج ظاهرة الانتظار في بعدها المادي والوجودي وما تسبّبه من مضيعة وقت وإخلال بالالتزامات وقلق وإرهاق. أرادت لشخصيات مسرحيتها أن تعيش ترقبًا مزدوجًا بانتظارهم قدوم الحافلة وترقبهم لتغيير أحوالهم إلى الأحسن فجسدت تأزمهم النفسي وخوفهم وحيرتهم لترسل رسائل ضمنية بأن الانتظار سجن رهيب، يقتل الطاقات والكفاءات ويحوّل الطموح إلى استسلام والأمل إلى يأس ولا بدّ من مواجهته بالمحاولة وبروح التحدي. لذلك صورت شخصيات مسرحيتها وهم يصارعون، يحاولون مرارًا وتكرارًا يسقطون ثم ينهضون، فعادت بالمتفرج إلى أسطورة سيزيف، مدحرج الصخرة صعودًا ونزولًا، مرارًا وتكرارًا والمحاول إلى ما لا نهاية.
اقرأ/ي أيضًا: تعرّف على قائمة المتوجين في الدورة 26 لأيام قرطاج المسرحية
خطواتهم وتنفسهم تعكس أوجاعهم
ارتأت وفاء الطبوبي التعبير عن معاناة الإنسان ومأساته الوجودية وتشبثه بالأمل رغم الألم بحركات الجسد وبملامح الوجه وبالتنفس وبالمشي.. فجعلت من خطوات مجموعتها المسرحية ومن حركة تنفسهم، مرآة بصرية ونفسية تعكس ما بداخلهم من ألم ويأس، صورتهم وهم، يحاولون الهروب من الانتظار في سير جماعي، بخطى حثيثة، واثقة منتظمة، متناغمة، تحدث صوت وجع، يصحبها تنفس ينمّ عن إرهاق وتعب. جعلت هندامهم أيضًا يحكي عن وجعهم من خلال عدم تناسقه وفوضويته وقتامة ألوانه، كما أضفت عليه بعدًا سيميائيًا أضافت إليه اللون الأحمر ليكون ناقوس خطر وإنذار بأن الانتظار طال ولا بدّ من حل عاجل.
حضور ركحي طغى فغطى النقائص
برزت مهارة المخرجة وفاء الطبوبي في توظيفها لفضاء فارغ، مظلم، مسدود استغلته من حيث دلالاته فانسداده يشبه انسداد أفق شخصيات المسرحية وقتامته تشير إلى إحباطهم واغترابهم. لم تدخل عليه ديكورًا وإكسسوارات فكان خاليًا من الأثاث ومن لوازم المحطة أقلها واقية يركن إليها الركاب، مكتفية بجدار عملاق وإشارات مرور. أهملت العناصر الثابتة على الخشبة وأفقدتها حركيتها وصخبها لتملأها بصخب وعمق قصص وسرديات الشخصيات المسرحية، التي جعلت المتفرج يركز معهم وينغمس مع أدوارهم، غير مبال بالفضاء وما ينقصه.
هويات حفرتها المعاناة
أهملت وفاء الطبوبي الأسماء في مسرحيتها ولم تدرج دلالاتها فلم تسمّ الشخصيات بأسماء مناداتها واختارت أن تعرف بهم من خلال وظائفهم ومحنهم فالتهميش والاستغلال والاغتراب صفات التصقت بهم منذ نعومة أظافرهم ورافقتهم طيلة مشوارهم، لذلك فهي الأجدر بالتعريف بهم.
عرفوا بأنفسهم باختلاف معاناتهم ودرجة وجعهم فهذه عاملة خياطة وهذا عامل في معمل للأسلاك الإلكترونية، يسردان ما يتعرضان له يوميًا من استغلال ومن مخاطر العمل المتسلسل وما يفرضه عليهما من تكرار واستنزاف عضلي ونفسي. وهذه معينة منزلية ثمانينية لا تزال تصارع من أجل لقمة العيش فلم يكن لها تغطية اجتماعية تضمن لها انسحابًا آمنًا وتقاعدًا مريحًا وهذه شابة مجازة في القانون تعمل كاتبة لدى محام وهو في الأصل زميلها ويحمل مثل شهادتها، وهذه أستاذة نائبة تبذل كل ما في وسعها حتى لا تتأخر عن موعدها وإلا يتم طردها، آملة في ترسيم قد يأتي في يوم من الأيام. وهذه ملتقطة قوارير البلاستيك، تنتقل من حاوية إلى أخرى إلى درجة حوّلتها إلى خبيرة بالممارسة والتجربة الطويلة فتتغزل بالقوارير البلورية وتنادي باستعمالها عوضًا عن البلاستيكية. لتثير مشكلة تراكم المواد البلاستيكية وتشويهها لكل الأمكنة ومدى خطورتها على حياة التونسي.

تيه وضياع مشترك
خاطبت مسرحية الهاربات، الجمهور بلغة يفهمها ووضعته وجهًا لوجه مع مشاكل يعيشها يوميًا، لم تكلفه عناء التخيل فعرضت عليه مشاهد من الحياة اليومية ليعاينها من خارج الحلبة وبعين المتفرج الناقد وفي لحظة صفاء. عبرت له الشخصيات المسرحية الستة على معاناتها وتيهها وتهميشها، فصرخت وتأوهت ألمًا وقهرًا، أبهرته ورجته فأشعرته أنها تحكي عنه وتروي قصصًا من معاناته فتفاعل معها وشاركها صراعها، مستبطنًا همومها فهي مماثلة لهمومه.
تغليب التأنيث انتصار لامرأة تُستغل استغلالًا مضاعفًا
تمردت وفاء الطبوبي على قواعد اللغة انتصارًا لجسد المرأة المنهك جرّاء الاستغلال والعمل المضاعف خارج البيت وداخله لذلك، تجرأت واختارت عنوانًا لمسرحيتها في صيغة الجمع المؤنث بالرغم من أن عدد الشخصيات في المسرحية خمس نساء ورجل واحد. فتناست القاعدة اللغوية التي تغلّب المذكر في صيغة الجمع بوجود ذكر واحد في المجموعة. لتذكّر المتفرج بما يفعل الفقر والتهميش بالنساء فهن الحلقة الأضعف والأكثر عرضة لمخلفات الأزمات والكوارث ويشهد التاريخ أن معاناتهن دومًا ودائمًا مضاعفة.
لم تصنع المخرجة نهاية مغلقة لمسرحيتها ولم تحل عقدتها، فالعقدة معقدة وحلّها أيضًا مثلها معقد لذلك تركت النهاية مفتوحة حتى يتأمل فيها المتفرج ويساهم في تأويلها وتفكيكها.
الكلمات المفتاحية

هل يهدد الذكاء الاصطناعي عرش الخط العربي؟
"في زمنٍ باتت فيه الخوارزميات قادرة على تقليد أدق التفاصيل البصرية، يُطرح سؤالٌ ملحّ: هل يتهدد الذكاء الاصطناعي فنّ الخط العربي أم يختبر جوهره؟" هل الذكاء الاصطناعي مخيف؟ طبعًا هو كذلك. إلى درجة أن يهدّد فنًا عظيمًا كالخطّ العربي؟ هذا ما نحاول سبر أغواره في مقالنا هذا..

"بابورينو"... الأغنية التونسية التي شقّت عباب الذاكرة
في اللحظة التاريخية الفارقة للمجتمع ـ أيّ مجتمع ـ يمكن للإبداع أن يلتقط الأحداث والوقائع والرموز ويحوّلها إلى سرديات خارقة للأزمنة، تحمل في تجاويفها المعاني الخالدة والفكرة الجامحة التي تحلّقت حولها قلوب الناس ودَفعتهم إلى الفعل المُغيِّر، لتضعها في الأعالي اللامتناهية تحت شموس الذاكرة حفاظًا على الحقيقة الكاملة وجوهرها الكامن، همّةً للأجيال المتعاقبة ورصيدًا رمزيًا تتغذّى منه الهوية، وسندًا…

المتاحف في تونس.. في البحث عن فضاءات أفضل لحفظ الذاكرة
يجب مراجعة إدارة المتاحف في تونس كليًا حتى ترتقي إلى مستوى عالمي مرموق، فالقطع الأثرية التونسية ذات قيمة حضارية إنسانية ثابتة لا تزال المخازن تعج بها وفي حاجة إلى أن ترى الصيانة والعرض في أبهى حلة

المهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن".. احتفاء بمخرجات عربيات مبتدئات من 10 دول
زيادة على الإقامة الفنية التي ضمّت 14 مخرجة مشاركة من دول عربية عديدة، نظم المهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن"، الذي تنظمه كل سنة الجامعة التونسية لنوادي السينما بمدينة نابل، مسابقة في الأفلام القصيرة العربية من إنتاج مخرجات نسائيات

طقس تونس.. أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية وتساقط للبَرد
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح عامة بين 12 و18 درجة، وتصل إلى 24 درجة في أقصى الجنوب الشرقي

أنيس بوجلبان يغادر الترجي الجرجيسي وسامي القفصي مدربًا جديدًا
الترجي الجرجيسي: تقرر تعيين المدرب سامي القفصي للإشراف على فريق أكابر كرة القدم خلفًا لأنيس بوجلبان.. ماذا تعرف عن المدرب سامي القفصي؟

الجولة 17 للبطولة.. الفوز لشبيبة العمران واتحاد بن قردان
انتهت الدفعة الأخيرة من مباريات الجولة 17 للبطولة التونسية بفوز كل من شبيبة العمران واتحاد بن قردان، في حين حسم التعادل مباراة نجم المتلوي ومستقبل سليمان

تبرير الفشل بالاستشهاد بالعقود الخوالي لم يعد مجديًا
لأنّ التّغيّرات المناخيّة ليست أمرًا طارئًا ولا حدثًا معزولًا، فإنّه من الضّروريّ التّركيز على رسم أهداف واضحة في قطاعات ذات صلة، أهمّها على الإطلاق كيفيّة تحقيق السّيادة الغذائيّة، وإن بشكل تدريجيّ
