مختصون: تآكل المقدرة الشرائية للتونسيين وتدهور حاد في مستوى العيش
24 فبراير 2026
تفاعل عدد من المختصين في الاقتصاد، مع مخرجات تقرير حديث صدر مؤخرًا عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات (وهو كما يُعرّف نفسه مركز دراسات مستقل، يعمل على حماية المؤسسة، وتحسين مناخ الأعمال والنهوض بالاقتصاد، من خلال دراسات وصياغة ورقات وتوصيات)، وسلط الضوء على المقدرة الشرائية للتونسيين.
رضا الشكندالي: التضخم أصبح العامل الأساسي لتآكل المقدرة الشرائية
بيّن المختص في الاقتصاد رضا الشكندالي أن "الاقتصاد التونسي يعرف تآكلًا للمقدرة الشرائية خاصة في ظل نسب التضخم المسجلة"، ونبّه إلى مخاطر تفكك الطبقة الوسطى وتفاقم اللامساواة، وذلك في قراءته للتقرير الذي يهتم بالقدرة الشرائية للتونسيين، وقال الشكندالي إن "الإحساس العام هو تدهور حاد في مستوى العيش، ما يعني أن مشكلة القدرة الشرائية ليست في إنتاج الثروة فقط، بل في كيفية اقتسامها واستنزافها".
ولفت إلى أن حصة الإدارة من الدخل الوطني ارتفعت من 16.9% سنة 2022 إلى 19.2% سنة 2024، لكن هذه الزيادة لم تُترجم إلى تحسن مكافئ في الخدمات العمومية من تعليم، وصحة، وغيرها، بسبب ضغط نفقات وزارات السيادة وخدمة الدين، ما يدفع الأسر إلى تعويض الخدمات العمومية بخدمات خاصة أكثر كلفة. وهذا يعني أن الضريبة أصبحت صافية من حيث أثرها على رفاه الأسر، أي أنها لا تعود على الأسر بمنفعة مقابلة، فتتحول من أداة إعادة توزيع إلى عامل إفقار نسبي.
المختص في الاقتصاد رضا الشكندالي: الإحساس العام هو تدهور حاد في مستوى العيش، والتضخم أصبح العامل الأساسي لتآكل المقدرة الشرائية في تونس، كما أن المؤشرات تظهر تفكك الطبقة الوسطى في تونس وتفاقم اللامساواة الصامتة
وبين الشكندالي أنه "رغم تحسّن مؤشر جيني شكليًا من 0.40 سنة 2000 إلى 0.36 سنة 2021، (ومؤشر جيني هو مقياس إحصائي يُستخدم عالميًا لقياس مدى عدم المساواة في توزيع الدخل أو الثروة بين أفراد المجتمع)، إلا أن هذا التحسن مضلل ولا يعكس تحسّنًا في توزيع الدخل، فالفجوة الحقيقية بين الدخول تظهر عبر، تراجع نسبة الدخل الوسيط إلى الدخل المتوسط من 0.98 سنة 2000 إلى 0.80 سنة 2021. وانخفاض حصة الأجور في دخل الأسر من 57% سنة 2021 إلى 55% سنة 2024، مقابل ارتفاع مداخيل الملكية والنشاطات الفردية".
اقتصاديًا، قال الشكندالي إن هذه المؤشرات تعني أن "النمو – حين يوجد – يتم التقاطه من الأعلى أي من المستويات العليا للدخول، وهذا يعني تفكك الطبقة الوسطى وتفاقم اللامساواة الصامتة وأن تونس انتقلت تدريجيًا من مجتمع ذي قاعدة وسطى واسعة إلى بنية دخل مجذوبة أكثر إلى الأسفل، وهو ما يعني تفكك الطبقة الوسطى وتفاقم اللامساواة الصامتة".
أما عن التضخم، فقد شدد الشكندالي في قراءته للدراسة إلى أنه "أصبح العامل الأساسي لتآكل القدرة الشرائية، فخلال الفترة 2022 - 2024، بلغ متوسط التضخم بين 7% و9.3%، في حين لم تتجاوز نسبة نمو مداخيل الأسر 6 - 8%، والنتيجة هي انخفاض متراكم في الدخل الحقيقي للفرد بنحو 8% بين 2018 و2024".
ولفت إلى أن "الأجور كانت الأكثر تضررًا، إذ ظلّت الزيادات التعاقدية تدور حول 5% سنويًا مقابل تضخم أعلى بنقطتين مئويتين في المتوسط، أي خسارة تراكمية في القوة الشرائية للأجراء تُقدَّر بـ 14%"، وأضاف أن هذا يعكس من منظور اقتصادي، "فشل آلية تعديل الأجور وغياب آلية ربط تلقائي بين الدخل الإسمي ومستوى الأسعار، ما جعل التضخم أداة إعادة توزيع على حساب أصحاب الدخل الثابت".
وفي سياق متصل أكد الشكندالي "انهيار الادخار وتحول الاستهلاك إلى استدانة، إذ تراجع معدل الادخار الوطني من 9.8% سنة 2021 إلى 5.7% سنة 2024، وانهار ادخار الأسر من 8.6% إلى 2.5% خلال الفترة نفسها".
المختص في الاقتصاد رضا الشكندالي: الدخل الأسري الذي يضمن العيش الكريم يُقدَّر بحوالي 3.500 إلى 4.000 دينار تونسي شهريًا كدخل صافٍ. وما دون هذا المستوى، تُجبر الأسر على الاستدانة والتخلي عن خدمات أساسية (صحة/تعليم) أو السقوط التدريجي من الطبقة الوسطى
وأضاف أنه بالتوازي، مع ذلك "ارتفع دين الأفراد من 26.6 مليار دينار إلى 29.5 مليار دينار، مع قفزة في قروض الاستهلاك بـ25%، وهذا يعني أن الأسر لم تعد تستهلك من الدخل، بل من الدين، وهو نمط غير قابل للاستدامة اقتصاديًا ويؤدي حتمًا إلى هشاشة اجتماعية ومالية"، حسب تقديره.
وبين المختص في الاقتصاد أن "بنية الإنفاق تعكس مسار افتقار لا مسار تنمية، إذ ارتفعت حصة الغذاء في إنفاق الأسر مجددًا إلى 33.4% سنة 2021 بعد أن كانت في مسار تنازلي، وهو مؤشر تقليدي على تراجع مستوى العيش، أما السكن فقد قفز إلى حوالي 29–30% من الإنفاق، ما يعكس أزمة عرض وأسعار لا أزمة طلب، وعادت نفقات الصحة والتعليم للارتفاع بسبب تراجع جودة العرض العمومي، كما ارتفعت نفقات النقل والاتصال نتيجة لضعف النقل العمومي، ما زاد كلفة التنقل الفردي".
وقال الشكندالي أن "هذه البنية تبتعد نوعًا ما عن أنماط الاقتصادات الصاعدة وتتقارب أكثر مع اقتصادات تعويضية، حيث يُعاد توجيه الإنفاق نحو الضروري بدل النوعي".
أما على مستوى الدخل الأسري لأسرة متوسطة (زوجان + طفلان)، فقد بين الشكندالي أن "الدخل الأسري الذي يضمن العيش الكريم يُقدَّر بحوالي 3.500 إلى 4.000 دينار تونسي شهريًا كدخل صافٍ. هذا الدخل يسمح بتغطية سلة استهلاك لائقة دون عجز مع عدم اللجوء إلى الديون للاستهلاك الجاري مع القدرة على مواجهة الصدمات من مرض، ودراسة، ونقل وغيرها".
وشدد على أن "أي مستويات ما دون هذا المستوى، تُجبر الأسر على الاستدانة والتخلي عن خدمات أساسية (صحة/تعليم) أو السقوط التدريجي من الطبقة الوسطى".
وخلص المختص في الاقتصاد رضا الشكندالي إلى القول إن "تدهور القدرة الشرائية في تونس ليس ظرفيًا ولا نقديًا فقط، بل هو نتيجة لمنوال نمو ضعيف الإنتاجية وأسواق ذات بنية شبه احتكارية ودولة تقتطع أكثر مما تعيد توزيعه وتضخم بنيوي غير مصحوب بسياسات دخل فعالة".
المختص في الاقتصاد رضا الشكندالي: تدهور القدرة الشرائية في تونس ليس ظرفيًا ولا نقديًا فقط، بل هو نتيجة لمنوال نمو ضعيف الإنتاجية وأسواق ذات بنية شبه احتكارية ودولة تقتطع أكثر مما تعيد توزيعه وتضخم بنيوي غير مصحوب بسياسات دخل فعالة
وعليه، فقد اعتبر أن "تحسين القدرة الشرائية لا يمكن أن يُختزل في إجراءات ظرفية أو حلول ترقيعية، بل يتطلب إصلاحًا عميقًا للمنوال الاقتصادي، ولسير الأسواق، ولدور الدولة التوزيعي".
وأضاف أن الدراسة تقترح إعادة توجيه السياسة الجبائية من منطق تعبئة الموارد إلى منطق دعم القدرة الشرائية، عبر تخفيف العبء على الأجور والطبقة الوسطى، وتوسيع القاعدة الجبائية بدل الترفيع في الضغط إضافة إلى إرساء سياسة دخل واضحة تضمن مواءمة تطور الأجور مع التضخم، خاصة بالنسبة لأصحاب الدخل الثابت، وتحد من استعمال التضخم كآلية ضمنية لإعادة التوزيع، وإعادة الاعتبار للخدمات العمومية باعتبارها أداة مباشرة لتحسين الدخل الحقيقي غير النقدي للأسر، خصوصًا في الصحة والتعليم والنقل، فضلًا عن تحفيز الادخار والاستثمار المنتج بدل تشجيع الاستهلاك الممول بالدين، بما يعزز الاستقرار الاجتماعي والمالي.
العربي بن بوهالي: القدرة الشرائية للأسر التونسية انخفضت بـ20%
بدوره اعتبر المختص في الاقتصاد العربي بن بوهالي أن التقرير الأخير للمعهد العربي لرؤساء المؤسسات كشف عن "وهم نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي".
كما بين "انخفاض القدرة الشرائية للأسر التونسية بنسبة 20% خلال السنوات الأربع الماضية، إذ تحتاج الأسر التونسية إلى أكثر من 4000 دينار شهريًا لتغطية نفقات معيشتها".
وأضاف أن "سحب الأموال من الناتج المحلي الإجمالي، على شكل أرباح وفوائد على رأس المال الأجنبي المستثمر أو المقترض للبلاد، يؤدي إلى إفقار السكان المحليين، حيث ينخفض دخلهم المحلي رغم زيادة الإنتاج".
وأضاف أنه "في تونس، انخفضت نسبة دخل العمل إلى دخل الأسر من 57% عام 2021 إلى 55% عام 2024، لصالح دخل المؤسسات الفردية وملكية العقارات. وهذا يدل على تفاقم عدم المساواة، حيث يقع أصحاب الدخل الثابت ضمن الشرائح الدنيا".
المختص في الاقتصاد العربي بن بوهالي: انعدام النمو الحقيقي في دخل الأسر وركود الأجور الحقيقية، وانخفاض القدرة الشرائية للأسر التونسية بنسبة 20% خلال السنوات الأربع الماضية
كما أشار إلى "انعدام النمو الحقيقي في دخل الأسر وركود الأجور الحقيقية، فمنذ عام 2022، تجاوز متوسط الزيادة في أسعار المستهلك متوسط الزيادة في دخل الأسر، مما أدى إلى انخفاض متراكم في القدرة الشرائية. إذ يبلغ معدل التضخم 6%، بينما ترتفع الأجور بنسبة 3%"، وفق تقديره.
وكان المعهد الوطني للإحصاء، قد أصدر بتاريخ 5 فيفري/شباط 2026، بلاغًا يتعلق بمؤشر أسعار الاستهلاك العائلي جانفي 2026، فأكد أنّ نسبة التضخم خلال شهر جانفي/يناير 2026، بلغت 4.8%، بعد أن كانت في حدود 4.9% خلال الشهر السابق.
واعتبرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، في بيان لها، يوم الثلاثاء 17 فيفري/شباط 2026 أنّ "غياب سياسة اقتصادية واجتماعية تشاركية يفاقم الأزمة المعيشية للمواطنين”، معبّرة عن “قلق بالغ، ونحن على بعد ساعات من دخول شهر رمضان، إزاء التدهور المتواصل للمقدرة الشرائية للتونسيين، في ظل ارتفاع كلفة المعيشة واتساع الفجوة بين الأجور والأسعار، بما يمسّ جوهر الكرامة الإنسانية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية”.
وأضافت رابطة حقوق الإنسان أنّ “المعطيات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء تؤكد أن معدل التضخم السنوي لسنة 2025 بلغ حوالي 5.3٪، مع تسجيل زيادات لافتة في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية الأساسية”، موضحة أنّ “أسعار الخضر الطازجة شهدت ارتفاعًا فاق 25٪، والفواكه قرابة 20٪، فيما ارتفعت أسعار اللحوم بنسب تراوحت بين 10٪ و18٪ مقارنة بالعام السابق”. واعتبرت أنّه “رغم ما توحي به بعض المؤشرات العامة من استقرار نسبي، فإن الواقع اليومي يكشف تآكلًا فعليًا في القدرة الشرائية، خاصة لدى الفئات محدودة ومتوسطة الدخل التي تخصص نسبة كبيرة من مواردها للإنفاق على الغذاء والخدمات الأساسية”.
الكلمات المفتاحية
اللحوم الحمراء في تونس.. أزمة أسعار أم خلل منظومة؟
لم تعد اللحوم الحمراء في تونس مجرد مكون أساسي على موائد العائلات، في السنوات الأخيرة، بل تحولت تدريجيًا إلى عبء ثقيل يرهق القدرة الشرائية للتونسيين، جراء الارتفاع اللافت والمتواصل في أسعارها
بين السيادة والتبعية.. ملفّ الطاقة المتجددة يشعل الجدل في تونس
تفاعل عديد النشطاء والنواب مع شأن مشاريع القوانين المتعلقة بهذه الاتفاقيات، وتباينت المواقف بين رافض ومرحّب، كما خلّفت الاتفاقيات تفاعل عدد من الأحزاب والمنظمات النقابية.
قيود على توريد السلع.. مؤسسات في مأزق واستياء واسع في تونس
أثار منشور صدر عن البنك المركزي التونسي مؤخرًا وفرض قيودًا صارمة على تمويل الواردات المصنفة كمنتجات "غير ذات أولوية"، انتقادات واسعة في الساحة الاقتصادية، واعتبر فاعلون أن "هذا القرار يضع آلاف المؤسسات في مأزق صعب"
4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54
نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54 ضد الصحفيين وآخرها الأحكام الصادرة بحق الصحفية خولة بوكريم، والنزاعات المتعلقة بالمضامين الإعلامية يجب أن تعالج في إطار المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر
أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل يحتجون للمطالبة بتطبيق قانون انتدابهم الاستثنائي
يواصل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، احتجاجاتهم رفضًا لـ"سياسة المماطلة في تنفيذ القانون 18 وإصدار الأوامر الترتيبة القاضية بانتدابهم".
كم بلغ عدد حالات الغش خلال الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026؟
مدير عام الامتحانات الوطنية بوزارة التربية: الوزارة لا تهدف إلى معاقبة التلاميذ، بل توفير شروط النجاح لهم، مع التصدي لإصرار بعض الأطراف على التشويش على الامتحانات الوطنية
رسميًا.. "الفيفا" يرفع المنع من الانتداب عن الترجي الرياضي التونسي
تم تحيين جدول العقوبات في منصة منع الانتداب للفيفا، حيث أُزيل اسم نادي الترجي الرياضي التونسي رسمياً من قائمة الأندية المحظورة بعد تسوية ملفه