ultracheck
رأي

ماذا تحتاج المعارضة.. نوستالجيا دستورية أم تجسير الثقة مع الشارع الاجتماعي؟

31 يناير 2026
المعارضة التونسية رابطة حقوق الإنسان
"نحن إزاء حالة توازن سلبية. وهذا لا يعني تغييرًا قريبًا.." (صورة أرشيفية/رابطة حقوق الإنسان)
طارق الكحلاوي
طارق الكحلاوي أكاديمي وناشط سياسي من تونس

مقال رأي

 

أكبر الأسئلة التي تحتاج إلى التركيز في سياق تقييم مرحلة الانتقال الديمقراطي وما بعدها يتعلق باستخلاص الدروس من أجل المعارضة. خاصة سؤال: "ما الخطأ الذي حدث؟". طبعًا هناك الجدل حول المراجعات لكل طرف، لكن حتى هذا الجدل يُفترض أن يكون محكومًا بهدف رئيسي وهو استخلاص الدروس وليس جلد الذات.

عندما نلاحظ بعض المبادرات لمجموعات معارضة مختلفة ليس من الواضح أننا إزاء تقييم واستخلاص للدروس، وأحيانًا تبدو الدروس المستخلصة مجانبة في رأيي للصواب. سؤال "ما العمل؟" طبعًا يستوجب مقاربة تقترح تشخيصًا دقيقًا لطبيعة المرحلة ومن ثمة تحديد الأهداف ومنهجية الوصول إليها وفقًا لشروط الواقع الموضوعي القائم، بما في ذلك اللوحة العامة لإحداثيات موازين القوى.

أحد أهم معضلات النقاش الراهنة هو: هل أن هناك هدفًا واضحًا للكتل المختلفة للمعارضة؟ نتحدث طبعًا هنا عن الثلاثة كتل المؤثرة إلى هذا الحد أو ذاك: النهضة وحزامها، الدستوري الحر وحزامه، والكتل اليسارية التقدمية بما في ذلك مكونها الجمعياتي النشيط.

تبدو أطياف المعارضة في حالة حيرة عميقة، أحيانًا تعتبر أن الرئيس حالة شرعية قائمة بما يجعلها تقبل بالمشاركة في مسار تنظيم انتخابات 2024، وأحيانًا أخرى تبدو غير قابلة البتة بذلك وتعتبر أن النظام الحالي برمته حالة غير شرعية

سلوك ومبادرات وهواجس هذه الكتل المختلفة تحيل إلى حالة غموض. أحد آخر الهواجس ونقاط التركيز للكتلة الأخيرة أو بعض من ينشط في إطارها خاصة من الوسط الجمعياتي في سلسلة من الندوات -مثلًا من تنظيم جمعيات مثل "المنتدى الاقتصادي" و"بوصلة" و"نواة"- هو تركيزها على محور أي دستور يجب التمسك به، والاتجاه السائد في هذه النقاشات هو التمسك بدستور 2014.

من المثير للتساؤل لماذا يعتبر من يدافع عن هذا الطرح الذي يمكن أن نصفه بـ"نوستالجيا دستورية" أن "الطريق إلى الأمام" ينطلق من حسم شرط الأساس الدستوري. يبدو ذلك غريبًا من الناحية المنهجية لأكثر من سبب. بدءًا نحن إزاء أمر واقع مؤسساتي يمثل مؤسسات الدولة استقر الآن لأكثر من خمسة سنوات، بما يتجاوز التوقعات المتسرعة المبكرة حول "آيل للسقوط" و"قوس سيُغلق سريعًا"، بما يتجاوز موقف الرئيس سعيّد. وهنا تبدو أطياف المعارضة في حالة حيرة عميقة، أحيانًا تعتبر أن الرئيس حالة شرعية قائمة بما يجعلها تقبل بالمشاركة في مسار تنظيم انتخابات 2024، وأحيانًا أخرى تبدو غير قابلة البتة بذلك وتعتبر أن النظام الحالي برمته حالة غير شرعية.

هذا الاضطراب في حد ذاته، الذي يشق بالمناسبة كل الكتل المعارضة بلا استثناء، يعكس حالة ارتباك في تشخيص طبيعة المرحلة الراهنة وأهداف العمل السياسي للمعارضة.

لكن أكثر ما يبدو غريبًا منهجيًا في هذه المقاربة ويبدو غير واقعي هو: إلى أي حد يمكن لكتل المعارضة تعبئة الشارع وتحفيزه في سياق تغيير جدي لموازين القوى بالاستغراق في خطاب سياسي يعتبر أن المهمة الملحة والرئيسية هي تأسيس عمل معارض يستند إلى مرجعية دستور 2024؟

منذ 2011 استغرقت النخب السياسية سلطة ومعارضة في أولوية "التأسيس" و"إعادة التأسيس الدستوري".. هذا الهاجس أظهر ولا يزال، اتجاهًا سائدًا في النخبة منعزلًا في برج عاجي، يبدو منشغلًا أساسًا بكيفية تقاسم السلطة وتنظيمها عوض البحث عن وسائل إصلاح المعضلات الهيكلية العميقة المعطلة للتنمية 

حقيقة يبدو لي أحيانًا أن "متلازمة القانونيين الدستوريين" (constitutionalist syndrome) لا تزال تهيمن على عصب أساسي في النخبة السياسية، سلطة ومعارضة. فمنذ 2011 استغرقت النخبة في أولوية "التأسيس" و"إعادة التأسيس الدستوري". سواءً في مرحلة ما بعد الثورة مباشرة، أو في مرحلة الترويكا، أو التوافق، أو ما بعد 2019، وأيضًا ما بعد 25 جويلية/يوليو 2021، كان هناك محرك عميق وهو الهاجس الدستوري. في وقت يبدو لي أن أحد أهم استخلاصات مسار النخبة السياسية في مرحلة ما بعد الثورة هو أن اهتراءها التدريجي، وتوسع الهوة بينها وبين حزام اجتماعي واسع ومؤثر، كان مرتبطًا، إضافة إلى عوامل أخرى، بالاستغراق في "التهويم الدستوري" و"البناء" و"التأسيس". بما خلق حالة استعداء للنخبة، أسست وستواصل التأسيس لموجات شعبوية عميقة في الألواح التكتونية للعمق الاجتماعي.

طبعًا هذا الهاجس أي الاستغراق في "العمارة الدستورية" لنظام الدولة، أظهر ولا يزال، اتجاهًا سائدًا في النخبة السياسية، منعزلًا في برج عاجي، يبدو منشغلًا أساسًا بكيفية تقاسم السلطة وتنظيمها عوض الاقتراح والبحث عن وسائل إصلاح المعضلات الهيكلية العميقة المعطلة لتنمية البلاد، خاصة منها الاقتصادية والاجتماعية.

بعد كل هذا المسار المكثف الذي لا يمكن مقارنته ربما بأي مرحلة سابقة من التاريخ السياسي الحديث، والذي توسعت فيه بسرعة الهوة بين طيف واسع من النخبة السياسية بسبب تهويمها في التأسيس الدستوري، هل سيكون تجسير الهوة مع عمق الشارع الاجتماعي، عبر مزيد الإصرار على ذات عوامل الاهتراء وعزلتها عنه؟

يبدو لي ذلك تشبثًا بحالة إنكار وإصرار على الانعزال والتقوقع في نقاشات نخبوية (elitist) تمثل الوجه الآخر للتهويم الشعبوي.

تشخيص المرحلة الراهنة يبدو لي واضحًا بعد مرور خمس سنوات من هيمنة الرئيس قيس سعيّد على السلطة. نحن إزاء قدرة على السيطرة تنبع من عاملين رئيسيين يغذيان بعضهما البعض: الأول حالة الإحباط العميق المستديمة لطيف واسع من الشارع إزاء أي عمل سياسي واسع ومؤثر، وتقوقع أجهزة الدولة المسلحة والمدنية رفضًا لحالة الفوضى والتخبط في التراتبية والضغط، ولكن أيضًا حالة الرقابة وعدم استقرار وعدم وضوح الراعي السياسي التي سادت مرحلة ما قبل 25 جويلية/يوليو 2021. ما عمق هذه الدينامية السلبية هو السياق الجيوسياسي الذي تضاعف تركيزه على الحاجات الأمنية والتركيز على أولوية "مبدأ الاستقرار" (status quo) والتعويل على وجود أنظمة قادرة على التنفيذ والالتزام بعيدًا عن الضوضاء.

تشخيص المرحلة الراهنة يبدو لي واضحًا بعد مرور خمس سنوات من هيمنة الرئيس قيس سعيّد على السلطة.. نحن إزاء حالة جذب سياسي تلفظ مسارات التغيير وتفضل مسارات التثبيت. بمعنى آخر نحن لسنا إزاء حالة استقرار مستديمة.. بل نحن إزاء حالة توازن سلبية. وهذا لا يعني تغييرًا قريبًا

نحن إزاء حالة جذب سياسي تلفظ مسارات التغيير وتفضل مسارات التثبيت. بمعنى آخر نحن لسنا إزاء حالة استقرار مستديمة وطويلة الأمد تغذي نفسها بحالة تنمية تؤمّن الديمومة والمشروعية الاقتصادية والاجتماعية الواسعة للنظام، بل نحن إزاء حالة توازن سلبية. هذا لا يعني تغييرًا قريبًا ولا أيضًا تغييرًا سهلًا. نحن إزاء واقع يستوجب طول نفس وصبر كبير للمراكمة، خاصة في اتجاه إقناع تدريجي ودؤوب ومثابر للعمق الاجتماعي القادر على تغيير موازين القوى بما يسمح إما بفرض انتقال سياسي مؤسسي سلس عبر تنظيم انتخابات تنافسية أو عبر خلق حالة مشابهة لسنة 2011 حيث يفرض الشارع تغييرًا وانتقالًا جذريًا. الحالة الثالثة لسيناريو "التغيير المفاجئ" لا تملك فيها المعارضة أو الشارع أي دور.

الإصرار على المقاربة المدرسية (scholastic) للعمل السياسي من خلال التركيز على الأسس "المنطقية" والأطر النظرية والوسائل ذات الطبيعة التجريدية بما يتجاهل الواقع العملي والموضوعي، من خلال اعتبار الطريق في استنهاض المعارضة هو "الرجوع إلى دستور 2014"، إنما يعمق أزمة المعارضة ولا يحلها.

هذه بالضرورة المحصلة الموضوعية والحتمية خاصة إن كان الهدف العملي الفعلي من ذلك هو مقاربة مخاتلة من أجل إيجاد شروط تجريدية نظرية لأرضية "توحيد المعارضة"، من أجل توحيدها. إذ أن التوحيد للتوحيد، وهو ما فصلنا فيه سابقًا، ليس فقط غير عملي وغير ممكن، بل هو أيضًا غير مفيد وغير ناجع حتى إن بدا متحققًا. والتطورات الأخيرة بما في ذلك أجواء واستتباعات مسيرة 10 جانفي/يناير 2026 آخر الأمثلة الواضحة على ذلك.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

 

الكلمات المفتاحية

صورة من لقاء قيس سعيّد، يوم 22 ماي 2024 بطهران،  المرشد الأعلى الإيراني علي الخامنئي

"أعتقد أنّه كان يُخاطب الرّأي العامّ التّونسيّ"

لم يُحدّد بيان وزارة الخارجيّة التّونسيّة، المسؤوليّات ولا الأطراف الفاعلة في الأزمة، بل إنّه لم يأت على ذكر إيران، مُكتفيًا بالتّعبير عن "التّضامن الكامل" مع الدّول العربيّة المُستهدفَة والدّعوة الرّتيبة إلى "تغليب الحكمة والعودة إلى طاولة المفاوضات".


الطاقات المتجددة في تونس.. سراب السيادة

الطاقات المتجددة في تونس.. سراب السيادة

إذا كان هناك ملف يستوجب النظر إليه تحديدًا من زاوية السيادة فهو بلا شك ملف الطاقات المتجددة. فهل يشير خطاب السيادة إلى سياسات فعلية في ملف الطاقات المتجددة، أم أنه يعكس سرابًا؟


العاصمة طهران.jpg

خارجية تونس والعدوان على إيران.. الحساب المُفرط يغلب الحناجر

بيان حذر جدًا صدر الخارجية التونسية اعتبره البعض يعكس موقفًا مسؤولًا ورصينًا.. وفي المقابل، اعتبره البعض الآخر بيانًا لا يعكس نأيًا بالنفس بقدر ما يعكس تخاذلًا بالمساواة بين المعتدي والمعتدى عليه


إيران Getty

العدوان على إيران.. كيف يمكن أن يهمنا في تونس؟

"لن نغوص هنا في التحليل العام، بل أساسًا في مسألة كيف يمكن أن تهمنا الحرب في بلدنا. يتعلق الأمر طبعًا بسيناريوهات لا نتحكم فيها، ومن بينها طول أمد الحرب وأهدافها وتطورها"

أسطول الصمود العالمي في تونس
سیاسة

رابطة حقوق الإنسان: ندين إيقاف نشطاء أسطول الصمود وتشويه العمل التضامني السلمي

الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان: "ما جرى يندرج ضمن مناخ خطير يسعى إلى تشويه العمل التضامني السلمي مع القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية والتشكيك في نواياه، تمهيدًا لتجريمه وإسكات كل الأصوات الحرة"

الخطوط التونسية تُطلق طلب عروض دولي لكراء طائرتين على مدى 6 سنوات
اقتصاد

الخطوط التونسية تُطلق طلب عروض دولي لكراء طائرتين على مدى 6 سنوات

وزارة النقل: يأتي طلب العروض الدولي لاستئجار طويل المدى لطائرتين في إطار خطّة إعادة الهيكلة للفترة 2026-2030


فلاحة تونس بلعيد.jpg
اقتصاد

مقترح قانون يتعلق بتسوية الديون الفلاحية المتعثرة في تونس

للبنوك العمومية التخلي الجزئي في حدود أقصاها 5 بالمائة وبصفة استثنائية عن دينها الأصلي المتعلّق بالقروض الفلاحية المصنفة في الدرجة 4 وما فوق في 30 جوان/يونيو 2025 والمسندة قبل 31 ديسمبر/كانون الأول 2022، وفق شروط يضبطها مقترح القانون

كفاءات تونسية هجرة الأدمغة وكالة التعاون الفني.jpg
سیاسة

الخارجية التونسية: تأمين عودة 158 معتمرًا ووصول 13 مواطنًا من طهران عبر تركيا

المدير العام للهجرة والتونسيين بالخارج: تأمين خروج 13 تونسيًا من طهران برًّا عبر تركيا، ونقلهم إلى الحدود التركية ثم إلى إسطنبول، قبل أن يصلوا إلى تونس يوم الأحد قادمين من تركيا

الأكثر قراءة

1
سیاسة

منظمة: إيقاف نشطاء أسطول الصمود يضع الخطاب الرسمي أمام الاختبار والمُساءلة


2
مجتمع

اعتداء يطال ممرضة في المستشفى الجامعي بنابل.. النقابة تندّد وتطالب بتدخل عاجل


3
سیاسة

فتح أبحاث ضدّ 3 محامين.. الهيئة تندّد بتحويل ملفات جبائية إلى جزائية


4
اقتصاد

مختص: تونس تقترب من سيناريو مخيف وسط ارتفاع سريع جدًا لأسعار النفط


5
مجتمع

إضراب وتحركات احتجاجية للأساتذة في تونس يوم 7 أفريل 2026