مؤتمر اتحاد الشغل.. إنقاذ المنظمة أم مزيد تفاقم أزمتها؟
25 يناير 2026
مقال رأي
انعقدت يومي 21-22 جانفي/يناير 2026، الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل، والتي كان في أجندتها موضوع أساسي، تثبيت إقرار موعد المؤتمر السابق لأوانه في آخر شهر مارس/آذار القادم. الهيئة أتت بعد تطورات دراماتيكية غير مسبوقة في تاريخ المنظمة أهمها استقالة الأمين العام في سياق انقسام عميق في المكتب التنفيذي واستحالة التوافق، وأيضًا في سياق إقرار إضراب عام ثم تأجيله/إلغائه بعد استقالة نور الدين الطبوبي وعدم إمضاء برقية الاضراب في الآجال.
مثلما فصّلنا في مقال سابق، من الصعب ألا يمكن أن نرى تدهور وضع المنظمة المدنية الأقوى في البلاد من وضع كانت تشارك فيه في تحديد المسارات العامة للبلاد (الحوار الوطني، التأثير على اختيار الحكومات والوزراء ومديري الوزارات والمؤسسات الأهم) إلى وضع أزمة ليس من المبالغة وصفها بأنها "وجودية". الهيئة الإدارية تجنبت موضوع الإضراب العام لتحسم في التثبيت النهائي لقرار إنجاز المؤتمر. ما هي أفق الوضع الداخلي للمنظمة في سياق أيضًا علاقتها المأزومة مع السلطة؟
الهيئة الإدارية الوطنية الأخيرة لاتحاد الشغل لم تكن كسابقاتها، بل هي تعبير واضح على أن الصراع في المكتب التنفيذي وما يتجاوزه أصبح حادًا بما يجعل أي توافق مستحيلًا
كان الصراع منذ ماي/أيار 2025، على الأقل، بين توجه يعتبر الأولوية خوض معركة مع السلطة في سياق رفض السلطة التفاوض وتعطيل تنفيذ الاتفاقات مقابل توجه آخر يعتبر الأولوية ترتيب البيت الداخلي وإنجاز مؤتمر قبل أوانه (تاريخ المؤتمر مفترض يكون بداية سنة 2027) وتجديد القيادة. ورغم الاتفاق في ماي/أيار 2025 على خوض المعركتين معًا، فإن ذلك التوافق الشكلي كان هدنة مؤقتة حيث لم يكن يرى كل طرف مصلحة في إنجاز معركتين في ذات الوقت.
أدت المناورات في بداية شهر ديسمبر/كانون الأول خلال الهيئة الإدارية الوطنية إلى تفوق تكتيكي للشق الذي لا يرى أولوية في تسبيق المؤتمر، على أساس "الحاجة للتحصين القانوني"، بما أنه مؤتمر سابق لأوانه ومن الممكن الطعن في شرعيته لأن أجل المؤتمر العادي لم تنقض بشكل كامل. حيث تم تمرير نقطة إقرار وتثبيت تاريخ للإضراب العام، وتجاهل نقطة المؤتمر. كان ذلك نقطة البدء لانهيار القيادة المركزية باستقالة أولى لأنور بن قدور عضو التنفيذي الذي نادى بتسبيق المؤتمر، وأعلن عدم رغبته في التجديد، ونادى بقية زملائه للاستقالة. ثم أتت الخطوة المدوية لاستقالة الأمين العام، الذي رأى فيما حصل "غدرًا" من البقية، بتمريرهم فقط نقطة الإضراب في حين تم التوافق في المكتب التنفيذي على تمرير النقطتين.
اقرأ/ي أيضًا: اتحاد الشغل يتمسك بالإضراب العام ويلتزم بعقد مؤتمره في مارس 2026
اتجه الوضع منذ تلك اللحظة إلى حالة شبيهة بسقوط قطع الدومينو، إلى حد أصبح فيه من الصعب أن يقوم أي هيكل بالحسم، ووصلت الأزمة إلى مداها عندما فاتت آجال البرقية للإعلام رسميًا بالإضراب في 21 جانفي/يناير، بامتناع من تبقى في المكتب عن إمضائها نيابة عن الأمين العام المستقيل، وخاصة إعلان التنفيذي تأجيل الإضراب دون انتظار عقد هيئة إدارية، وأيضًا المضيّ في مسار تسديد الشغورات بما يعني أننا إزاء مرحلة انتقالية وليس مرحلة إعداد للمؤتمر. أدى ذلك إلى ردة فعل من قبل أغلبية في الهيئة الإدارية موجودة خارج التنفيذي في اتحادات جهوية ونقابات قطاعية، واتجهت لإقناع الطبوبي بالعودة، والدفع نحو هيئة إدارية وطنية والمضي في اتجاه تثبيت تسبيق المؤتمر في التاريخ المعلن سابقًا أي نهاية مارس/آذار القادم.
لم تكن هذه الهيئة الإدارية الوطنية الأخيرة كسابقاتها بل هي تعبير واضح على أن الصراع في المكتب التنفيذي وما يتجاوزه أصبح حادًا بما يجعل أي توافق مستحيلًا. المفارقة التي لدينا هي انقسام بين أغلبية في التنفيذي الذي يضم رسميًا 15 عضوًا قبل استقالة عضو ووفاة آخر (أغلبية بين ثمانية وتسعة أعضاء) مقابل أغلبية في الهيئة الإدارية (تصل على الأقل إلى 50 صوتًا من 75 عضوًا). طبعًا التنفيذي الذي يملك صلاحية التسيير اليومي للمنظمة، لديه سلطة قرار أقل من سلطة الهيئة الإدارية، حيث تضعف أغلبية التنفيذي. في الهيئة الأخيرة صوت رسميًا 48 عضوًا على تثبيت إقرار تاريخ نهاية مارس للمؤتمر (يبدو أنّ عضوين آخرين أمضيا قد انسحبا بسبب المرض بما يعني أن الأغلبية وصلت على الأرجح إلى 50 صوتًا)، مقابل انسحاب 16 عضوًا من بينهم أعضاء من أغلبية التنفيذي الرافضين لتسبيق المؤتمر دون "تحصين قانوني"، مع قيادات من اتحادات جهوية تمثل الشمال الغربي والقيروان والمهدية وتطاوين. في حين تحفّظ خمسة آخرين من بينهم بعض أعضاء المكتب التنفيذي الذين كانوا رافضين لتسبيق المؤتمر.
اقرأ/ي أيضًا: اتحاد الشغل: تونس تشهد تعطّلًا للمسار الديمقراطي وتمر حاليًا بأصعب الظروف
من الواضح أنّ طبيعة وعوامل الخلافات المعقدة تتراوح بين السياسي والجهوي والشخصي. تعود طبعًا بعض أصولها إلى المعركة حول إلغاء الفصل 20 من النظام الداخلي الذي كان يحدّ من عدد الدورات التي يمكن فيها الترشح لعضوية المكتب التنفيذي. لكن الانقسامات الحالية لا يمكن تفسيرها بهذه النقطة أساسًا لأن أهم وأكبر الكتل ساهمت في تمرير هذه النقطة، مقابل مجموعة صغيرة من "المعارضة النقابية" ذات التوجهات الأقلية والمهمشة الآن في الهياكل. في المقابل فإن من بين أهم النقاط التي أدت إلى تفاقم الخلاف خاصة في مستوى المكتب التنفيذي هو طريقة أداء المعركة مع السلطة، بعد قرار السلطة تهميش الاتحاد، عندما تجنب الاتحاد دعم مسار الرئيس في إقرار دستور جديد ونظام سياسي جديد.
من بين أهم النقاط التي أدت إلى تفاقم الخلاف خاصة في مستوى المكتب التنفيذي هو طريقة أداء المعركة مع السلطة، بعد قرار السلطة تهميش اتحاد الشغل، عندما تجنبت المنظمة دعم مسار الرئيس في إقرار دستور جديد ونظام سياسي جديد
وإذ لم يفلح الاتحاد في عقد حوار وطني يعيد فيه تجميع "الرباعي" فإنه بدا مرتبكًا في خطابه ومساره العملي بين تصعيد متواتر في الخطاب وتوجه يبحث عن التفاوض الاجتماعي من جهة أخرى. تعطل قدرة الاتحاد على التأثير في الملفات الاجتماعية أدى إلى انتقادات داخلية حول الأولويات وطريقة تسيير المعركة مع السلطة. هذا الخلاف السياسي يمكن العثور على بعض آثاره في تموقع عدد من أعضاء المكتب التنفيذي المحسوبين على أطراف سياسية مثل الوطد (الشق المعارض للسلطة) وحزب العمال وشق من القوميين (حركة الشعب). وعمومًا يمكن اعتبار تراجع الشق الذي يعتبر أنّ الأولوية للإضراب وليس للمؤتمر، تراجعًا لشق يغلب عليه التوجه المعارض للسلطة. لكن لا يمكن المبالغة في قراءة ما يحصل حصرًا من هذه الزاوية، حيث أن الكتل السياسية الإيديولوجية، خاصة على مستوى مفترق معارضة السلطة وموالاتها، هي نفسها منقسمة حول ترتيب الأولويات في خصوص الإضراب أم المؤتمر.
في هكذا سياقات أيضًا، لا يمكن تجاهل دور العامل الجهوي الذي كان دائمًا حاضرًا بقوة في تاريخ المنظمة منذ تأسيسها. لدينا الآن الكتل والتحالفات الجهوية التالية وهي الأقوى والتي دفعت في الأشهر الاخيرة نحو تسبيق المؤتمر وحسمت المعركة بالتصويت في الهيئة الإدارية الأخيرة، وهي التي تمثل غالبية في الهيئة الإدارية والمجلس الوطني، ومن ثمة سيكون لها التأثير الأكبر في نيابات المؤتمر القادم. أولًا أقوى جهة من حيث الوزن بلا نزاع هي جهة تونس وعادة تلقى دعمًا من جهات مثل زغوان وبنزرت وهو ما يمكن أن نسميه بتكتل "الشمال"، ودعمت بقوة تنظيم مؤتمر سابق لأوانه. ثانيًا، تاريخيًا أقوى جهة وهي "جهة التأسيس" صفاقس، وتلقى في المعركة الحالية دعمًا من جهات قوية تاريخيًا خاصة قفصة وأيضًا قابس ومدنين وقبلي، وهو التكتل الذي يمكن أن نسمّيه "الجنوب".
عمليًا وموضوعيًا، مسار المؤتمر القادم سيتحدد من قبل هذه الجهات والأطراف السياسية وأعضاء المكتب التنفيذي الذين دفعوا في اتجاه تسبيق المؤتمر. وقد بدأ بشكل مبكر التلويح بأسماء المرشحين المحتملين للأمانة العامة ومن ثمة القائمات التي ستتصارع في المؤتمر على أغلبية مقاعد المكتب التنفيذي الوطني. مع تخلي الطبوبي على الترشح، باستثناء عضوية التنفيذي ربما، فإنّ أكثر الأسماء ترددًا هو فاروق العياري الأمين العام المساعد المكلف بالنظام الداخلي، وهو الموقع الذي أصبح منذ عقود، مقدمة للارتقاء إلى موقع الأمانة العامة. نقطة قوة العياري هو قدرته على جمع نيابات موالية خاصة بسبب قيادته سابقًا للاتحاد الجهوي للشغل لجهة تونس. لكن يبدو أنه خسر نقاطًا مؤخرًا بتموقعه ضد تسبيق المؤتمر في حين كان موقف جهة تونس معاكس وهذا عمليًا أضعفه، في حين قوّى الكاتب العام الجهوي الحالي لتونس جبران بوراوي، الذي يمكن أن يصبح أيضًا مرشحًا لهذا الموقع. هناك أعضاء آخرون في التنفيذي تمسكوا باستمرار بعقد المؤتمر ويحظون بثقة غالبية الهيئة الإدارية ومنهم عثمان الجلولي وصلاح الدين السالمي.
من الواضح أنّ طبيعة وعوامل الخلافات المعقدة داخل اتحاد الشغل، تتراوح بين السياسي والجهوي والشخصي.. وعمومًا يمكن اعتبار تراجع الشق الذي يعتبر أنّ الأولوية للإضراب وليس للمؤتمر، تراجعًا لشق يغلب عليه التوجه المعارض للسلطة
يبقى من الأسئلة المطروحة في هذا المستوى هو كيف سيتصرف الشق الذي خسر المعركة؟ هل سيشارك في المؤتمر؟ وحينها من الممكن أن يرشح امرأة لقيادة قائمة معارضة للأغلبية الحالية؟ من المرجح أن تكون عضوة التنفيذي الحالية سهام بوستة. أم هل سيقاطع خاصة إذا فهم أنه لن يتحصل على أي مقاعد في التنفيذي القادم، وهل سيلجأ حينها إلى الطعن في المؤتمر؟
لا يزال يوجد زمن محدود لإنجاز المؤتمر. بالاضافة إلى هوية القيادة المركزية الجديدة، أهم الأسئلة الأخرى ستتعلق بمحتوى ومضامين اللوائح خاصة فيما يتعلق بتحديد مسافة ودرجة المواجهة مع السلطة. وسيتم عرض قرار تثبيت الإضراب العام في المؤتمر القادم، وهذا أحد مؤشرات مقاربة المنظمة بعد تجديد القيادة لطبيعة علاقتها. لكن هامش المناورة ضعيف هنا، حيث تصر السلطة بشكل واضح على تهميش الاتحاد في الملفات الاجتماعية، دع عنك السياسية. ولا تعتبره شريكًا حتى في الملفات التقنية (مشاريع قوانين مثلًا تتعلق بمهامه، أيضًا وخاصة الزيادات في الأجور)، وهذا تقهقر حتى مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الثورة.
توصيف وضعية المنظمة الشغيلة شديد التعقيد. نحن إزاء ضغوط كبيرة داخليًا وخارجيًا، والأهم أنه يأتي في سياق عام اهترأت فيه المنظمة حيث إنّ أهم ما ميّزها منذ تأسيسها أنها تصبح قوية عندما يكون حزامها الاجتماعي الواسع من طبقات شغيلة وطبقة وسطى ملتفًا حولها. وكلما ضعف هذا الحزام، سهل تدهورها نحو الصراع الداخلي. هذه أهم نقطة يجب أن تكون في ذهن النقابيين، تجسير الثقة مع غالبية التونسيين، والخروج من اعتبار العمل النقابي وظيفة، وتنقيته في تصور التونسيين الذي أصبح سلبيًا، وإعادة الاعتبار إلى القيمة النضالية للعمل النقابي. وهنا لا يختلف التحدي المطروح على النقابيين عن التحدي المطروح على النخبة السياسية الحزبية. بدون ذلك ستتوسع هيمنة السلطة، وتتضرر التوازنات الاجتماعية.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
"أعتقد أنّه كان يُخاطب الرّأي العامّ التّونسيّ"
لم يُحدّد بيان وزارة الخارجيّة التّونسيّة، المسؤوليّات ولا الأطراف الفاعلة في الأزمة، بل إنّه لم يأت على ذكر إيران، مُكتفيًا بالتّعبير عن "التّضامن الكامل" مع الدّول العربيّة المُستهدفَة والدّعوة الرّتيبة إلى "تغليب الحكمة والعودة إلى طاولة المفاوضات".
الطاقات المتجددة في تونس.. سراب السيادة
إذا كان هناك ملف يستوجب النظر إليه تحديدًا من زاوية السيادة فهو بلا شك ملف الطاقات المتجددة. فهل يشير خطاب السيادة إلى سياسات فعلية في ملف الطاقات المتجددة، أم أنه يعكس سرابًا؟
خارجية تونس والعدوان على إيران.. الحساب المُفرط يغلب الحناجر
بيان حذر جدًا صدر الخارجية التونسية اعتبره البعض يعكس موقفًا مسؤولًا ورصينًا.. وفي المقابل، اعتبره البعض الآخر بيانًا لا يعكس نأيًا بالنفس بقدر ما يعكس تخاذلًا بالمساواة بين المعتدي والمعتدى عليه
رابطة حقوق الإنسان: ندين إيقاف نشطاء أسطول الصمود وتشويه العمل التضامني السلمي
الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان: "ما جرى يندرج ضمن مناخ خطير يسعى إلى تشويه العمل التضامني السلمي مع القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية والتشكيك في نواياه، تمهيدًا لتجريمه وإسكات كل الأصوات الحرة"
الخطوط التونسية تُطلق طلب عروض دولي لكراء طائرتين على مدى 6 سنوات
وزارة النقل: يأتي طلب العروض الدولي لاستئجار طويل المدى لطائرتين في إطار خطّة إعادة الهيكلة للفترة 2026-2030
مقترح قانون يتعلق بتسوية الديون الفلاحية المتعثرة في تونس
للبنوك العمومية التخلي الجزئي في حدود أقصاها 5 بالمائة وبصفة استثنائية عن دينها الأصلي المتعلّق بالقروض الفلاحية المصنفة في الدرجة 4 وما فوق في 30 جوان/يونيو 2025 والمسندة قبل 31 ديسمبر/كانون الأول 2022، وفق شروط يضبطها مقترح القانون
الخارجية التونسية: تأمين عودة 158 معتمرًا ووصول 13 مواطنًا من طهران عبر تركيا
المدير العام للهجرة والتونسيين بالخارج: تأمين خروج 13 تونسيًا من طهران برًّا عبر تركيا، ونقلهم إلى الحدود التركية ثم إلى إسطنبول، قبل أن يصلوا إلى تونس يوم الأحد قادمين من تركيا