لمَ التحامل على إضراب موظفي البنوك؟
25 يونيو 2026
مقال رأي
يخوض موظفو البنوك إضرابًا لمدّة ثلاثة أيام احتجاجًا على رفض الإدارة الاستجابة لمطالبهم وفي مقدّمتها رفضها التفاوض على زيادة اتفاقية في الأجور تشمل السنة المنقضية، وأيضًا تطبيق النص القانوني المتعلق بتحديد نسبة الفائدة على القروض طويلة المدى، في ظل تعمّد البنوك استثناء موظفيها من تطبيق هذا النص النافذ.
اللافت للانتباه هو معاينة تجيير أصوات معروفة بدعمها للسلطة السياسية للتهجّم على الإضراب بشكل متحامل عبر مبرّر أساسي هو أن الوضع المادي لموظفي البنوك أفضل من بقية الموظفين والعاطلين عن العمل. وهو قول يؤكد الطابع الشعبوي بما يستهدف في العمق سحب حق الإضراب على فئة من الموظفين لمجرّد أنهم يرتدون ربطة عنق. أحد أبواق دعاية السلطة قال، في سياق تهجّمه على المضربين، أنه لأول مرّة يعاين تجمعًا نقابيًا أمام مقر اتحاد الشغل تفوح منه رائحة العطور بشكل غير طبيعي حسب قوله.
لا خلاف أن التساؤل حول مشروعية أي إضراب هو حق مشروع دائمًا لمراقبة عدم التعسف في استعماله، ولكن سحب حق الإضراب تجاه فئة مهنية معيّنة لأن وضعها المادي أفضل من موظفين في قطاعات أخرى، هو عين العطب
الصورة تمتد حتى داخل البرلمان. إذ لم يفوّت النائب حسن الجربوعي الفرصة للتهجّم على المضربين إذ ذكر، في تدوينة له، أن موظفي البنوك يتحصلون على أجور 18 شهرًا ووصولات أكل وبنزين وتأمين صحي متوجهًا إليهم "تضربون رغم ذلك؟ اخجلوا من أنفسكم". نحن أمام خطاب من "نائب شعب" يعتبر الحقوق المالية للأجير كالأجور والتأمين هي بمثابة مانع من ممارسة حق الإضراب، وذلك بغض النظر عن مغالطته بشأن عدد الأجور ووصولات البنزين بحكم أنها ليست مُشاعة لكافة الموظفين.
البيّن أن هذا التحامل على الإضراب من وجوه السلطة يتقاطع مع خطاب المجلس البنكي والمالي، وهو الإطار الجامع لإدارات المؤسسات البنكية في تونس، الذي اعتبر أن الإضراب غير مبرّر. ويهمّ هنا التذكير بأن التحرك النقابي يتوجّه بصفة أساسية تجاه القطاع البنكي الخاص فالدولة لا تستحوذ إلا على رأسمال في ثلاث بنوك فقط، وعليه فإن المطالبة تتوجّه نحو الريع البنكي الذي يتصدّر نسبة الأرباح من بين كل القطاعات الخاصة، بل حقّق أرباحًا غير مسبوقة طيلة السنوات الأخيرة، ولا يتوجه نحو المالية العمومية كما قد يتبادر للذهن وذلك من شدّة التحامل على هذا الإضراب.
اقرأ/ي أيضًا: ما تداعيات إضراب البنوك في تونس؟ مختصّ في الاقتصاد يوضّح
لا خلاف أن التساؤل حول مشروعية أي إضراب هو حق مشروع دائمًا لمراقبة عدم التعسف في استعماله، ولكن سحب حق الإضراب تجاه فئة مهنية معيّنة لأن وضعها المادي أفضل من موظفين في قطاعات أخرى، هو عين العطب. خاصة وأن الاطلاع على لائحة الإضراب يتبيّن أنها تتأسس على مطالب مشروعة بما جعلها تتحوّز على مقبولية واسعة بين الموظفين وعلى نحو ما عكسته تباعًا المشاركة الواسعة في الإضراب، وإن كان المجلس البنكي أكد اقتطاع أيام الإضراب من الأجر وهذا الطبيعي بالمناسبة. فممارسة حق الإضراب هو تضحية من الأجير بأجر إضرابه من أجل الاستجابة لمطالبه.
يتصدّر الحق في فتح التفاوض من أجل زيادة اتفاقية على الأجور مطالب الجامعة العامة للبنوك، وذلك في تمسّك الإدارة بالزيادة المحددة بـ5 في المائة للقطاع العام والخاص التي أقرتها الحكومة هذا العام، وهي زيادة قانونية لا تمنع من فتح التفاوض بشأن زيادة اتفاقية خاصة لاعتبار أساسي أن البنوك تنتمي أساسًا للقطاع الخاص، وأيضًا لاعتبار اختلاف وضعية المؤسسة بين قطاع وآخر.
فوفق أرقام عام 2024، حققت البنوك أرباحًا صافية بقيمة 1.6 مليار دينار، وهي أرباح متصاعدة سنويًا، على نحو يؤسس لحق الأجراء في المطالبة بتطوير أجورهم استتباعًا لتطوّر أرباح المؤسسة بشكل قياسي. وهو اعتبار معلوم دائمًا في تقدير المطالبة بالزيادة في الأجور في القطاع الخاص. كما تتمسك الجامعة بالزيادة لعام 2025 التي لم تتولى صرفها للموظفين.
أبواق السلطة باتوا يعاينون أي تحرّك نقابي، مهما كانت طبيعته ومأتاه ومشروعية مطالبه، بمثابة عنصر احتقان يزيد تبيان تدهور الوضع الاجتماعي والمعيشي في البلاد، على نحو أن أي إضراب ولو كان داخل القطاع الخاص يُفهم بأنه عبء على السلطة السياسية
ولكن أحد المطالب المشروعية المرفوعة لا يتعلق بامتياز، بل بمجرد تطبيق نص قانوني، وهو النص المنقح للفصل 412 من المجلة التجارية الذي يحدد نسبة الفائدة على القروض طويلة المدى، ذلك أن إدارة البنوك ترفض تطبيق هذا النص النافذ على موظفيها في خرق لمبدأ المساواة بين المواطنين، وفي استثناء غير شرعي لا يُفهم إلا بأنه استفراد بالموظفين لإجبارهم على المساهمة في دفع كلفة ماكينة الريع البنكي من التعديلات التي تفرض عليهم تطبيق قروض دون فوائض ولا ضمانات في إطار فرض دورها في التمويل الاستثماري للمؤسسات. وإن السؤال المطروح هنا، أين الأجهزة الرقابية للحكومة في رفض تطبيق نص قانوني نافذ على فئة من التونسيين وذلك لمجرّد أنهم موظفين في البنوك؟ فهل تمتعهم بامتيازات مهنية من طبيعة عملهم تمنعهم من التمتع بامتياز قانوني؟
اقرأ/ي أيضًا: إضراب البنوك في تونس.. مطالب عالقة وتلويح بخصم الأجور وسط تعطّل الحوار
إن السؤال حول دور الأجهزة الرقابية سواء البنك المركزي أو الهياكل الحكومية المعنية يدفعنا للتذكير أن ما يسمى تنقيح قانون الشيكات في أوت/أغسطس 2024، وهو تنقيح لفصول من المجلة التجارية، تضمّن تعديلات جوهرية يتم تعمد عدم تناولها ومن ثم إغفال عدم تطبيقها. أين الأمر المتعلق بإسناد 8 في المائة من أرباح البنوك لفائدة خطوط تمويل صغرى؟ وأين الأمر المتعلق بالمعاليم القصوى للمنتجات البنكية؟
لماذا إذًا التحامل على إضراب موظفي البنوك؟ يختلف السبب الدافع بحسب جهة التحامل. فأبواق السلطة باتوا يعاينون أي تحرّك نقابي، مهما كانت طبيعته ومأتاه ومشروعية مطالبه، بمثابة عنصر احتقان يزيد تبيان تدهور الوضع الاجتماعي والمعيشي في البلاد، على نحو أن أي إضراب ولو كان داخل القطاع الخاص يُفهم بأنه عبء على السلطة السياسية. كما أن صدور الإضراب من الجامعة العامة للبنوك المنضوية ضمن الاتحاد العام التونسي للشغل يزيد في الريبة تجاهه. ولا نستغرب استحضار الخطاب التآمري والتخويني في هذا السياق بادعاء أن الإضرابات هي سلاح لتأجيج الأوضاع. أما بعض التفاعلات الأخرى، فالواضح أنها تبتدأ بأن فئة موظفي البنوك تعدّ فئة محظوظة مقارنة بالبقية وبالتالي فإنه لا يحق لهم الإضراب ببساطة، وكأنه توجد إرادة لتعميم حالة الهشاشة، على الأقل المهنية، بين الجميع. ولعلّ هذه أحد أوجه الأزمة العميقة داخل المجتمع وفي البلاد.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
ليسوا ديمقراطيين.. الأقنعة غير البريئة التي تخدم الاستبداد
"الاختلاف مع الآخر السياسي.. لا يمكن أن يحوّل أي ديمقراطي بحقّ إلى عدوّ للديمقراطية، وإن كان عكس ذلك، فهو منذ البداية ليس ديمقراطيًا، بل هو منتحل صفة.. "
الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟
في باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ
تونس والجزائر.. المقبول وغير المقبول
"من يهدّد تونس نخلولو الخيمة تاع والديه".. هل من المقبول أن يدلي الرئيس الجزائري بتصريح بتلك الصيغة؟
"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس
قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..
هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب
أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..