ultracheck
مجتمع

كيف يعيش التونسيون يوم عرفة؟

26 مايو 2026
كيف يعيش التونسيون يوم عرفة
باحث في التاريخ: القيمة الأساسية لهذا اليوم تكمن في الإكثار من الأعمال الصالحة (صورة أرشيفية/ ياسين القايدي/ الأناضول)
إيمان السكوحي
إيمان السكوحي صحفية من تونس

في تونس، لا يمرّ يوم عرفة كغيره من الأيام. فمنذ الساعات الأولى للصباح، تنشغل بعض العائلات بمتابعة الحجيج على الشاشات، ويتعالى صوت التكبير والدعاء من نوافذ المنازل. وبين من يختار قضاء يومه في الجامع، ومن يفضّل العزلة الروحية داخل البيت، تتشابه الغاية: البحث عن الطمأنينة، وانتظار لحظة يشعر فيها الإنسان أنّ دعاءه أقرب إلى السماء.

ويحمل يوم عرفة بالنسبة إلى كثير من التونسيين طقوسًا خاصة توارثتها العائلات عبر السنوات، تبدأ بالصيام وتلاوة القرآن، وتنتهي عند الدعاء قبيل أذان المغرب، حين تختلط رهبة اللحظة بأمل الاستجابة.

يحمل يوم عرفة بالنسبة إلى كثير من التونسيين طقوسًا خاصة توارثتها العائلات عبر السنوات، وهو لا يمرّ كغيره من الأيام، فالبعض يختار قضاء يومه في الجامع، في حين هناك من يفضّل العزلة الروحية داخل البيت

في هذا التقرير، نقترب من تفاصيل هذا اليوم كما يعيشه عدد من الشبان التونسيين، بين الروحانيات والعادات الشخصية، وبين الشوق إلى الحج والرغبة في التغيير ومراجعة الذات. 

  • يوم عرفة هو يوم تحقيق الأمنيات

ترى نيسان بن رضا أنّ يوم عرفة يمكن اختصاره في جملة واحدة: "هو يوم تحقيق الأمنيات".

وتؤكد أن تجربتها في قضاء هذا اليوم داخل الجامع خلال العيد الفارط كانت مختلفة تمامًا عن أي تجربة عاشتها من قبل. فبالنسبة إليها، أجواء الجامع تمنح الإنسان قدرًا كبيرًا من السكينة والخشوع، وتساعده على التفرّغ لعبادة الله ومناجاته بعيدًا عن ضوضاء الحياة ومشاغلها. هناك، يصبح الذهن أكثر صفاءً، وكأنّ الإنسان يختلي بنفسه وربه فقط، تشعر أن الله يسمعها وحدها، وأن دعاءها لن يضيع، خاصة عندما يكون القلب ممتلئًا باليقين في الإجابة.

وتصف نيسان الأجواء الروحانية داخل الجامع بأنها استثنائية: تلامذة وطالبات وطلبة يحملون أوراقًا دوّنوا فيها دعواتهم وأمنياتهم، وحلقات ذكر يردد فيها الرجال الأذكار والدعوات، بينما تتكرر على الألسن عبارات من قبيل: "ربي يستجيبلك" و"ربي ينولك لي في بالك".

نيسان بن رضا: يوم عرفة يبقى يومًا روحانيًا بامتياز، وقضاؤه في الجامع يمنح الإنسان قدرًا كبيرًا من السكينة والخشوع، خاصة مع الأجواء الروحانية الاستثنائية داخله، على غرار حلقات الذكر والدعاء وتلاوة الدعوات الشخصية

أما بعد صلاة العصر، فتقول إن المكان يكسوه هدوء مهيب، حيث ينشغل كل شخص بنفسه، بدعائه وذكره وورده، في مشهد تغلب عليه الطمأنينة والخشوع.

وقبل أذان المغرب بقليل، تبدأ ملامح التكافل والمحبة في الظهور أكثر. فهذه تأتي بالحلوى، وذاك بالماء أو التمر، وكل شخص يحاول أن ينال أجر إطعام الصائم. وبعد صلاة المغرب جماعة، تتحول ساحة الجامع إلى مجموعات صغيرة تفطر معًا وسط أجواء من الراحة والابتسامات، وكأن الجميع خرج من امتحان روحي كبير، وقد سلّم أمنياته ودعواته لله وهو موقن بأنها وصلت وقُبلت.

وتختم نيسان بن رضا حديثها بالتأكيد على أن يوم عرفة يبقى يومًا روحانيًا بامتياز، يوم يشعر فيه الإنسان باتصال عميق بخالقه، وكيف لا وهو اليوم العظيم الذي يتجلّى فيه الله سبحانه وتعالى على عباده.

اقرأ/ي أيضًا: "علوش En ligne".. الأضحية في تونس بين الأصالة والرقمنة

  • "أنتظر يوم عرفة بشوق كبير"

يقول الطالب وسيم بن حسانة إن من العادات التي حافظ عليها منذ سنوات في يوم عرفة الاستيقاظ مبكرًا لمتابعة الحجيج عبر شاشات التلفزيون وهم يؤدون ركن الحج الأعظم بالوقوف على جبل عرفات.

ويضيف أنه يتنقل بين القنوات المحلية والعربية بحثًا عن الأفلام الدينية التي ارتبطت بذاكرته في هذا اليوم، على غرار فيلم "الرسالة" و"هجرة الرسول"، إلى جانب حرصه على قضاء اليوم في العبادة من خلال الدعاء والصلاة في الجامع وتلاوة القرآن والتكبير والتهليل والاستغفار.

وسيم بن حسانة (طالب) لـ"الترا تونس": من العادات التي حافظت عليها منذ سنوات في يوم عرفة، الاستيقاظ مبكرًا لمتابعة الحجيج عبر شاشات التلفزيون وهم يؤدون ركن الحج الأعظم بالوقوف على جبل عرفات

ويؤكد وسيم أنّ يوم عرفة يحتل مكانة خاصة في قلبه، إذ يعتبره من أحب أيام السنة إليه لما يحمله من سكينة وطمأنينة وخشوع ينعكس على النفس والقلب. ويرى أنّ هذا اليوم هو يوم استجابة الدعوات ونزول الرحمات ومغفرة الزلات، لذلك ينتظره كل عام بشوق كبير، قائلًا إنه يشعر وكأن روحه تسافر إلى جبل عرفات لمرافقة الحجيج في هذا المشهد الإيماني المهيب الذي يبعث في داخله الفرح والرغبة في الاجتهاد في العبادة قدر المستطاع.

 

تونسيون يعتبرون أن يوم عرفة يمثل فرصة حقيقية للتغيير ومراجعة النفس، مستندين إلى مكانته العظيمة في الدين الإسلامي (ياسين القايدي/الأناضول)

 

ويشير الطالب وسيم بن حسانة إلى أنه يفضّل قضاء أغلب يوم عرفة في التعبد داخل المنزل، باعتبار أنه نشأ منذ صغره على مجموعة من التقاليد العائلية المرتبطة بهذا اليوم المبارك. ويكتفي بالتوجه إلى الجامع خلال أوقات الصلاة فقط، حيث يمضي بعض الوقت بعد انتهاء الصلاة قبل العودة إلى المنزل، موضحًا أن أغلب المساجد تفتح أبوابها فقط خلال أوقات الصلاة التزامًا بالإجراءات المعمول بها، وهو ما يجعل قضاء اليوم كاملًا داخل الجامع أمرًا صعبًا.

اقرأ/ي أيضًا: "ممنوعون" من اللحم.. عن أناس لا يقربون مائدة عيد الأضحى

ويضيف أنه بدأ منذ سن الحادية عشرة تقريبًا، أي منذ سنة 2014، في تعظيم يوم عرفة والارتباط به روحانيًا، ومنذ ذلك الوقت وهو يحافظ على مجموعة من الطقوس والعادات التي يراها جزءًا من خصوصية هذا اليوم العظيم.

كما يعتبر وسيم أن يوم عرفة يمثل فرصة حقيقية للتغيير ومراجعة النفس، مستندًا إلى مكانته العظيمة في الدين الإسلامي، فهو اليوم الذي أقسم الله به في القرآن، وقال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم إن "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة".

ويؤكد أن الإنسان عندما يرفع يديه بالدعاء في هذا اليوم يكون ممتلئًا باليقين بأن الله قادر على تغيير حاله إلى الأفضل، لذلك فهو مناسبة للتأمل في الذات وتقييم الأعمال ومحاولة إصلاح الأخطاء والسعي نحو حياة أفضل وأكثر قربًا من الله.

  • الطقوس الدينية والاجتماعية لعيد الأضحى في تونس بين التاريخ والذاكرة الشعبية

يؤكد الباحث في التاريخ عباس بن محمود أنّ ما يُتداول حول الاحتفال بيوم عرفة في جامع الزيتونة لا يستند إلى معطيات تاريخية دقيقة، موضحًا أنّ "الاحتفالات ذات الطابع الجماعي والديني في الذاكرة التونسية مرتبطة أساسًا بيوم عيد الأضحى، وليس بيوم عرفة".

ويضيف بن محمود أنّ يوم عرفة يحمل بطبيعة الحال مكانة دينية وروحية كبرى لدى المسلمين، بما فيه من صيام ودعاء وذكر، غير أنّ تحويله إلى مناسبة احتفالية داخل الفضاءات الدينية التونسية "يُعدّ ممارسة حديثة نسبيًا، ولم تثبت في المصادر التاريخية القديمة"، معتبرًا أنّها "عادة حسنة من حيث المضمون لما تتضمنه من عبادات وأذكار، لكنها ليست امتدادًا لطقس تاريخي راسخ".

عباس بن محمود (باحث في التاريخ) لـ"الترا تونس": تحويل يوم عرفة إلى مناسبة احتفالية داخل الفضاءات الدينية التونسية يُعدّ ممارسة حديثة نسبيًا، ولم تثبت في المصادر التاريخية القديمة

وفي سياق حديثه عن البعد الديني ليوم عرفة، يوضح الباحث أنّ القيمة الأساسية لهذا اليوم تكمن في الإكثار من الأعمال الصالحة، قائلاً: "الإنسان غير القادر على أداء مناسك الحج يجد في يوم عرفة فرصة عظيمة للتقرب إلى الله عبر الدعاء، الصوم، ومساعدة المحتاجين، وخاصة الإطعام الذي يحمل بركة خاصة في الثقافة الإسلامية".

ويؤكد بن محمود أنّ البعد الاجتماعي في هذا اليوم لا يقل أهمية عن البعد الروحي، مشيرًا إلى أنّ "التكافل ومساعدة الفقراء كان دائمًا جزءًا من الروح الدينية، وأحيانًا يتجاوز أثره العبادة الفردية، لأنّ نفع الآخر قيمة مركزية في الإسلام".

 

باحث في التاريخ: تحويل يوم عرفة إلى مناسبة احتفالية عادة حسنة من حيث المضمون لما تتضمنه من عبادات وأذكار، لكنها ليست امتدادًا لطقس تاريخي راسخ (صورة أرشيفية/ ياسين القايدي/ الأناضول)

 

أما بخصوص عادات العيد في تونس، فيستعرض الباحث جانبًا من الطقوس المرتبطة تاريخيًا بالمؤسسة الدينية، وخاصة جامع الزيتونة، حيث كان الإمام يخرج قبل صلاة العيد وسط موكب من القائمين على شؤون الجامع، يتقدمه التكبير والتهليل، في مشهد احتفالي ذو رمزية دينية واجتماعية.

ويشير إلى أنّ الإمام كان يستقبل الموكب في أجواء مهيبة، ثم يتوجه الجميع إلى الجامع لأداء صلاة العيد، قبل أن تتواصل الطقوس التي كانت تمتد في بعض الفترات التاريخية إلى ما يُشبه المراسم الرسمية في عهد البايات، حيث كان الحاكم يشارك في صلاة العيد وسط حاشية من كبار رجال الدولة والعلماء.

وبعد الصلاة، يضيف الباحث، كان يتم ذبح الأضاحي في إطار احتفالي رسمي، بحضور مفتي البلاد أو أحد كبار المشايخ، ثم تُنقل اللحوم لتوزيعها على الفقراء والزوايا والمؤسسات الدينية، في تجسيد واضح لقيم التضامن الاجتماعي.

عباس بن محمود (باحث في التاريخ) لـ"الترا تونس": الإنسان غير القادر على أداء مناسك الحج يجد في يوم عرفة فرصة عظيمة للتقرب إلى الله عبر الدعاء، الصوم، ومساعدة المحتاجين، وخاصة الإطعام الذي يحمل بركة خاصة في الثقافة الإسلامية

ويختم عباس بن محمود حديثه بالتأكيد على أنّ المجتمع التونسي احتفظ عبر أجيال طويلة بروح العيد القائمة على الفرح العائلي والتكافل الاجتماعي، حيث كانت الأسر تستعد لهذه المناسبة منذ أيام، ويحرص الأطفال على اختيار الكبش وتزيينه في أجواء من البهجة والانتظار.

ويضيف أنّ "الذاكرة الشعبية ما تزال تحتفظ بصور العيد التقليدية، من تزيين الأضاحي إلى تحضير الأطباق المحلية مثل القلاية، حيث تجتمع العائلات حول مائدة واحدة تعكس روح الانتماء والتآلف".

ويخلص الباحث إلى أنّ عيد الأضحى في تونس ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو "فضاء اجتماعي وثقافي يعكس تداخل الروحي بالإنساني، ويجسد قيم الرحمة والتعاون التي شكّلت عبر التاريخ جوهر المجتمع التونسي".

الكلمات المفتاحية

قطاع الأدوية في تونس.. من أزمة نقص "متذبذبة" إلى أزمة "متواصلة" لخلاص الصيدليات

زيادات في أسعار الأدوية تخلّف استياءً واسعًا ومخاوف على المرضى في تونس

خلّفت مراجعة أسعار عدد من الأدوية، وإقرار زيادات في أسعار عدد منها، بعد المنشور الصادر مؤخرًا عن الصيدلية المركزية المتعلق بتحيين أسعار الأدوية والذي شمل نحو 300 دواء، تفاعلات عديدة في تونس.


البلاستيك مقابل الكراسات.. مبادرة بيئية في قرقنة لحثّ التلاميذ على جمع النفايات

البلاستيك مقابل الكراسات.. ما قصة هذه المبادرة البيئية الفريدة في قرقنة؟

مبادرة بيئية في قرقنة تحثّ التلاميذ على جمع النفايات مقابل مستلزماتهم المدرسية بعنوان "قرقنة صفر بلاستيك" وتحت شعار "معًا لعودة مدرسية سعيدة وبيئة نظيفة".. إليك التفاصيل


الجبال في تونس مريم الناصري الترا تونس

قمم مبتورة.. عندما تتحول الجبال في تونس إلى أكياس أسمنت

"ندوب" بيضاء ورمادية هائلة تشقّ الجبال وتلوح للناظر من على بعد كيلومترات. إنّها مقاطع الحجارة والرخام والحصى التي تعمل منذ عقود دون توقف..


انقطاع الكهرباء الشاذلي بن إبراهيم Getty

عندما ينقطع الكهرباء… كيف يواصل التونسي حياته؟

أصبح غياب التيار الكهربائي اختبارًا يوميًا لقدرة الأفراد والمهنيين على إيجاد بدائل سريعة، من استعمال أضواء السيارات إلى تغيير ساعات العمل، مرورًا بتأجيل بعض الأنشطة أو إعادة تنظيمها وفق مواعيد عودة الكهرباء

عائلات المفقودين
مجتمع

"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس

قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..

الممرضين تونس
مجتمع

هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب

أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..


لماذا تعترض جامعة التعليم الثانوي على المنصة الرقمية لتنزيل الأعداد الرقمنة غيتي.jpg
مجتمع

التحول الرقمي.. دعوة إلى مجانية الخدمات الإدارية الأساسية للمؤسسات

رحبت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة بما جاء في..

قائمة المدارس الخاصة في تونس
مجتمع

انتقادات لتركيبة الهيئة العليا للمجلس الأعلى للتربية.. ما التفاصيل؟

تم تعيين أعضاء بالهيئة العليا للمجلس الأعلى للتربية وهم..

الأكثر قراءة

1
سیاسة

محمد عبو: غازي الشواشي يواجه وضعًا صحيًا صعبًا داخل السجن


2
مجتمع

أسعار الزقوقو تحت ضغط تراجع الإنتاج.. وتحذيرات من المنتجات المهربة


3
اقتصاد

تفاقم عجز الطاقة في تونس وارتفاع واردات الكهرباء من الجزائر


4
مجتمع

وفاة طفل جرفته السيول في المكارم بسيدي بوزيد


5
مجتمع

ارتفاع نسبة البطالة لدى حاملي الشهادات العليا في تونس إلى 26.6%