كرة القدم بين الموهبة والأرقام.. كيف غيّرت البيانات روح اللعبة؟
10 مايو 2026
كان الكاتب والصحفي الأوروغوياني إدواردو غاليانو يقول في كتابه كرة القدم بين الشمس والظل "كلما تحولت كرة القدم إلى صناعة كان يجري استبعاد الجمال الذي يولد من متعة اللعب لمجرد اللعب". كان ذلك في نهايات القرن الماضي مع الخطوات التي عرفتها اللعبة في مجال الاحتراف وكان الصراع قائمًا حول تحويل اللعبة إلى اقتصاد يدور حوله عالم متعدد الأقطاب منها سوق التكنولوجيا والأرقام التي أصبحت تفرق بين الفرق وتصنفهم إلى أغنياء وفقراء، ومن هنا تبدأ حكاية السيطرة والقوة والتراجع والقبوع في عالم النسيان.
غير أن هذا التغيير الكبير في علاقة الرياضة وخاصة كرة القدم بالتقنية الحديثة لم ينف نهائيًا مصداقية العبارة الشهيرة "كرة القدم ليست علمًا" ولكن ماذا لو كانت كذلك وكيف؟
التخلف عن الركب
يقول المنسق الرياضي والمشرف على فريق من الكشافين في كرة القدم أحمد الحامي لـ"الترا تونس" إن اللاعب الموهوب، متمكن بالفطرة ورغم تراجع الموهبة على مستوى العالم إلا أنه لا يوجد تناقض بين دخول التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الرقمية ونجاح المواهب، فهي عوامل تساعد الرياضي على تطوير قدراته الفنية والبدنية، إلا أنه يقول إن هناك سوء أو غياب استعمال لهذه التقنيات العلمية في تونس وحتى النوادي التي تعتمدها فهي تستعمل الجزء السطحي البسيط منها والذي لا يكلف أموالًا طائلة.
المنسق الرياضي واللاعب الدولي السابق أحمد الحامي لـ"الترا تونس": كرة القدم في تونس تشتغل بشكل عشوائي تغلب فيه العوامل الشخصية والمصالح على التنظيم والهيكلة والتخطيط، وهو ما يظهر واقعيًا في تراجع التكوين والنتائج الرياضية
ويشدد اللاعب الدولي السابق أحمد الحامي الذي تنقل بين القارات واحتك بتجارب رياضية مختلفة أن هناك خطأ شائعًا في علاقة ببعض المدارس الرياضية، ويؤكد أن البرازيل التي تعتمد على الموهبة على مر العقود الماضية يشتغل القائمون على كرة القدم فيها على العلم ويخططون لتطوير الأداء الرياضي، وعلى الجانب الآخر تقل الموهبة في بلدان أوروبا الشرقية مقارنة بتونس إلا أنهم يتفوقون بالعمل الشاق من أجل الوصول إلى تحقيق مكانة أفضل في عالم كرة القدم.
ونال الحامي اللاعب السابق للنادي الصفاقسي والترجي التونسي والنجم الساحلي، شهادات علمية عديدة في مجال كرة القدم تمكنه من اعتماد الوسائل العلمية والتخطيط في عمله لضمان توافر عناصر النجاح، غير أن العمل بالذكاء الاصطناعي مثلًا يبقى رهين المتابعة والرقابة البشرية حتى لا تقع أخطاء يمكن أن تضر بالرياضي، ويؤكد في هذا السياق على أهمية أن يمتلك المعني بالأمر التكوين العلمي اللازم حتى لا يتحول العمل بالتقنيات من نعمة إلى نقمة، وهنا يشير الحامي إلى استسهال منح الشهادات في مجالات التكوين واكتشاف المواهب وتحليل الأداء الرياضي وذلك في تقديره يضر بمنظومة كرة القدم وخاصة تكوين الشبان.
اقرأ/ي أيضًا: تونسيون لا يشاهدون كرة القدم
وحول غياب العمل بالوسائل العلمية في تونس، يقول الحامي إن كرة القدم في تونس تشتغل بشكل عشوائي تغلب فيه العوامل الشخصية والمصالح على التنظيم والهيكلة والتخطيط، وهو ما يظهر واقعيًا في تراجع التكوين والنتائج الرياضية واستشهد في هذا السياق بفريق ماميلودي صانداونز من جنوب إفريقيا، الذي لم يكن في فترة ممارسته لكرة القدم ناجحًا حتى في جنوب أفريقيا، إلا أن العمل بالتخطيط متوسط وبعيد المدى تقدم به إلى المراتب الأولى في أفريقيا مع لعب كرة قدم حديثة، حسب تقديره.
وتبدو علاقة الرياضة والإحصائيات جديدة للوهلة الأولى، مع كثرة التطبيقات الرقمية التي يستعملها المحب البسيط الذي يخرج على وسائل التواصل الاجتماعي لينتقد أداء فريقه وخطط المدرب والتغييرات الخاطئة أو المتأخرة، غير أنه وفي حديثنا إلى اللاعب السابق والمنسق الرياضي أحمد الحامي أدركنا أن محللين في المنابر الإعلامية يعتمدون على نفس التطبيقات لتحليل المباريات بشكل لا يبدو احترافيًا بالمرة. وهو ما يترك مجالًا للانطباع الشخصي وتداخلًا بين آراء الجماهير وآراء المختصين.
البيانات سلاح قديم مستحدث
ودخلت البيانات عالم المستديرة بشكل بدائي منذ منتصف القرن العشرين، حيث بدأت المنتخبات والأندية الأوروبية في تسجيل أرقام بسيطة مثل عدد الأهداف والتسديدات ونسب الفوز، وفي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي توسع الاهتمام بالتحليل البدني والتكتيكي خاصة في أوروبا الشرقية وهولندا حيث استعمل المدربون البيانات لدراسة الجهد البدني والتحركات داخل الملعب وارتبط ذلك ببروز فكرة الكرة الشاملة، أما في التسعينيات فبدأ دخول الحاسوب والفيديو عالم التدريب وأصبحت الأندية العالمية تجمع بيانات أكثر دقة عن التمريرات والتركز واللياقة البدنية وتلتها ثورة تحليل البيانات من قبل متخصصين باستخدام الخوارزميات لتقييم اللاعبين والتخطيط، إلى أن انتهى الأمر إلى إحداث أقسام كاملة داخل الفرق الرياضية لتحليل البيانات مثل مانشستر سيتي وليفربول في إنجلترا.
محلل الأداء مالك بالقاضي لـ "الترا تونس": التقنيات الحديثة هي للتقييم لا للتأثير على مردود اللاعب ويمكن أن تكون محفزًا له لتقويم أخطائه، والفرق العالمية تخصص ميزانيات وتعقد شراكات مع مؤسسات تحليل البيانات لتحليل أداء المنافسين وكذلك لانتداب المواهب
أمر يؤكده محلل الأداء مالك بالقاضي الذي يقول في تصريح لـ "الترا تونس" إن كرة القدم منذ البداية كانت تعتمد على الأرقام من أجل التقديم حتى دون أن نشعر، والبطل لا يكون كذلك إلا عندما يجمع أكثر عدد من النقاط والأهداف وغيرها، ومع تطور التقنيات صار التعمق أكثر، من الوصف إلى التفسير والتدقيق في تفاصيل لا يمكن معاينتها بالعين المجردة كتحركات اللاعب بالكرة أو دونها ونسب الاستحواذ وتقييم اللاعبين والمدرب والعمل في فترة الانتدابات على نقائص الفريق.
اقرأ/ي أيضًا: الإعداد البدني في كرة القدم وفي القاعات.. مظالم وأخطاء وانزلاقات
ويضيف بالقاضي أن الذكاء الاصطناعي سيجعل الأرقام أكثر دقة بكثير عندها ستكون البيانات الحالية بدائية مقارنة بالإحصائيات الجديدة وهو ما وصفه بالثورة الرياضية عندها سيقيم اللاعب بمدى قدرته على ربح المنافسة الثنائية مع خصمه وقياس تمكن اللاعب من اللعب تحت ضغط المنافس، أما الإحصائية الأبرز فستكون إحصائية "الميزان" التي ستقيم كل لاعب في الفريق ومدى مساهمته في الانتصار أو التعادل أو الهزيمة وميزان آخر لتقييم موسم اللاعب وتأثيره سلبيًا أو إيجابيًا على نتائج الفريق ككل.
وحول سؤالنا على تأثير الارتباط الشديد بالبيانات على المبادرة والموهبة الفردية للاعب يشدد بالقاضي على أن التقنيات الحديثة هي للتقييم لا للتأثير على مردود اللاعب ويمكن أن تكون محفزًا له لتقويم أخطائه، بل إنه يعتبرها عاملًا مساعدًا على تأطير الموهبة والإبداع ولا يمكن أن تهمشها أو تقتلها فمن خلال إعادة مشاهدة تحركاته في الملعب يطور اللاعب من ينقصه من مهارات ويذهب إلى التحرك الإيجابي في الميدان.
ويضيف بالقاضي أن الفرق العالمية تخصص ميزانيات وتعقد شراكات مع مؤسسات تحليل البيانات لتحليل أداء المنافسين وأبرز اللاعبين وكذلك لانتداب المواهب وهنا يصبح للنادي وسائل وآليات هي بمثابة الأسلحة الفنية يمكن أن تسبق بها منافسيك حسب تعبيره.
اقرأ/ي أيضًا: تغير جغرافيا أندية البطولة التونسية.. الإفريقي والترجي أكبر المستفيدين
وحسب الآراء الفنية والشهادات المطروحة في هذا التقرير، تذهب الرياضة وخاصة كرة القدم إلى أن تخضع أكثر فأكثر إلى التجديد المتسارع الذي بضبط أداء المدربين واللاعبين وتذهب مؤسسة التكوين والتدريب إلى أن تكون أكثر هيكلة وتوسعًا مع بروز أدوار أساسية لمختصي التخطيط والإدارة الرياضية، وتحليل البيانات الفنية مع تطوير استعمالات الذكاء الاصطناعي.
ومن جانب آخر تزايد الضغط على المدربين واللاعبين في ظل الحكم الذي أصبح يصدر كل أسبوع من الجمهور الذي بدأ بدوره ولو سطحيًا يقيم ويمنح صفحة اللاعب الجيد والمدرب الفاشل، ليحل اللعب الجماعي مكان المبادرة الفردية، ويغلب التكتيك على الموهبة وتنتفي متعة اللعب من أجل مجرد اللعب، غير أن هناك دائمًا قواعد تمحي قواعد أخرى، ومواهب تتفوق على القيود، لكن هذه التقنيات هي التي تكرس يومًا بعد يوم تحويل اللعبة إلى مجالات للاستثمار الاقتصادي وحتى السياسي.
الكلمات المفتاحية
تونس في كأس العالم.. تاريخ المشاركات وأبرز تحديات مونديال 2026
يُعدّ المنتخب التونسي أحد أكثر المنتخبات العربية والإفريقية حضورًا في نهائيات كأس العالم .. تابع أبرز الأرقام في مشواره إلى المونديال
السويد واليابان وهولندا.. كلّ ما يجب أن تعرفه عن مجموعة تونس في مونديال 2026
تضم المجموعة السادسة لمونديال 2026 منتخب هولندا واليابان، والسويد، ومنتخب تونس. وفيما يلي، أهم ما يمكن معرفته عن هذه المنتخبات، ومشاركاتها السابقة في كأس العالم.
كراس الذكريات نهاية السنة الدراسية في تونس.. الزمان الذي لا يعود
كراس الذكريات عادة تلمذية تواصلية إنسانية اندثرت تمامًا لكن أجيالًا كثيرة تتذكرها وما زالت تحتفظ بها كذكرى طيبة عن مرحلة رائعة من العمر وهي مرحلة الدراسة.
4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54
نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54 ضد الصحفيين وآخرها الأحكام الصادرة بحق الصحفية خولة بوكريم، والنزاعات المتعلقة بالمضامين الإعلامية يجب أن تعالج في إطار المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر
أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل يحتجون للمطالبة بتطبيق قانون انتدابهم الاستثنائي
يواصل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، احتجاجاتهم رفضًا لـ"سياسة المماطلة في تنفيذ القانون 18 وإصدار الأوامر الترتيبة القاضية بانتدابهم".
كم بلغ عدد حالات الغش خلال الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026؟
مدير عام الامتحانات الوطنية بوزارة التربية: الوزارة لا تهدف إلى معاقبة التلاميذ، بل توفير شروط النجاح لهم، مع التصدي لإصرار بعض الأطراف على التشويش على الامتحانات الوطنية
رسميًا.. "الفيفا" يرفع المنع من الانتداب عن الترجي الرياضي التونسي
تم تحيين جدول العقوبات في منصة منع الانتداب للفيفا، حيث أُزيل اسم نادي الترجي الرياضي التونسي رسمياً من قائمة الأندية المحظورة بعد تسوية ملفه