كراس الذكريات نهاية السنة الدراسية في تونس.. الزمان الذي لا يعود
31 مايو 2026
مع نهايات شهر ماي/أيار من كل عام، "يطير الحمام، يحط الحمام" وينفرط فصل الربيع زهرة زهرة فيتحول إلى ملكوت من شاعرية مدهشة تركض فيها خيلاتنا وأحلامنا، وتشتعل المشاعر وتهتز القلوب اهتزاز الكلمات في القصيد، هكذا فجأة ينضج كل شيء في مدارات من الإلهام والنداءات الجوفية الخفية وتفوح في أرجاء الكون روائح شتى لكن رائحة الحب تكون هي الأقوى.
مع نهايات شهر ماي، يصبح كل شيء مرهفًا وعامرًا بالمودّة والاستهلالات اللامتناهية، فأن نغادر المدرسة أو المعهد الثانوي أو الجامعة إلى العطلة الصيفية المطولة بعد أن كنّا سربًا من حساسين نتوسّد زغب المعرفة ونسغ العلم والفن ونطير تحت سماءات الكناية وسؤال الفلسفة نحو المطلق ونترك خلفنا سلالًا من ذكريات وتوت متناثر في الساحات وحكايات محبات وهي في أوج نضجها.. ما أبشع أن نتركها في العراء بلا اكتمال وبلا عناية وبلا متابعة، إنّ في ذلك لوعة وكدرًا وموتًا رمزيًا لأفئدة صغيرة مازالت تتهجى لغة التواصل، فالانفصال بعد التعلق ليس بالأمر الهيّن على تلك القلوب العصفورية الصغيرة المنسكبة على رصيف الأيام، إنها بدايات فهم الألم.
لقد ابتكر التلاميذ التونسيين في مستوى الإعدادي والثانوي في أزمنة ما قبل العاصفة الاتصالية والهواتف الجوالة وشبكات الإنترنت ومنصات شبكات التواصل الاجتماعي.. حلًا اتصاليًا عاطفيًا يُبقي على تلك العلاقات الإنسانية التي تشكلت داخل المدرسة فيؤججها طيلة أيام العطلة على نحو جميل، فقد جرت العادة قبيل نهاية السنة الدراسية أن يجهز كل تلميذ كراسًا خاصًا يسمى كراس الذكريات، يتمّ إعداده بعناية فائقة ومحبة وارفة فيغلّف بصنعة الفنان العارف ويلوّن ويخط عليه بأناقة اسم صاحب الكراس وقسمه بخط كوفي أو ثلثي أو ديواني أو نسخي أو قيرواني.. وتتضمن الصفحات الأولى صورة صاحب الكراس (اختيارية) وبعض المعطيات المنتقاة وقولة أدبية أو فلسفية أو دينية تعبر عن شخصيته وهواه الأدبي والفني وهي بمثابة شعاره في الحياة.
جرت العادة قبيل نهاية السنة الدراسية أن يجهز كل تلميذ كراسًا خاصًا يسمى كراس الذكريات، يتمّ إعداده بعناية فائقة ومحبة وارفة، في أزمنة ما قبل العاصفة الاتصالية والهواتف الجوالة ومنصات شبكات التواصل الاجتماعي..
أما تقسيمه من الداخل فيخضع لقواعد متعارف عليها إذ يمنح جزء أول منه للأساتذة والمربين مع ذكر اسم الأستاذ والمادة التي يدرسها في رأس الصفحة، أما الجزء الثاني فيخصص لكل أبناء القسم الذي ينتمي إليه التلميذ صاحب الكراس بدون استثناء، وضمنه يكون لكل صديقة أو صديق، ثلاث صفحات أو أكثر ليقدم نفسه (معطيات خاصة مثل عيد الميلاد وأسماء أفراد العائلة وعمل الوالدين والعنوان البريدي بكل دقة والهاتف المنزلي إن وجد..) ثم يجيب على مجموعة من الأسئلة تهم الشعر والمطالعة والسفر والهوايات والحب والرياضة والفن والموسيقى والمدن التي يحبها في تونس والفريق المفضل..
اقرأ/ي أيضًا: تحية المدرّس نهاية العام الدراسي في تونس.. فوتوغرافيا الاعتراف
وفي صفحة أخرى، يُفسح المجال لضيف الكرّاس بأن يكتب من وحي قريحته خاطرة أدبية أو قراءة في عمل فني أو بورتريه في لاعب كرة قدم أو مطرب أو قصيدة شعر أو وصف مدينة.. كما يخصص سؤال عن الحب وما أدراك ما الحب بالنسبة للمراهقين في ذلك الوقت! ويسمح لصاحب الصفحات بأن يزوّق صفحاته وما دوّن فوقها كما يشتهي ويروق له كأن يضع بطاقة بريدية يكون قد اقتناها خصيصًا أو صورة مقتطعة من مجلة أو صحيفة تعبر عن فكرة أو رسالة أراد ترسيخها في كراس زميله وثمة من يرسم بيده رسوم خلابة حتى يبرز موهبته وتفوقه.. وبما أن نهاية العام قصيرة فإن كل تلميذ يبقى الكراس عنده ليلة أو ليلتان في أقصى الحالات ثم يعيدها لصاحبها لكي تمرر لتلميذ جديد.
أما القسم الثاني من الكراس، فيخصص للأصدقاء من مختلف الأقسام الأخرى بالمعهد وهكذا يصبح كراس الذكريات مساحة وارفة للأمل باللقاء وتحليل وتأويل الرسائل التي تضمنها وخصوصًا الإشارات والرسائل المشفرة بين الأحبة.
كراس الذكريات عادة تلمذية تواصلية إنسانية اندثرت تمامًا لكن أجيالًا كثيرة تتذكرها وما زالت تحتفظ بها كذكرى طيبة عن مرحلة رائعة من العمر وهي مرحلة الدراسة.
"الترا تونس" التقى البعض ممن عاش تلك اللحظات الفريدة من الحياة المدرسية وكان من هواة عادة كرّاس الذكريات:
أصحاب كراس الذكريات: عندما بشتدّ الحنين، نقول "للزمان ارجع يا زمان.."
فاطمة جاوزت الخمسين من العمر درست بمعهد نهج الباشا للبنات في العاصمة تونس، تقول: "من أعز اللحظات في حياتي وقت نتصفح كراسات الذكريات التي أحتفظ بها إلى اليوم..". وتضيف: "وقت نشد الكراسات نحس روحي طرت وصغرت.." وأوضحت بأنها تملك أربع كراسات من الحجم الكبير تلخص لحظات وأحداث وأحاسيس لا حدود لها عاشتها في المرحلة الثانوية بين 1985 و1989.
كانت فاطمة التي تعمل حاليًا بقطاع البريد التونسي تتحدث عن تلك الأيام بكثير من الحب، فقد ذكرت بأن كراس الذكريات هو من السنن التربوية الحميدة التي كان الأساتذة يشجعون التلاميذ على إنجازها لأنها تمتّن العلاقات بين التلاميذ والمربين من جهة وبين التلاميذ أنفسهم من جهة ثانية. وهي تحدث التوازنات النفسية المرجوة لدى التلميذ. وأشارت محدثتنا إلى أنّ كراس الذكريات مليء بالمعلومات والأسرار التي تجعلنا نتعرف على بعضنا البعض من جديد.
فاطمة (موظفة) لـ"الترا تونس": أبنائي ينظرون إلى الأمر بانبهار واستغراب حين أحدّثهم عن كراس الذكريات الذي نظلّ نتصفحه في العطل الصيفية سابقًا، لكسر الرتابة وإعادة تشكيل الصداقات
وبيّنت فاطمة أنها حدثت أبناءها من عن هذا الكراس السحري الذي يتحول في العطلة إلى وسيلة من وسائل التواصل، وذكرت لأبنائها قائلة: "فنحن نطيل تصفحه في العطل الصيفية أيام المرحلة الإعدادية والثانوية لكسر الرتابة وإعادة تشكيل الصداقات والبحث عن التفاصيل اللامرئية في تركيباتنا النفسية.." وأشارت إلى أنّ الأبناء كانوا ينظرون إلى الأمر بانبهار واستغراب في الوقت نفسه.
عماد هو مدرّس بإحدى المدارس الابتدائية العمومية بضاحية باردو بالعاصمة تونس أوضح لـ"الترا تونس" أنّ كراس الذكريات كان جزءًا من حياة مدرسية متكاملة يمارسه التلميذ ليكتشف نفسه من جديد بل ليمتحن شخصيته الغضّة، يقول: "درست أواخر الثمانينيات بمعهد خزندار وكانت ظاهرة كراس الذكريات طاغية مع نهاية السنة الدراسية وكنا نتزاحم على مدرسينا حتى يدونوا لنا بعض الكلمات التي نعتبرها الرأي السديد والشهادة التي نعتز ونفاخر بها بين الأصحاب والأنداد فنقرأها ونعيد قراءتها أمام بعضنا وأهلنا". ويضيف: "لقد كنا ننبهر بما تكتبنه الصديقات ونتقصى المعاني المبطنة، علنا نظفر بخيط يحملنا إلى منطقة الحب التي لطالما حلمنا بها".
اقرأ/ي أيضًا: بالصور.. تعرّف على فوتوبيا التلاميذ في تونس
وأشار عماد إلى أنه مازال يحتفظ ببعض الكراسات من تلك المرحلة الذهبية فهي مليئة منجم أسرار وحكايات وذكريات الطيبة والحزينة في نفس الوقت، "إنها خلاصة علاقاتنا في مرحلة الدراسة، ما أجمل تلك الخطوط وتلك الصور وتلك الارتعاشات الصغيرة وذاك الغرور.." هكذا وصف محدثنا كراس ذكرياته ووجهه تعلوه مسحة من السعادة المستعادة. وختم المعلم عماد حديثه إلينا بأنه يحث تلامذته على تبادل الأحاسيس والتعاون وتثمين هواياتهم فيما بينهم.. مستثمرين في ذلك التكنولوجيا المتاحة فيما بينهم.
آمال متخرجة من قسم الفلسفة من كلية 9 أفريل أواسط التسعينيات وهي حاليًا أستاذة فلسفة بالمعاهد الثانوية العمومية، تقول: "في بداية المرحلة الثانوية درّسنا أستاذ الفلسفة بمعهدنا مادة فرنسية حيث كانت القوانين في الثمانينيات تسمح بذلك. فكان درسنا مصبوغًا بالفلسفة رغم عدم فهمنا لها.. وكان الأستاذ يناديني دائما بالفيلسوفة الصغيرة، وكنت أطرب لذلك وأكثر من المشاركة في نقاش الدرس لأثبت أني فيلسوفة فعلًا.. ومع نهاية السنة الدراسية سلّمتُ كراس الذكريات لأستاذي هذا ليدوّن لي بعض الكلمات فكانت أول جملة في الأسطر التي دونها هي: "تلميذتي الفيلسوفة الصغيرة، لا تكفّي عن النقاش والحوار فالحياة وقودها الضجيج والسؤال..". وتضيف آمال: "لقد وجهتني تلك الجملة ورسمت أفقي وتحولت إلى تميمة أحملها في صدري وأنثرها اليوم بين تلامذتي علهم بها يهتدون إلى مسالك حياتهم".
وتؤكد الأستاذة آمال على أشكال التواصل البنّاء بين التلميذ وسط البيئة المدرسية التي تنحت الكيانات وتعد الإنسان آلة المستقبل وتحصنه ضد كل فكر يتعارض مع العيش المشترك.
كمال (مهندس) لـ"الترا تونس": كراس الذكريات.. هذا الدفتر السحري كان سببًا في أن عشتُ قصة حب كبيرة، توّجت بالزواج بعد التخرج من الجامعة
كمال في العقد الخامس من عمره، متزوج وله بنتان، مهندس مدني متخرج من كلية الهندسة بقابس يشتغل بإحدى الشركات العقارية الكبرى بتونس. ذكر لـ"الترا تونس" أنّ له قصة مع كراس الذكريات ، فهذا الدفتر السحري كان سببًا في أن عاش قصة حب كبيرة. موضحًا أنه وخلال المرحلة الثانوية لم يكن يعلم أن هناك فتاة تحبه ومتعلقة به فصادف أن تبادل بالصدفة كراسه مع زميلة له بقسم آخر، فلاحظ أنّ صفحاتها كانت الأجمل من حيث الخط ورسم الصور والمقولات الشعرية أما الخاطرة التي كتبتها فهي شبيهة برسالة الحب.. يقول: "لم أنتبه في البداية، لكن وخلال العطلة وأثناء مراجعتي للكراس وتذكر لحظات الدراسة تفطنت لتلك الصفحات المشفرة.. وكان هاتف منزلهم مدوّنًا بعناية على الكراس، فما كان مني إلا أن طلبت من شقيقتي أن تتصل بها، فجاء صوتها رومنسيًا مفعمًا بالكلمات الطيبة التي جذبتني إليها.. وكانت بداية قصة حب توجناها بالزواج بعد التخرج من الجامعة وهي الآن حبيبتي وسيدة عائلتي..".
مختصة في علم النفس التربوي: لكراس الذكريات أثر عميق في انعكاسها على نفسية الطفل والمراهق
الأستاذة سوسن درين المختصة في علم النفس التربوي والباحثة بالجامعة التونسية، أوضحت أنّ كراس الذكريات أو دفتر الوداع أو سجلّ الحنين.. هي تسميات مختلفة لظاهرة واحدة، مضيفة أنها عادة طيبة كانت موجودة في المجتمع المدرسي التونسي إلى حدود التسعينيات من القرن الماضي وهي شبيهة بشبكات التواصل الاجتماعي حاليًا وهي تقليد أوروبي كان موجودًا في المدارس الفرنسية بتونس وقت الاستعمار وأخذته المدرسة النظامية التونسية فيما بعد وحثت عليه لجدواه التواصلي، وتوضح المختصة في علم النفس التربوي أن هذه العادة التلمذية قد تبدو مرحة وبسيطة وترافق نهاية السنة الدراسية، لكنها عميقة في انعكاسها على نفسية الطفل والمراهق، فهي وسيلة تواصل إيجابي في مستوى البناء العلائقي والذاكرة الجماعية.
مختصة في علم النفس التربوي: المادة الوثائقية المجتمعية التي تحتويها كراسات الذكريات.. والتي مازالت موجودة إلى اليوم في علب وخزائن الأفراد والعائلات التونسية.. هي جزء من ذاكرة المجتمع، لا بدّ لنا من دراستها والولوج إليها
وبينت الأستاذة درين أنّ المادة الوثائقية المجتمعية التي تحتويها هذه الدفاتر أو السجلات أو الكراسات.. والتي مازالت موجودة إلى اليوم في علب وخزائن الأفراد والعائلات التونسية كأسرار أو ذاكرة قديمة أو حنين منسي.. هي جزء من ذاكرة المجتمع في فترة زمنية بعينها ولا بدّ لنا من دراستها والولوج إليها حتى نفهم تركيبة الشخصية التونسية، وفقها.
وختمت المختصة في علم النفس التربوي أن المدرسة التونسية اليوم والفاعلين فيها، مطالبين بإحياء هذا التقليد العاطفي الجميل والحث عليه مستغلين في ذلك التطور التكنولوجي لأن في ذلك بناء للذاكرة الجماعية على أسس الثقافة المحلية التي تمايزنا عن باقي المجتمعات في ظل العولمة وما بعدها.
متحف التربية التونسي وضرورة الاشتغال على هذه التراث التربوي
إنّ كراس الذكريات في جانبه النفسي والجمالي هو أثر مادي للذاكرة الفردية والجماعية المدرسية ويمكن تقليبه على أكثر من وجه. لكن ومع مرور الزمن يصبح هذا الكراس والسلوك المرتبط به فصلًا من ذاكرة أوسع لمجتمع بأسره.
وهنا يمكن لمتحف التربية بتونس التابع لوزارة التربية أن يهتم بهذه الذاكرة التربوية المهدورة كأن يخصص رواقًا لهذه الكراسات والسجلات والكنانيش. أو يرقمنها حتى تكون متاحة للزيارة الافتراضية، ويمكن لهذا المتحف أيضًا أن ينشر دراسات بحثية محورها هذه الذاكرة التربوية الجماعية وذلك بمعية الجامعة التونسية ومخابرها المختصة.
الكلمات المفتاحية
بالصور.. تعرّف على منارات تونس وتاريخها
هذه المنارات التونسية، بني 16 منها زمن الاستعمار الفرنسي لتونس وذلك بداية من سنة 1888، وقد ذهبت فرنسا إلى إنشاء هذا العدد من المنارات بعد أن تعددت مصالحها في تونس.. تعرّف عليها
بالصور.. شواطئ مخفيّة لا يعرفها كثير من التونسيين
بحر تونس الزاخر بالأسرار والحكايات والحافظ للقصص والمانح للجمال. هل نعرف مكامنه؟ هل وقفنا على قصصه الإنسانية، هل أنصتنا إلى أمواجه المالحة من دموع المودعين؟ هل زرنا القصيّ منه؟ هل تأملنا انسكاب الغروب على أديمه مساء؟
تحت ظلال القباب التونسية.. حكاية هندسة تقاوم النسيان
تتميز صناعة القباب التقليدية بخصائص بيئية وحرارية مذهلة تعجز عنها العمارة الحديثة، فهي تتنفس، وتمتص الرطوبة، وتكيف الهواء طبيعيًا. ورغم القيمة الجمالية والبيئية للقباب، فإنّ هذا الفن المعماري يُواجه اليوم خطر الاندثار
كيف خطّط التونسيون لمتابعة "المباريات الفجريّة" للمنتخب التونسي في مونديال 2026؟
مونديال كرة القدم 2026 الذي يدور في الولايات المتحّدة والمكسيك وكندا، أحدث اضطرابًا فائقًا في الأنظمة الزمنيّة المذكورة فأوقع المولعين بكرة القدم في حرج وأقضّ مضاجعهم حقيقة لا مجازًا، حالة من الاضطراب والحيرة بسبب التوقيت غير المألوف
"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس
قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..
هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب
أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..