ultracheck
سیاسة

قضاة جدد خارج الحركة القضائية.. الاستثناء الذي أصبح قاعدة في تونس

29 أبريل 2026
الحركة القضائية في تونس حسن مراد.jpg
الوضع الاستثنائي يتجاوز البعد الإجرائي المحض، ليمسّ بجوهر الضمانات المؤسسية لاستقلال القضاء (صورة أرشيفية/ حسن مراد/ Getty)
كريم المرزوقي
كريم المرزوقي باحث من تونس

صدر أمر رئاسي بتاريخ 8 أفريل/نيسان 2026 بتسمية الملحقين القضائيين المتخرّجين من المعهد الأعلى للقضاء بعدد من المحاكم، لتتكرّر مجدّدًا تسمية القضاة الجدد خارج الحركة القضائية السنوية التي المفترض أن يعدّها المجلس الأعلى للقضاء قبل إحالتها لرئيس الجمهورية لختمها. يتحوّل بذلك الاستثناء المفروض بسبب تغييب مجلس القضاء العدلي المؤقت منذ أوت/أغسطس 2023 إلى قاعدة تجعل أجيالًا جديدة من القضاة يتمّ تكوينها وتتخرّج ثم تقع تسميتها لمباشرة عملها في محاكم البلاد بأمر مستقل خارج الحركة السنوية للمجلس الأعلى للقضاء بوصفها الإطار الشرعي لإدارة المسارات المهنية للقضاة.

  • ليست سابقة أولى

ليست المرّة الأولى الذي يصدر خلاله أمر منفصل بتسمية القضاة الجدد خارج الحركة السنوية. إذ سبق وصدر الأمر الرئاسي عدد 711 لسنة 2022 المؤرخ في 20 سبتمبر/أيلول 2022 بخصوص تسمية الملحقين القضائيين ابتداءً من يوم 16 سبتمبر أي من اليوم افتتاح السنة القضائية 2022/2023. وكان المنتظر وقتها أن تصدر تسمية الملحقين في إطار حركة المجلس المؤقت للقضاء العدلي الذي وُضع على أنقاض المجلس الأعلى للقضاء. ولكن كان لرفض السلطة السياسية تنفيذ قرارات المحكمة الإدارية، الصادرة في أوت 2022، بإيقاف تنفيذ أمر إعفاء 49 من جملة 57 قاضيًا شملهم إعفاء 1 جوان/يونيو 2022، السبب في عدم صدور الحركة السنوية في ذلك العام، في سابقة تاريخية في تونس.

يتحوّل الاستثناء المفروض بسبب تغييب مجلس القضاء العدلي المؤقت منذ أوت 2023، إلى قاعدة تجعل أجيالًا جديدة من القضاة يتمّ تكوينها وتتخرّج ثم تقع تسميتها لمباشرة عملها في محاكم البلاد بأمر مستقل خارج الحركة السنوية للمجلس الأعلى للقضاء

فلم يصدر المجلس المؤقت أول حركة قضائية له إلا في أوت 2023 بخصوص السنة القضائية 2023/2024 والتي تضمّنت تجريدًا لعضوين من أصل 4 أعضائه بالصفة لمراكزهم القضائية بما أدى تباعًا، وبعد إحالة العضوين الآخرين على التقاعد، إلى فقدانه للنصاب وبالتالي تجميده. لتكون بذلك أول وآخر حركة يصدرها.

اقرأ/ي أيضًا: مقترحات مبعثرة لتعديل المجلة الجزائية.. تهافت وكلفة غياب المراجعة الشاملة

وضع أدى لتغييب الحركة السنوية ليصدر بخصوص القضاة الجدد أمر منفصل آخر لتسميتهم وهو الأمر عدد 32 لسنة 2025 مؤرخ في 20 جانفي/يناير 2025. وليصدر مجددًا هذا العام أمر جديد لتسمية آخر فوج للمتخرجين من المعهد الأعلى للقضاء.

ويؤشر غياب نسق دوري واضح لتسمية القضاة المتخرجين من شهر سبتمبر عام 2022 إلى جانفي عام 2025 ثم أفريل/نيسان عام 2026، وهي تسميات تمّت جميعها خلال سير العام القضائي، عن حالة اضطراب في إدارة المشهد القضائي ناتج عن غياب المجلس الأعلى للقضاء.

  • من الحركة السنوية إلى تجزئة المسار المهني

أدى غياب الحركة السنوية إذن إلى تفكيك وحدة المسار المهني للقاضي، بعد أن كان يُضبط في إطار رؤية شاملة توازن بين متطلبات التسمية والترقية والنقل وتأخذ بعين الاعتبارات المعطيات الموضوعية وبالخصوص منها احتياجات المحاكم. وقد أدى هذا التفكيك إلى تجزئة المسار المهني للقضاة بين أوامر منفصلة ومذكرات عمل وذلك بعد أن كان يُدار ضمن أمر واحد يتعلق بالحركة السنوية.

فعلاوة على تسمية القضاة الجدد بأمر يختلف تاريخ إصداره من عام إلى آخر، باتت تعيينات القضاة ونقلتهم تتمّ بمقتضى مذكرات عمل تصدرها وزيرة العدل تجاوز عددها ألف مذكرة بحسب بيان سابق لجمعية القضاة التونسيين. وهي مذكرات تصدر بحكم "الأمر الواقع" بمقتضى قانون 1967 والذي إن يمكّن لوزير العدل إصدار مذكرات خلال العام القضائي، فقد جعل طبيعتها استثنائية بالخصوص منها لمجابهة فتح محكمة خلال العام القضائي، دون على لزوم عرضها على المجلس الأعلى للقضاء. غير أنه اليوم تحوّلت هاته المذكرات لأداة مستقرة لإدارة الوزارة للمسارات المهنية للقضاة وهو ما يمسّ ضمانة جوهرية لاستقلال القضاء وهو عدم خضوع مسارهم المهني للسلطة السياسية.

يؤشر غياب نسق دوري واضح لتسمية القضاة المتخرجين من شهر سبتمبر عام 2022 إلى جانفي عام 2025 ثم أفريل عام 2026، عن حالة اضطراب في إدارة المشهد القضائي ناتج عن غياب المجلس الأعلى للقضاء

أما فيما يتعلق بترقية القضاة من رتبة إلى أخرى، فقد أدى تغييب المجلس إلى مأزق باعتبار أنه لا يمكن إنفاذ الترقيات إلا بأمر كان دائمًا وبشكل مستقرّ ضمن الحركة السنوية. مأزق اختارت السلطة في نهاية المطاف تجاوزه عبر أمر منفصل على غرار تسمية القضاة الجديد، وذلك بصدور الأمر عدد 396 لسنة 2025 بتاريخ 11 أوت 2025 لترقية قضاة إلى الرتبة الثانية والثالثة على التوالي على أن يبدأ مفعولها بداية من 16 سبتمبر 2024، أي أن الأمر جاء لتدارك وضعية واقعية سابقة في الزمن.

اقرأ/ي أيضًا: بين إرساء مؤجّل وسؤال الاستقلالية.. قراءة في مشروع المحكمة الدستورية في تونس

وقد سبّبت هذه التجزئة مساسًا بالاستقرار المهني للقضاة ومن ذلك تسجيل تغيير تركيبة الدوائر القضائية لثلاث مرات في السنة القضائية الواحدة على النحو المسجّل في مذكرة هيئة المحامين لوزيرة العدل المؤرخة في 26 جانفي 2026. وهو وضع أدى بالخصوص لسوء توزيع للقضاة بين المحاكم على نحو ما تعاينه كلّ عام الفروع الجهوية للمحامين، ومن ذلك شنّ فرعيْ سوسة والقيروان، يوميْ 7 و22 أفريل المنقضيين، إضرابات عامة أساسًا بسبب الشغورات القضائية.

  • جيل جديد يبدأ مساره المهني خارج المجلس الأعلى للقضاء

تعدّ تسمية الأفواج الأخيرة من المعهد الأعلى للقضاء، أي القضاة الجدد، بأمر منفصل خيارًا إجرائيًا ترقيعيًا أمام واقع الفراغ الهيكلي المتعمّد، فلا المجلس المؤقت للقضاء العدلي تم إحياؤه، ولا المجلس الأعلى للقضاء طبق دستور 2022 تم إرساؤه. فأمر التسمية وإن قدّم باعتباره حلًا عمليًا لتفادي تعطيل مباشرة القضاة الجدد لمهامهم، فهو يفضي فعليًا إلى نشأة جيل قضائي جديد يبدأ مساره المهني خارج إطاره المؤسسي الطبيعي أي خارج الحركة القضائية السنوية، وفي غياب المجلس الأعلى للقضاء.

تسمية الأفواج الأخيرة من القضاة الجدد، بأمر منفصل، تعدّ خيارًا إجرائيًا ترقيعيًا أمام واقع الفراغ الهيكلي المتعمّد، فلا المجلس المؤقت للقضاء العدلي تم إحياؤه، ولا المجلس الأعلى للقضاء طبق دستور 2022 تم إرساؤه

وضع استثنائي يتجاوز قطعًا البعد الإجرائي المحض، ليمسّ بجوهر الضمانات المؤسسية لاستقلال القضاء باعتباره يكرّس بمرور الوقت مسارًا استثنائيًا للمسارات المهنية خارج المجلس الأعلى للقضاء. وهو مسار من شأنه أن يُعيد تشكيل علاقة القاضي الجديد بمحيطه المؤسسي منذ بداية مساره المهني وذلك بارتباطه بالسلطة التنفيذية في غياب حاضنة مؤسسة أي مجلس مهمّته الرئيسية ضمان استقلال القضاء وحماية القضاة من أي ضغط أو تدخل.

وإن كان التعويل على قدرة القضاة على ممارسة استقلاليتهم وحيادهم انطلاقًا من ضميرهم، فذلك يظلّ محدودًا بطبيعته ذلك أنه لا يمكن تأمين استقلالية القاضي دون ضمانات فعلية. ففي غيابها، يسهل توظيف السلطة السياسية للقضاة على النحو المعاين في المحاكمات التي تستهدف المعارضين والتي تفتقر لمقومات المحاكمة العادلة وفي مقدمتها استقلال القضاة.

الكلمات المفتاحية

إيداع مبادرة تشريعية لتأجيل الانتخابات البلدية في تونس وتعويضها بنيابات خصوصية.jpg

ثلاث سنوات دون مجالس بلدية.. كلفة متصاعدة في تونس

يظلّ السؤال اليوم، في نهاية المطاف، هل سنرى يومًا ما قانونًا للبلديات يضمن مبادئ اللامركزية والديمقراطية المحلية ويعيد الاعتبار للبلديات؟ وهل ستُجرى قريبًا انتخابات بلدية تنافسية وشفافة ونزيهة، على خلاف مناخ إجراء الانتخابات التشريعية والرئيسية؟


قصر العدالة Getty.jpg

مقترحات مبعثرة لتعديل المجلة الجزائية.. تهافت وكلفة غياب المراجعة الشاملة

المبادرات التشريعية الأخيرة للنواب تكشف فجوة غياب المشروع الشامل لمراجعة المجلة الجزائية الذي تتعمّد وزارة العدل ركنه في الرفوف معطّلة واحدًا من أهم الإصلاحات التشريعية التي طال انتظارها طيلة السنوات الأخيرة


المحكمة الدستورية

بين إرساء مؤجّل وسؤال الاستقلالية.. قراءة في مشروع المحكمة الدستورية في تونس

"تأخّر إرساء المحكمة الدستورية يظلّ محفوفًا بمخاطر فراغ دستوري باعتبار أنّ رئيسها هو الذي يتولّى مهام الرئاسة بصفة مؤقتة في حالة الشغور الدائم لمنصب رئيس الجمهورية.."


القضاء التونسي قصر العدالة.jpg

قضاة تونس تحت سيف التفقدية.. وجه آخر لصناعة الترهيب

الاستجوابات الموجهة إلى عدد من القضاة على خلفية "آرائهم ومواقفهم الناقدة لما آل إليه الوضع القضائي" عبر جهاز التفقدية تأتي لتزيد في تبيان تمادي نفوذ السلطة السياسية على حساب القضاة المباشرين

4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين نُدين تواصل توظيف المرسوم 54
میدیا

4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54

نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54 ضد الصحفيين وآخرها الأحكام الصادرة بحق الصحفية خولة بوكريم، والنزاعات المتعلقة بالمضامين الإعلامية يجب أن تعالج في إطار المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر

أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل يحتجون بالعاصمة
مجتمع

أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل يحتجون للمطالبة بتطبيق قانون انتدابهم الاستثنائي

يواصل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، احتجاجاتهم رفضًا لـ"سياسة المماطلة في تنفيذ القانون 18 وإصدار الأوامر الترتيبة القاضية بانتدابهم".


الغش امتحانات بكالوريا غيتي.jpg
مجتمع

كم بلغ عدد حالات الغش خلال الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026؟

مدير عام الامتحانات الوطنية بوزارة التربية: الوزارة لا تهدف إلى معاقبة التلاميذ، بل توفير شروط النجاح لهم، مع التصدي لإصرار بعض الأطراف على التشويش على الامتحانات الوطنية

الترجي يتأهل إلى ربع نهائي كأس رابطة أبطال إفريقيا بعد فوزه على بيترو أتليتكو
منوعات

رسميًا.. "الفيفا" يرفع المنع من الانتداب عن الترجي الرياضي التونسي

تم تحيين جدول العقوبات في منصة منع الانتداب للفيفا، حيث أُزيل اسم نادي الترجي الرياضي التونسي رسمياً من قائمة الأندية المحظورة بعد تسوية ملفه

الأكثر قراءة

1
سیاسة

حزب العمال: عصا القمع ترتفع من جديد في وجه المعطلين عن العمل في تونس


2
مجتمع

العفو الجبائي 2026.. إشعار مهم للمطالبين بالأداء في تونس


3
مجتمع

نجاح أوّل عملية لتذويب جلطة دماغية باستعمال منصّة النجدة في مدنين


4
منوعات

يهم التونسيين.. إليك القنوات الناقلة لمباراة المكسيك وجنوب إفريقيا


5
مجتمع

عمليات سحب مفاجئة تطال أرصدة حرفاء بنك في تونس.. ما القصة؟