ultracheck
رأي

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا

8 يناير 2026
احتجاجات ANDREAS SOLARO أ.ف.ب.jpg
"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.." (صورة توضيحية/ANDREAS SOLARO/أ.ف.ب)
محمد بشير البلطي
محمد بشير البلطيصحفي من تونس

مقال رأي  

 

من ھو ھذا الشعب الذي نزل إلى الشارع یوم 17 دیسمبر/كانون الأول 2025 كي تتلقف السلطة السیاسیة في تونس حضوره وتبني علیه المكونات المفاھیمیة لما یعرف بـ"التفویض الشعبي"؟ منذ ذلك الیوم انضاف إلى معجم الخطاب السیاسي الأكثر تواترًا وتردیدًا مصطلح "التفویض" الذي یدعم كم الكلمات التي یرددھا الرئیس التونسي قیس سعیّد مثل "اللحظة التي أتت" أو "العبور" و"حرب التحریر" وغیرھا.

وعادة ما یرتبط طرح السؤال في حالتنا الراھنة بفرضیتین للإجابة إما من داخل نسق ھذا الخطاب أو من خارجه؟ ھذه الثنائیة تضعنا أمام صورتین متناقضتین مختلفتین متصادمتین، وبالعودة إلى السؤال الذي طرحناه في بدایة المقال حول ماھیة الشعب الذي نزل إلى الشارع في تاریخ إحیاء ذكرى الثورة التونسیة فلا شك أن الإجابة ستكون ومن دواخل الخطاب الذي یغرق المشھد إعلامیًا وحتى سیاسیًا بأن الشعب لیس كیانًا طبیعیًا جاھزًا، بل یبنى في الخطاب السیاسي عبر تجمیع مطالب فئات مختلفة: مھمشین وعمال وغیرھم  ویربطھا معًا في سلسلة واحدة وھو ما یدعمه الفیلسوف الأرجنتیني إرنستو لاكلو في كتاب "في العقل الشعبوي" عندما یقول "إن الشعب لیس معطى طبیعي بل بناء خطابي.." وھو ما یدحض فكرة التفویض بوصفھا نتاج خطاب لا حقیقة ثابتة.

وما یدعم كلام لاكلو أنه بالإضافة إلى الشعب الذي نزل إلى شارع الحبیب بورقیبة بالعاصمة التونسیة والذي یتحدث عنه الخطاب السیاسي الرسمي، ھناك شعب آخر جاب شوارع مدینة قابس في وقت سابق مُطالبًا بتفكیك الوحدات الصناعیة التي تسببت في ارتفاع نسب التلوث وأدت إلى حالات اختناق في أوساط التلامیذ الذین یدرسون في مدارس مجاورة وھناك من قبله شعب آخر نزل إلى الشارع للمطالبة بالحریات وإطلاق سراح المساجین السیاسیین.

إذا سلمنا بخطاب السلطة.. فإن ذلك یعني أن الشعب الذي نزل في ذكرى الثورة ھو الذي تتبنى السلطة مطالبه ومن باب المنطق فھي بذلك تقصي الشعب الآخر، وترتب عملیًا الشعب إلى درجات وفق الرسالة السیاسیة التي یعبر عنھا

لكن إذا سلمنا بخطاب السلطة الذي انطلق من الرئیس وصولًا إلى رئیسة الحكومة وقد ینتشر لدى المكونات القریبة من السلطة سواء محلیین أو نوابًا أو أحزابًا، فإن ذلك یعني أن الشعب الذي نزل في ذكرى الثورة ھو الذي تتبنى السلطة مطالبه ومن باب المنطق ھي تقصي الشعب الثاني والثالث، وترتب عملیًا الشعب إلى درجات وفق الرسالة السیاسیة التي یعبر عنھا، فحتى إن لم یھمس أي مواطن بكلمة تفویض، بل ربما كانت المشاغل والمطالب والشعارات التي رفعت یومھا فیھا الكثیر من التناقض أو حتى البراغماتیة -وفق منطق التعدد والتنوع الطبیعي الذي یمیز أي مجموعة بشریة بما تحمله من أفكار وتناقضات واھتمامات- فإن الخطاب السیاسي بنى سردیة أن تلك الجماھیر جاءت لتسلمه التفویض للمواصلة فیما یعتقد أنه المسار الصحیح الذي لا یوجد مسار غیره، بل ھو المسار الأوحد.

لكن لماذا التجأت السلطة إلى مصطلح "التفویض" والحال أنھا سلطة منتخبة؟ فعادة تكون الانتخابات ھي الآلیة الطبیعیة والسیاسیة التي تمكن الفائز من تنفیذ برنامجه مع الخضوع للمساءلة، وتكون الانتخابات الموالیة ھي المحدد لمدى رضا المواطن على ما قدمته السلطة خلال مدة توليها للحكم، بینما لا یكون التفويض شرعیًا إلا إذا كان محدودًا وقابلًا للمساءلة وخاضعًا للقانون فما ھي الآلیة السیاسیة التي فوض فیھا الشعب للسلطة الحالیة؟ ولماذا الحدیث أصلًا عن "التفویض الشعبي" والحال أن الرئیس شارك في الانتخابات الماضیة وفاز فیھا بفارق شاسع عن منافسیه، على الأقل وفق النتائج التي أعلنت عنھا ھیئة الانتخابات؟

ھذه الأسئلة وغیرھا تبقى معلقة، غیر أنھا قد لا تصلح عملیًا لفھم الواقع السیاسي في تونس منذ سنة 2021، فالخطاب السیاسي ومنذ ذلك الوقت أصبح یرى الشعب كتلة واحدة موحدة وھي الكتلة التي كانت متواجدة في الشارع في ذكرى الثورة ولیس أفضل من ذلك التاریخ الرمزي لتبني السلطة تصورھا للمرحلة المقبلة في مسعى للمرور "للسرعة القصوى" في كل ما یھم نظرتھا للتغییرات التي یجب أن تحدث انطلاقًا من كونھا تمثل الصوت الحقیقي للشعب مقابل كل الأصوات "المزیفة" الأخرى التي تطالب برفع الظلم وتحقیق العدالة وضمان الحریات.

لم یكن استعمال مفھوم "التفویض" جدیدًا ولا مستحدثًا ولا غریبًا عن الخطاب السیاسي.. غیر أن إسقاطه على واقع الحال في تونس في ھذه المرحلة إنما ھو تأكید على مسألتین مهمتين أولها أن الرئیس قیس سعیّد ماضٍ في تأكید نظرته للحكم

إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب، غیر أن ھذا المصطلح لیس بجدید فقد تم استخدامه مع بدایة القرن التاسع عشر، وقبلھا مع الثورة الفرنسیة لكن بتعبیرات مختلفة منھا السیادة الشعبیة والإرادة العامة إلا أن الاختلاف یكمن في مكر استعمال تلك المصطلحات لتكون غطاءً على احتكار السلطة، ففكرة التفویض یمكن أن تستعمل لتبریر سلطات واسعة تمنح عبر الانتخابات أو الاستفتاءات، بعدھا استعملته الأنظمة الشمولیة والفاشیة لتبریر تركیز السلطة مثل ألمانیا وإیطالیا كما شغلت حیزًا مھمًا في الخطاب السیاسي أثناء مرحلة الانقلابات العسكریة في بلدان أميركا اللاتینیة وأفریقیا والأنظمة العربیة، ففي نزول الجماھیر إلى الشوارع بأعداد كبیرة، تبریر لأفعال قد تكون مناقضة للدساتیر المتعاقد علیھا مثل تغییر السلطة بالقوة، وعادة یعتبر من یتولى السلطة على إثرھا أن التفویض ھو تسلیم بأن كل ما یأتیه من أفعال ھو تفویض باسم إرادة الشعب، نفس الشعب الذي یخفي شعبًا آخر لا یحمل نفس الأفكار والتصورات والمطالب.

التفویض لمن ضد من؟ 

لم یكن استعمال مفھوم "التفویض" جدیدًا ولا مستحدثًا ولا غریبًا عن الخطاب السیاسي في تاریخ العلوم السیاسیة ولا الأنظمة السیاسیة في العالم غیر أن إسقاطه على واقع الحال في تونس في ھذه المرحلة إنما ھو تأكید على مسألتین مهمتين: أولًا أن الرئیس التونسي قیس سعیّد ماضٍ في تأكید نظرته للحكم التي یعتبر فیھا أنه ملتحم بإرادة الشعب وكل ما یریده الشعب وأنه ھو مؤتمن على تنفیذ هذه الإرادة وتحقیقها، وأن "كل من لا ینسجم مع ھذا الواقع أو لا ینخرط فیه ھو بالضرورة معاد لفكرة الشعب"، فالشعب وفقه، "یرید المحاسبة ویرید مكافحة الفساد وھو الذي یرفض المعارضة ویعتبرھا خائنة لأنھا تتعامل مع أطراف خارجیة ضد مصالح بلدھا".

وثانیًا أن تأسیس فكرة التفویض دون آلیات تقنیة وھنا أقصد الاستفتاء أو الانتخابات، إنما هو تأكید على أن مساحات التراجع أو إعادة قراءة الواقع الذي تعیشه الساحة السیاسیة بمكوناتھا المختلفة وما وصلت إلیه لیس في وارد السلطة حالیًا، سواء خرج ذلك الشعب إلى الشارع بمحض إرادته دعمًا للسلطة أو نتیجة استعمال مقدرات الدولة للتعبئة والتحشید بتنسیق مسبق، فالأمر سیان لدیھا فما تریده في المرحلة الحالیة إنما هو المضي قدمًا في احتكار المشھد، وھو من ثوابت الخطاب السیاسي السائد في البلاد حاليًا، أن أي تراجع ولو تكتیكي إنما ھو "فتح للباب للعودة إلى الوراء أي إلى الفساد بمختلف تمظھراته والصراعات السیاسیة المرتبطة بأحزاب وشخصیات سیاسیة معینة"، وفقه. 

في استعمال مفھوم تفویض الشعب معان سیاسیة ترید سلطة سعیّد أن تدعم فیھا سردیة تحكمها في المشھد العام منذ سنة 2021، التي انقسم  فیھا الفاعلون إلى صنفین: شعب یعرف ما يريده، وقائد یتفاعل مع مطالبه خطابیًا على الأقل، وكل ما زاد على ذلك إنما ھي مشوشات تحاول في كل مرة تعكیر صفو تلك العلاقة

وتختلف "لحظة التفویض" عن "لحظة التغییر" أو "العبور" أو "حرب التحریر" فإلى جانب أن السلطة تختزل المواطنین متعددي التوجھات والأفكار والمطالب في شعب السابع عشر من دیسمبر/كانون الأول 2025، فإنھا تضیف إليه معطى تنظیمي نابع من مكونات النظام السیاسي الذي شكله دستور 2022 فالمجالس المحلیة مثلًا كانت فاعلة في طریقة التعبئة الجماھیریة.

وهذا ما یؤكد أن فكرة التفویض أو استعادة مفھوم التفویض في المرحلة الحالیة سبقته تحضیرات تشابه مراحل الحملات الانتخابیة وھو ناتج عن استشعار السلطة السیاسیة وداعمیھا ضرورة الاستعانة بالشارع لبعث رسالة إلى المعارضة أنھا مازالت تحتكم إلى الشعبیة الأكبر فحتى المسیرة الكبرى التي جابت شوارع مدینة قابس في أكتوبر/تشرين الأول الماضي ربطھا الخطاب السیاسي بنظرته للشعب الواحد الذي التحم مع رجال الأمن ضد كل یحاول اختراق تلك العلاقة وما عبر عنھم بالمناوئین الذین یعملون ضد مصالح ھذا الشعب.

ففي استعمال مفھوم تفویض الشعب معان سیاسیة ترید سلطة سعیّد أن تدعم فیھا السردیة التي تتحكم في المشھد العام منذ سنة 2021 التي تقسم فیھا الفاعلون إلى صنفین: شعب یعرف ما يريده، وقائد یتفاعل مع مطالبه خطابیًا على الأقل، وكل ما زاد على ذلك إنما ھي مشوشات تحاول في كل مرة تعكیر صفو تلك العلاقة، وهو أمر یتطلب إما تحییدھا أو تھمیش دورھا وربما التصدي لھا، وھذه حقیقة تتكرس في الواقع وتستمر في الزمن ولا یبدو أنھا ستتغیر قریبًا. 

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"


 

الكلمات المفتاحية

القضاة المعفيون بلعيد.jpg

أين استقلال القضاء في تونس؟

لا يمكن لقاضٍ أن يكون مستقلًا ومساره المهني بيد السلطة السياسية. وبالتالي لا يمكن لنا أن نثق في نزاهة العمل القضائي ولا في وجود محاكمة عادلة وبالخصوص في المحاكمات التي تستهدف الفاعلين في المجال العام


المعارضة التونسية رابطة حقوق الإنسان

ماذا تحتاج المعارضة.. نوستالجيا دستورية أم تجسير الثقة مع الشارع الاجتماعي؟

"منذ 2011 استغرقت النخب السياسية سلطة ومعارضة في أولوية "التأسيس" و"إعادة التأسيس الدستوري".. هذا الهاجس أظهر ولا يزال، اتجاهًا سائدًا في النخبة منعزلًا في برج عاجي، يبدو منشغلًا أساسًا بكيفية تقاسم السلطة.."


التلميذ التونسي وتأزم الحياة الثقافية والرياضية داخل المدرسة

التلميذ التونسي وتأزم الحياة الثقافية والرياضية داخل المدرسة

مذكرات العمل التي صدرت عن المندوبين الجهويين للتربية، والتي أقرّت منع هذه الاحتفاليات التلمذية المعروفة بـ"الدخلة" و"الكراكاج" وما شابه ذلك، منعًا باتًا بل واعتبارها مظاهر إخلال يعاقب عليها القانون.. قد خلقت جدلًا على منصات شبكات التواصل الاجتماعي وعلى الصفحات التلمذية المنشغلة بالشأن التربوي التونسي بين رافض ومؤيد


مؤتمر اتحاد الشغل.. إنقاذ المنظمة أم مزيد تفاقم أزمتها؟

مؤتمر اتحاد الشغل.. إنقاذ المنظمة أم مزيد تفاقم أزمتها؟

كان الصراع داخل اتحاد الشغل منذ ماي 2025، على الأقل، بين توجه يعتبر الأولوية خوض معركة مع السلطة في سياق رفض السلطة التفاوض وتعطيل تنفيذ الاتفاقات مقابل توجه آخر يعتبر الأولوية ترتيب البيت الداخلي وإنجاز مؤتمر قبل أوانه (تاريخ المؤتمر مفترض يكون بداية سنة 2027) وتجديد القيادة

istockphoto كرة القدم حكام تونس.jpg
منوعات

"بسبب خطأ تحكيمي جسيم".. تجميد نشاط الحكمين هيثم قيراط وأسامة شريط

أعلنت الإدارة الوطنية للتحكيم، الأحد 8 جانفي 2026 عن تجميد نشاط الحكمين هيثم قيراط وأسامة شريط، على خلفية ما اعتبرته “خطأ تحكيميًا جسيمًا وغير مبرر”، وذلك إثر المباراة التي جمعت النادي الإفريقي بالنادي الرياضي الصفاقسي

istockphoto طقس أمطار.jpg
منوعات

طقس تونس.. أمطار متفرقة ورعدية في بعض المناطق

أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأنّ طقس تونس، يوم الاثنين 9 فيفري 2026 يكون أحيانًا كثيف السحب بالشمال، مع نزول أمطار متفرقة وتكون مؤقتًا رعدية ومحليًا غزيرة خلال الفترة الصباحية بالمناطق الساحلية الشمالية، في حين تشهد بقية الجهات سحبًا عابرة


راشد الغنوشي بلعيد أ ف ب.jpg
سیاسة

تأجيل محاكمة راشد الغنوشي "على خلفية تبرّعه بقيمة جائزة غاندي الدولية"

مصدر قضائي: الدائرة الجناحيّة بمحكمة الاستئناف بتونس تؤجل النظر في القضية المرفوعة ضد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي "على خلفية تبرّعه بقيمة جائزة غاندي الدولية" إلى جلسة 27 فيفري 2026

داء الكلب في تونس غيتي.jpg
مجتمع

ارتفاع في حالات داء الكلب الحيواني وتسجيل إصابات مبكّرة في صفوف المجترات

أكّد رئيس دائرة الإنتاج الحيواني بالمندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بالقصرين، لطفي الصياحي، أنّ البلاغ التحذيري الصادر أواخر شهر جانفي الفارط بخصوص داء الكلب جاء نتيجة الارتفاع اللافت في عدد حالات الإصابة بداء الكلب الحيواني بالجهة، لاسيما في صفوف المجترات، وهو ما يُعدّ مؤشرًا مقلقًا مقارنة بالسنوات السابقة

الأكثر قراءة

1
منوعات

الترجي التونسي يُقيل المدرّب ماهر الكنزاري إثر الهزيمة في باماكو


2
سیاسة

خليل الزاوية: تونس تعيش مناخًا من الانغلاق والقمع والمحاكمات الجائرة


3
مجتمع

فاجعة وفاة رضيع بمنوبة.. فتح تحقيق وسط تنديد "بالتقصير والحرمان من العلاج"


4
منوعات

رابطة أبطال إفريقيا.. الترجي التونسي في مواجهة حاسمة أمام الملعب المالي


5
سیاسة

أنس الحمادي: وزارة العدل تتحكم في القضاة التونسيين والوضع محتقن وغير مسبوق