في عبثيّة القمع
9 يوليو 2026
مقال رأي
إلى حدّ كتابة هذه الأسطر، راكم إلياس الشّوّاشي، نجل القياديّ بحزب التّيّار الدّيمقراطيّ المعتقل في قضيّة "التّآمر على أمن الدّولة"، غازي الشّوّاشي، ما مجموعه 95 سنة و8 أشهر سَجنًا بتُهم شتّى. رقم تقول اللّجنة من أجل احترام الحرّيّات وحقوق الإنسان في تونس إنّه كافٍ لتأكيد "الانحراف الّذي يعاني منه القضاء التّونسيّ اليوم".
وقُلتُ "إلى حدّ كتابة هذه الأسطر" لأنّي لا أستطيع أن أضمن عدم تسليط أحكام جديدة على إلياس الشّوّاشي، بانتهائي من كتابة هذا المقال. وتحوّلت قضيّة الشّوّاشي إلى مادّة للتندّر على شبكات التّواصل الاجتماعيّ. فإلى جانب عدم جدّيّة التّهم المنسوبة إليه، حسب فريق الدّفاع، يعكس مجموع الأحكام عبثيّة في التّعامل مع الأصوات النّاقدة للسّلطة الحاكمة، حتّى وإن اختلف كثيرون مع أسلوبها ونبرتها، خاصّة أنّ الأمر يتعلّق، أوّلًا وأخيرًا، بأشكال مختلفة من التّعبير، من المفترض أن يضمنها الدّستور ويحميها.
ومنذ انقلاب الخامس والعشرين من جويلية/يوليو 2021، لم تستهدف آلة القمع، تضييقًا كان أو ملاحقاتٍ أو اعتقالًا أو محاكماتٍ، السّياسيّين فحسب، بل طالت، أيضًا، الصّحافيّين والمحامين والقضاة والحقوقيّين والنّقابيّين ورجال الأعمال والمسؤولين السّابقين والعاطلين عن العمل ومساندي القضيّة الفلسطينيّة وناشطي البيئة وطلّاب وتلاميذ ومغتَربين.. كما لم تقتصر على فئة عمريّة أو جهة سياسيّة أو لون أو جندر أو طبقة اجتماعيّة أو منطقة جغرافيّة.
في ظلّ المشهد البائس، ليس من العسير الانتهاء إلى أنّ ما يحدث في تونس اليوم لم يعد مقبولًا. فالقمع الممنهج يقوّض أسس الدّولة – الهشّة أصلًا - ويهدّد السّلم الاجتماعيّ. ولا يلوح في الأفق أيّ مؤشّر، ولو طفيف، لانفراجة قريبة
وتعمل آلة القمع، في أحيان كثيرة، بشكل عشوائيّ، ما دفع بالنّاشطة، نورس الزّغبي الدوزي، إلى دعوة الشّبان، بالخصوص، إلى التّأكّد من عدم تسليط أيّ عقوبة بحقّهم، حتّى لا يقع إيقافهم، في تدقيق أمنيّ روتينيّ.
وليس مفاجئًا إزاء هذا الوضع المزعج أن يُسدَل السّتار، الأربعاء، على أعمال الدّورة الثّانية والسّتّين لمجلس حقوق الإنسان التّابع للأمم المتّحدة بتأكيد ما بات يعرفه معظم التّونسيّين من أنّ بلادهم تشهد تدهورًا حقوقيًّا مقلقًا. سبق جلسات الدّورة الحالية تصريحات دوليّة بهذا الاتّجاه، من ذلك دعوة مفوّض الأمم المتّحدة السّامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في ماي/أيّار الماضي، السّلطاتِ التّونسيّةَ إلى ضرورة وضع حدّ "لنمط القمع المتزايد الّذي يستهدف منظّمات المجتمع المدنيّ والصّحافيّين والمدافعين عن حقوق الإنسان والشّخصيّات المعارضة والنّاشطين، وأعضاء السّلطة القضائيّة، عبر تحريك دعاوى جنائيّة ضدّهم وفرض قيود إداريّة عليهم"، دعوة تتقاطع مع تحذيرات لمنظّمات تونسيّة من خطورة الوضع.
اقرأ/ي أيضًا: هيومن رايتس ووتش تدقّ ناقوس الخطر وتدعو الأمم المتحدة لإدانة القمع في تونس
وأثارت لجنة الأمم المتّحدة للقضاء على التّمييز العنصريّ الوضع الخطير للمهاجرين من أفريقيا جنوب الصّحراء، بالتّزامن مع نشر صحيفة "لو موند" الفرنسيّة نداءً لحماية هذه الفئة الهشّة، رأى الموقّعون عليه، ومن بينهم المحامية، بشرى بلحاج حميدة، والمؤرّخة، صوفي بسّيس، أنّه "لا يمكن اعتبار الأحداث الموثّقة في السّنوات الأخيرة مجرّد حوادث معزولة، فهي تكشف عن ترسيخ تدريجيّ لمناخ من التّجريد من الإنسانيّة والوصم والإفلات من العقاب، وهو ما لا يهدّد المهاجرين فحسب، بل أيضًا المبادئ الأساسيّة الّتي يجب أن يقوم عليها أيّ مجتمع عادل".
ووثّق تقرير لجمعيّة تقاطع من أجل الحقوق والحرّيّات، صدر الأربعاء، 88 حالة استهداف لمنظّمات غير حكوميّة وناشطين بالمجتمع المجتمعيّ في الفترة الممتدّة من ماي/أيّار 2024 إلى ماي/أيّار 2026، ودعا السّلطات التّونسيّة إلى "احترام التزاماتها في مجال حرّيّة تكوين الجمعيّات وعملها".
التّاريخ يُعلّمنا أنّ أيّ نظام سياسيّ يَبني حُكمَه على الخوف، مآله الزّوال، منذ اللّحظة الّتي قرّر فيها استخدام آلة القمع كوسيلة للبقاء و/أو كعقيدة وجوهر لإدارته شؤون البلاد. تلك نهاية أولى أخلاقيّة، ستتلوها نهاية حقيقيّة، طال الزّمن أو قصر
في ظلّ هذا المشهد البائس، ليس من العسير الانتهاء إلى أنّ ما يحدث في تونس اليوم لم يعد مقبولًا. فالقمع الممنهج يقوّض أسس الدّولة – الهشّة أصلًا - ويهدّد السّلم الاجتماعيّ. ولا يلوح في الأفق أيّ مؤشّر، ولو طفيف، لانفراجة قريبة. بل إنّ سلطة الأمر الواقع تحظى، اليوم، في سياساتها القمعيّة، بدعم لا يُستهان به من قطاع من الرّأي العامّ، أي أنّ الأمر لم يعد يتعلّق بأجهزة ومؤسّسات رسميّة قمعيّة فحسب، بل بجزء من المجتمع يتبنّى القمع كأسلوب حكم ويُحرّض عليه.
اقرأ/ي أيضًا: تقرير: 88 حالة تضييق وملاحقة ضدّ جمعيات ونشطاء في تونس خلال العامين الأخيرين
وهو ما جعل البلاد تُختزَل في مشاهد الإيقافات التّعسّفيّة والمحاكمات الجائرة والأحكام السّرياليّة. لكنّ التّاريخ يُعلّمنا أنّ أيّ نظام سياسيّ يَبني حُكمَه على الخوف، مآله الزّوال، منذ اللّحظة الّتي قرّر فيها استخدام آلة القمع كوسيلة للبقاء و/أو كعقيدة وجوهر لإدارته شؤون البلاد. تلك نهاية أولى أخلاقيّة، ستتلوها نهاية حقيقيّة، طال الزّمن أو قصر.
وما بين اللّحظتين، ترتفع أصوات، بعد كلّ حُكم، وهي تصرخ "هل من مزيد؟"، وقد يصدق فيهم قول عبد الرّحمن الكواكبيّ: "وقد يبلغ فعل الاستبداد بالأمّة أن يحوّل ميلها الطّبيعيّ من طلب التّرقّي إلى طلب التّسفّل، بحيث لو دُفعت إلى الرّفعة لأبت وتألّمت كما يتألّم الأجهر من النّور، وإذا أُلزمت بالحرّيّة تشقى وربّما تفنى كالبهائم الأهليّة إذا أُطلق سراحها. وعندئذ يصير الاستبداد كالعلق يطيب له المقام على امتصاص دم الأمّة، فلا ينفكّ عنها حتى تموت ويموت هو بموتها".
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
ليسوا ديمقراطيين.. الأقنعة غير البريئة التي تخدم الاستبداد
"الاختلاف مع الآخر السياسي.. لا يمكن أن يحوّل أي ديمقراطي بحقّ إلى عدوّ للديمقراطية، وإن كان عكس ذلك، فهو منذ البداية ليس ديمقراطيًا، بل هو منتحل صفة.. "
الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟
في باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ
تونس والجزائر.. المقبول وغير المقبول
"من يهدّد تونس نخلولو الخيمة تاع والديه".. هل من المقبول أن يدلي الرئيس الجزائري بتصريح بتلك الصيغة؟
"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس
قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..
هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب
أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..