فيديو محاولة اغتصاب مهاجرة في تونس.. هل نطوي صفحة الإفلات من العقاب؟
7 يونيو 2026
مقال رأي
حينما انتشر مقطع فيديو لشابين اعتديا على مهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء بينهم امرأة حامل تعرضت لتهديد بالاغتصاب، سارع من يقدّمون أنفسهم أنهم حاملي لواء الدفاع عن السلطة في مواقع التواصل للإنكار مؤكدين أن الفيديو مفبرك ويندرج ضمن مخطط تآمري جديد. وهذا التفاعل هو دأبهم دائمًا مع أي فضيحة أو كارثة في البلاد، فالسيناريو الأول هو اعتبار أن كل ما يحرج السلطة أو يعكس فشلها في أي ملف ما هو مؤامرة، فإن فشلت الخطة وانكشف زيفهم كثبوت صحة الفيديو هذه المرة، لا يتحرجون بكل حياء للمرور للسيناريو الثاني وهو التبرؤ ثم المزايدة دائمًا في سبيل الدعاية للسلطة. أذكر أن تفاعل هؤلاء مع خبر صدور حكم إعدام ضد شاب في نابل على خلفية تدوينات ابتدأ أيضا بإنكار واتهام للمعارضة بنشر الأخبار الزائفة (وهذه جريمة بالمرسوم 54) وثم التبرؤ والتفاخر بأن الرئيس أنقذ الشاب بعفو. ففي كلّ الحالات، السلطة غير مسؤولة فهي إما متآمر عليها أو المنقذة وكل ماهو سلبي مسؤولية الغير.
لكن في فيديو الاعتداء على المهاجرين، ما يستوجب الوقوف عنده ليس تخبّط أبواق السلطة بل الحادثة في حدّ ذاتها. ليس من اليسير، في البداية، مشاهدة المقطع الذي يتضمن جرائم شنيعة كمعاينة امرأة حاملة تتوسّل المجرمين وهم يتلمّسون جسدها والتهديد بآلة حادة والنعت بكلمات نابية. ولكن من الضروري ألا نوري النظر لأن البعض لازال غير متيقّن من حجم الإجرام العنصري الذي بات يمارسه بعض التونسيين، وبوجه مكشوف، ضد مهاجرين مستضعفين باتوا يُنظر إليهم بأنهم أعداء للوطن لشرعنة استباحتهم. هذه الجريمة هي نتيجة لمناخ يسّر ممارستها ابتدأ بخطاب صوّر المهاجرين القادمين بأنهم أدوات للاستيطان من القوى المعادية. خطاب حفّز انتشار الكراهية وابتدأ بممارسة جرائم قولية تتضمن خطابات عنصرية مجرّمة توازيًا مع ما ظهرت إحالة قانون 2018 المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري على العطالة. وليس بداية الجرائم الجسدية إلا بسعار خطابي لا يقلّ خطورة لجهة آثاره عن الأفعال.
توجد مسؤولية محمولة على عاتق السلطة السياسية اليوم في إيقاف نزيف خطاب الكراهية والعنصرية، فالبعض يعتقد بجرائمه أنه يحمي البلد ويدافع عن سيادتها، وهو اعتقاد ناتج عن خطاب رسمي حفّز لتصوير المهاجرين بأنهم أدوات مخطط تآمري لتغيير التركيبة الديمغرافية للتونسيين
خطاب منتشر يمزج بين ممارسة العنصرية ضد السود، وهي منتشرة بين أبناء المجتمع التونسي نفسه، واستدعاء خطاب التآمر بتصوير المهاجرين من جنوب الصحراء بأنهم يريدون افتكاك البلاد. والحال أن جل هؤلاء المهاجرين دفعهم واقع بلدانهم إلى عبور الحدود في اتجاه شمال المتوسط، كما تدفع تونسيين إلى عبور المتوسط عبر القوارب نحو أوروبا، غير أنهم وجدوا أنفسهم في كماشة بـ"فضل" دور السلطات التونسية في منع الهجرة غير النظامية إلى السواحل الإيطالية، ما جعلهم في وضعيات هشّة. وهذا موضوع يطول الحديث عنه وهو لا يتجزأ عن معاينة تنامي أعداد المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء إلى تونس.
اقرأ/ي أيضًا: جمعيات وأحزاب تونسية: جرائم العنصرية تدلّ على انتكاسة خطيرة لحقوق الإنسان في تونس
وفي المقابل، فإن الذين تصدر عنهم ممارسات وخطابات عنيفة وعنصرية تجاه المهاجرين، تجدهم ذاتهم يشنّعون بما يتعرّض إليه المهاجرون التونسيون من أشكال تمييز تمارسها دول شمال المتوسط أو التيارات اليمينية الفاشية. مفارقة تؤكد للأسف العنصرية المزدوجة التي يقع ممارستها ضد المهاجرين، فأولًا بصفتهم أجانب أي دخيلين عن البلد، وثانيًا بصفتهم سود البشرة قادمين من دول فقيرة جنوب الساحل والصحراء.
وزارة الداخلية أعلنت، في الأثناء، أن فيديو الجريمة يعود لخمس سنوات، وأفادت بأن تحرياتها ستشمل الغاية من ترويجه في الوقت الراهن، بما يبيّن مواصلة التعامل معه بأنه فرضية أداة تآمر. ولكن مدة الخمس سنوات تجعل، في الحقيقة، سؤالًا آخر يجب طرحه وهو إن كان هذا الفيديو المسرّب هو مجرّد عيّنة من ممارسات إجرامية أخرى لم يتسن للعموم التعرّف على بشاعتها، وبالتبعية التعرّف على مآل حالة الوحشية التي انتابت البعض ممن يتقاسمون معنا الوطن. ببساطة: هل الفيديو هو حالة معزولة أم مثال لحالة إجرامية ممنهجة؟ المأمول هو الفرضية الأولى ولكن المؤشرات، التي عايناها طيلة السنوات الأخيرة، تميل للفرضية الثانية.
إن محاسبة مرتكبي جريمة الفيديو المنتشر، بما يضمن إنصاف الضحايا وردّ الاعتبار لهم، هو ضرورة لتأكيد عدم التساهل مع الاعتداءات ضد المهاجرين ولتوجيه رسالة ردع لمن بات يبيح لنفسه ممارسة الجريمة ضدهم. يجب إيقاف الإفلات من العقاب اليوم
وبالمناسبة، كان يمكن أن تكتفي الوزارة في بلاغها بالحديث عن الجريمة دون تذكيرنا بمجهودات الدولة التونسية لتشجيع المهاجرين غير النظاميين للعودة الطوعية لبلدانهم، وهو تذكير لا معنى له في بلاغ يُفترض أنه إعلامي بحت. خاصة وأنه يعطي انطباعًا بتوجيه رسالة اتصالية سلبية مفادها أن سبيل عدم تعرّض المهاجرين للجرائم هو العودة إلى بلدانهم. والواقع فعلًا، أن الأرقام الرسمية تكشف لنا تزايدًا في تدفقات العودة الطوعية، وهي إن كانت حالة مشروعة لمعالجة ظاهرة المهاجرين غير النظاميين، فإن السؤال المشروع أيضًا هو دوافع هاته العودة: هل هو اليقين باستحالة العبور إلى أوروبا أو استحالة ضمان حد أدنى من مقومات العيش الكريم في تونس أو بتحديات تتعلق بضمان الأمان واحترام الكرامة البشرية؟
اقرأ/ي أيضًا: أزمة الهجرة في تونس.. من الضحية ومن المسؤول؟
بالمحصلة، ما العمل بعد هذه الجريمة؟ يجب، في البداية، الانتباه إلى أن المزاج العامّ للتفاعلات عبّر عن رفضه لها وإن بدرجات مختلفة، ولذلك يجب التأكيد بأن من يمارسون العنف التمييزي ومن يستبيحون الآخر هم لا يعبّرون عن الضمير الجمعي للتونسيين. ولكن أيضًا، لا يجب أن نغض البصر عن حقيقة استفحال انتشار خطاب الكراهية والعنصرية الذين يمثّل بذاته جريمة وهو أيضًا وقود لارتكاب جرائم أخرى تمسّ من كرامة الإنسان وحرمة جسده وحقه في الأمان. وهنا، على السلطات أن تمارس دورها في التصدي للخطاب الحاضن لممارسة الجريمة لمنع تحوّله إلى سلوك عنيف ممنهج يصعب التصدّي له. حالة التساهل مع هذا الخطاب هي الخطوة الأولى التي أدت للتساهل مع ممارسة الإجرام بكل أشكاله.
ولذلك توجد مسؤولية محمولة على عاتق السلطة السياسية اليوم في إيقاف نزيف خطاب الكراهية والعنصرية، فالبعض يعتقد بجرائمه أنه يحمي البلد ويدافع عن سيادتها، وهو اعتقاد ناتج عن خطاب رسمي حفّز لتصوير المهاجرين بأنهم أدوات مخطط تآمري لتغيير التركيبة الديمغرافية للتونسيين. تونس ليست الاستثناء في العالم التي تواجه تصاعد تدفقات المهاجرين غير النظاميين الذين يأتون لتونس بوصفها بوابة عبور لأوروبا.
لا يجب أن ننسى أن ظاهرة المهاجرين غير النظاميين ضحيتها الأولى هم المهاجرون أنفسهم، وأن احترام الكرامة البشرية لا يختلف حسب الجنس واللون والعرق. لذلك ففي احترام كرامة المهاجرين احترام لإنسانيتنا قبل كل شيء
من المهم التذكير هنا بدراسة أجراها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عام 2019 شملت استطلاع لرأي المهاجرين من جنوب الصحراء أكدت أن أغلبيتهم يريدون الهجرة إلى أوروبا وأن 2 في المائة فقط منهم يريدون البقاء بتونس. وثم عندما تصاعد إغلاق أبواب الهجرة لأوروبا خاصة بعد الاتفاقية بين تونس وإيطاليا، التي لا نعلم لليوم تفاصيلها، وجدوا أنفسهم محاصرين في تونس التي اختارت سبيل برنامج العودة الطوعية لمعالجة تزايد أعدادهم. وهي عودة يجب تأمينها بشرط ثبوت عناصر الطوعية، في حين أن خطابات الكراهية والعنصرية والممارسات الإجرامية لا تعدّ من العناصر المؤسسة للطوعية.
وعليه، فإن محاسبة مرتكبي جريمة الفيديو المنتشر، بما يضمن إنصاف الضحايا وردّ الاعتبار لهم، هو ضرورة لتأكيد عدم التساهل مع الاعتداءات ضد المهاجرين ولتوجيه رسالة ردع لمن بات يبيح لنفسه ممارسة الجريمة ضدهم. يجب إيقاف الإفلات من العقاب اليوم. وبالنهاية، لا يجب أن ننسى أن ظاهرة المهاجرين غير النظاميين ضحيتها الأولى هم المهاجرون أنفسهم، وأن احترام الكرامة البشرية لا يختلف حسب الجنس واللون والعرق. لذلك ففي احترام كرامة المهاجرين احترام لإنسانيتنا قبل كل شيء.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
رسالة المعتقلين من سجون تونس.. أيّ وحدة مأمولة؟
توجّه 11 معتقلًا سياسيًا من داخل السجون برسالة للتونسيين والفاعلين في الشأن العام، تضمّنت دعوة للتوحّد و"تأجيل كل خلاف فكري وسياسي إلى أن تعود الديمقراطية".. فهل أن توحّد الديمقراطيين المختلفين بداهة في توجهاتهم السياسية والفكرية يؤمّن تغييرًا في موازين القوى بما يؤدي بالتبعية إلى إنهاء الانحراف الاستبدادي واستعادة المسار الديمقراطي؟
مرة أخرى حول السيادة.. عقول تُصدَّر وكهرباء تُرهَن
تلك هي المفارقة التونسية الراهنة: لم يسبق أن ارتفع صوت السيادة بهذا العلوّ، ولم يسبق أن كانت مضامينها بهذا الفراغ..
في عبثيّة القمع
"إنّ سلطة الأمر الواقع تحظى، اليوم، في سياساتها القمعيّة، بدعم لا يُستهان به من قطاع من الرّأي العامّ، أي أنّ الأمر لم يعد يتعلّق بأجهزة ومؤسّسات رسميّة قمعيّة فحسب، بل بجزء من المجتمع يتبنّى القمع كأسلوب حكم ويُحرّض عليه.."
رسالة المعتقلين من سجون تونس.. أيّ وحدة مأمولة؟
توجّه 11 معتقلًا سياسيًا من داخل السجون برسالة للتونسيين والفاعلين في الشأن العام، تضمّنت دعوة للتوحّد و"تأجيل كل خلاف فكري وسياسي إلى أن تعود الديمقراطية".. فهل أن توحّد الديمقراطيين المختلفين بداهة في توجهاتهم السياسية والفكرية يؤمّن تغييرًا في موازين القوى بما يؤدي بالتبعية إلى إنهاء الانحراف الاستبدادي واستعادة المسار الديمقراطي؟
منتدى الحقوق: نستنكر الانقطاع المتكرر للماء بالمتلوي ونساند تصعيد الأهالي السلمي
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: ندعو سلطة الإشراف إلى تحمل المسؤولية كاملة والتسريع في إيجاد حلول جذرية تضمن حق المواطنين في الماء الصالح للشراب بعيدًا عن منطق التسويف والتخوين
الدورة 46 لمهرجان باجة الدولي.. تعرّف على قائمة العروض
يضم برنامج الدورة 46 لمهرجان باجة الدولي 13 عرضا تتوزع بين المسرح والطرب والعروض الشبابية والموسيقى البديلة.
طقس تونس.. درجات الحرارة تواصل ارتفاعها مع ظهور الشهيلي
معهد الرصد الجوي: الريح من القطاع الجنوبي ضعيفة فمعتدلة ثم تتقوى نسبيًا قرب السواحل وبالمرتفعات