فاتورة الظلام.. عندما يدفع الفلاحون وصغار المهنيّين ضريبة العجز الطاقي
8 أغسطس 2026
يقف الزبون أمام رفوف التبريد في هذا المحل الصغير فيبدو له المشهد غريبًا ومحيرًا، ثلاجات شبه خاوية، خالية تمامًا من علب الحليب، والأجبان بمختلف أنواعها، والياغورت، واللحوم المجمدة. لا يعود هذا الفراغ المؤلم إلى أزمة نقص في التزويد أو انقطاع هذه المواد من الأسواق، بل هو قرار قسري واختيار مرّ اتخذه التاجر لحماية ما تبقى من رأس ماله.
لقد تعب من إلقاء شحنات الألبان والأغذية الحساسة في القمامة عقب كل انقطاع مفاجئ للكهرباء يمتد لساعات، فأخلى رفوفه طواعية وأوقف طلب هذه المنتجات الهشة. تحولت ثلاجاته إلى أثاث صامت ومظلم، ورفض أن يخوض رهانًا خاسرًا مع تيار كهربائي ينسحب بلا ميعاد، مُفضلًا خسارة مبيعات هذه المواد الأساسية على تحمّل خسائر بضائع فاسدة لا تعوّضها أيّ جهة.
إذ لم يعد القطع المتكرر للتيار الكهربائي في عدة مناطق تونسية مجرد إزعاج عابر يثير تذمر المواطنين في بيوتهم، بل تحوّل إلى نزيف اقتصادي يومي يُهدّد بإفلاس مئات الحرفيين وصغار المستثمرين. فمع كل شلل يمتد لساعات في شبكة الكهرباء، تتوقف محركات الإنتاج، وتتلف البضائع، ويجد أصحاب المشاريع الصغرى أنفسهم في مواجهة صامتة مع الخسائر ومخاطر الاندثار.
في محلات المواد الغذائية، تحول صوت المحركات المتوقفة إلى كابوس يطارد التجار. الثلاجات التي ينبغي أن تحفظ الألبان واللحوم والأغذية المجمدة تتحول خلال ساعات الانقطاع الطويل إلى صناديق دافئة تُعجّل بتلف المحتويات.
لم يعد القطع المتكرر للتيار الكهربائي في عدة مناطق تونسية مجرد إزعاج عابر يثير تذمر المواطنين في بيوتهم، بل تحوّل إلى نزيف اقتصادي يومي يُهدّد بإفلاس مئات الحرفيين وصغار المستثمرين. فمع كل شلل يمتد لساعات في شبكة الكهرباء، تتوقف محركات الإنتاج، وتتلف البضائع
يقول عامر بن ضية صاحب محل لبيع مواد غذائية إنّ "الخسارة لم تعد تُحتسب بالدينار، بل بشحنات كاملة من الحليب والأجبان نلقي بها في القمامة يوميًا. الزبون لا يقبل شراء مادة غذائية ارتفعت حرارتها، والشركات الموزعة لا تعوضنا. نحن نسدد فواتير الكهرباء المرتفعة بانتظام، لكننا بالمقابل نجني بضائع فاسدة وديوناً متراكمة." مضيفًا "أنا منذ أكثر من ثلاثة أسابيع أرفض الحصول على أي مواد غذائية سريعة التلف على غرار الحليب ومشتقاته والألبان وأيّ مادة قد تفسد بسرعة نتيجة انقطاع التيار الكهربائي لساعات، بل حتى ليوم كامل. كلّ ذلك أثّر على تجارتي بشكل كبير وتراجعت مرابيحي ولا نعلم نحن أصحاب المشاريع الصغرى من سيعوّض خسائرنا هذا العام".
مربو الدواجن والأرانب: صدمات حرارية ونفوق جماعي
في القطاع الفلاحي العصري والمكثف، تتضاعف المأساة داخل مخازن تربية الدواجن والأرانب، حيث تعتمد حياة آلاف الكائنات على نظام تهوية وتبريد آلي لا يحتمل الانقطاع المفاجئ. ومع ارتفاع درجات الحرارة وتوقف التهوئة، تتحول هذه المخازن في دقائق إلى اختناقات حرارية قاتلة. إذ فقد أحد مربي الدواجن في منطقة زغوان 90 بالمائة من دواجنه.
"الموت هنا لا ينتظر غدًا، انقطاع الكهرباء لساعتين في منتصف النهار يعني نفوق المئات من الأرانب والطيور اختناقًا بسبب توقف المروحيات. المولد الكهربائي الأوتوماتيكي يتطلب وقودًا وصيانة لا نملك كلفتهما. كل انقطاع للتيار هو حكم بالإعدام على قطيعي ومصدر رزق عائلتي." ويضيف أحمد بن كريم أحد أصحاب مزرعة تربية دواجن "لقد خسرت أكثر من ألف رأس من الدواجن بسبب الانقطاعات المتكررة للكهرباء. وطبعًا تربية الدواجن غير مدرجة في قائمة الأعمال الفلاحية التي قد تنتفع بتعويضات من صندوق الجوائح الخاص بالفلاحين. أشعر بالإحباط صراحة ولا أدري من سيعوض خسارتنا نحن مربو الدواجن بعد الكارثة التي حلّت بنا هذا العام". مضيفًا: "كلّما انقطع الكهرباء أخسر عشرات الطيور يوميًا".
مشاريع الزراعة المائية: مضخات معطلة وجفاف يعصف بالمحاصيل
لم تسلم المشاريع المُبتكرة مثل الزراعة المائية من هذه الأزمة، فهذا النمط الحديث يتطلب تدفقًا مستمرًا للمياه والمغذيات عبر مضخات تعمل بالكهرباء لتغذية الجذور. ويُمثّل توقف المضخات لساعات قطعًا لشريان الحياة عن النباتات التي لا تتحمّل جفاف الجذور لفترات طويلة.
يقول إبراهيم صاحب إحدى مشاريع الزراعة المائية في بنرزت، إنّ "الزراعة المائية تقنية دقيقة جدًا، ومنذ سنتين أطلقت هذا المشروع الصغير ولم أجد أي إشكال. ولكن هذا الصيف وبسبب الانقطاع المستمر للكهرباء خسرت كميات كبيرة مما أنتجه من خضروات. فإذا تتوقف المضخة يتوقف تدفق الأكسجين والماء، وتبدأ الجذور في التعفن خلال ساعات قليلة. وخسارة دورة زراعية كاملة تعني ضياع جهود أشهر واستثمارات بالآلاف في لحظة واحدة".
إبراهيم صاحب إحدى مشاريع الزراعة المائية في بنرزت: الزراعة المائية تقنية دقيقة جدًا، ومنذ سنتين أطلقت هذا المشروع الصغير ولم أجد أي إشكال. ولكن هذا الصيف وبسبب الانقطاع المستمر للكهرباء خسرت كميات كبيرة مما أنتجه من خضروات
في أحياء الحرفيين، من المخابز والمطاعم إلى ورش النجارة والحدادة والشباب المستثمر في خدمات الطباعة والتبريد، وصناعة الثلج وغيرها من المشاريع الصغرى، أصبح الوقت يُقاس بساعات الانتظار المظلمة. تتعطل الآلات الحساسة، وتتلف اللوحات الإلكترونية بسبب التذبذب المفاجئ في شدة التيار عند عودته، وتضيع ثقة الزبائن بسبب العجز عن الالتزام بمواعيد التسليم.
يقول شاكر الساحلي صاحب مشروع صناعة الثلج إنّ "الكهرباء انقطع في بعض المرات طيلة يوم كامل، عملي يحتاج إلى الكهرباء بصفة مستمرة. تسبب كل انقطاع للكهرباء في ذوبان الثلج وضياع ساعات من العمل". مضيفًا: "أقف مكتوف الأيدي أمام الآلات الساكنة بينما العمال ينتظرون أجورهم والزبائن يطالبون بطلبياتهم. التذبذب الكهربائي أحرق بعض الأجهزة باهظة الثمن، والأمر تجاوز قدرتنا على الاحتمال. المأساة ليست الظلام، بل التآكل اليومي لمصادر عيشنا."
تراجع استثمارات الشركة التونسية للكهرباء والغاز
وقد اعتبر المرصد التونسي للاقتصاد أنّ الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي الذي شهدته تونس خلال شهر جويلية/يوليو المنقضي، كشف عن اختلالات هيكلية في قطاع الكهرباء، من أبرزها التراجع الحاد في استثمارات الشركة التونسية للكهرباء والغاز "الستاغ" وتعطل مشاريع إنتاج الكهرباء منذ سنوات.
وأوضح المرصد، أنّ استثمارات "الستاغ" في وسائل إنتاج الكهرباء تراجعت بنسبة 87 بالمائة، من نحو 1.947 مليار دينار خلال الفترة الممتدة بين عامي 2016 و2020، إلى 248 مليون دينار فقط خلال الفترة بين 2021 و2025.
وجاء هذا الانخفاض في وقت واصل فيه الطلب على الكهرباء ارتفاعه بمعدل سنوي بلغ 3.8 بالمائة بين عامي 2021 و2025، فيما سجلت ذروة الاستهلاك مستوى قياسيًا بلغ 4888 ميغاواطًا في 14 أوت/أغسطس 2024، مقابل تباطؤ وتيرة إضافة قدرات إنتاجية جديدة.
في أحياء الحرفيين، من المخابز والمطاعم إلى ورش النجارة والحدادة ومكاتب خدمات الطباعة والتبريد، وصناعة الثلج وغيرها من المشاريع الصغرى، أصبح الوقت يُقاس بساعات الانتظار المظلمة. تتعطل الآلات الحساسة، وتتلف اللوحات الإلكترونية بسبب التذبذب المفاجئ في شدة التيار عند عودته
وأشار المرصد إلى أنّ مشاريع تابعة للشركة التونسية للكهرباء والغاز، بقدرة إجمالية تناهز 870 ميغاواطًا، ما تزال متوقفة منذ عام 2018، رغم استكمال ملفات طلبات العروض الخاصة بها.
وتشمل المشاريع محطة الدورة المركبة في الصخيرة بقدرة 500 ميغاواط، ومحطة لطاقة الرياح في جبل الطباقة بقدرة 80 ميغاواطًا، إضافة إلى ست محطات للطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة إجمالية تبلغ 300 ميغاواط.
وأرجع المرصد تعطل هذه المشاريع إلى عدم حصولها على موافقة وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، بصفتها الجهة المشرفة على الشركة، وفقًا للأطر القانونية والتنظيمية المعمول بها.
ورأى أن السياسات العامة أعطت خلال السنوات الأخيرة الأولوية للاستثمارات الخاصة والأجنبية في مشاريع إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، مقابل تراجع الاستثمار العمومي في وسائل الإنتاج.
تتجاوز أزمة الكهرباء اليوم نطاق التذمر الشعبي الشفهي لتصبح أزمة هيكلية تضرب النسيج الاقتصادي المحلي في عمقه. وبينما يستمر الحرفيون وأصحاب المشاريع الصغرى في إحصاء خسائرهم اليومية، يظل السؤال المطروح على السلطات والجهات المعنية، إلى متى يستمر قطاع الإنتاج الميداني في دفع فاتورة أزمة الطاقة؟
الكلمات المفتاحية

"باقون ما بقي الزيتون".. قصة تونسي يقود مبادرة استثنائية لتشجير أراضٍ في غزة
صاحب المبادرة التونسي عماد الرمضاني لـ"الترا تونس": الهدف لا يقتصر على دعم المزارعين لاستعادة نشاطهم الزراعي، بل يتجاوز ذلك إلى المساهمة في تثبيت الغزيين في أرضهم، في مواجهة مخططات التهجير القسري..

قرض جديد بـ500 مليون دولار يثير الجدل في تونس.. هل سيموّل الاستثمار أم الاستهلاك؟
كانت وزيرة المالية التونسية مشكاة سلامة قد أكدت أمام البرلمان أنّ هذا القرض يندرج في إطار التمويل مباشرة في إطار تعبئة الموارد الخارجية المبرمجة صلب قانون المالية. وشددت على أنّ القرض ليس استهلاكيًا.. وهو ما ينفيه مختصون ونواب بالبرلمان

تعليق التداول في بورصة تونس.. إجراء وقائي أم مؤشر خطر؟
تساؤلات عديدة في الساحة المالية والاقتصادية في البلاد، خاصة حول أسباب اتخاذ قرار تعليق التداول في بورصة تونس وتداعياته المحتملة.. فما رأي المختصين؟

طقس تونس.. سحب عابرة وأمطار متفرقة في بعض المناطق
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تتراوح بين 26 و31 درجة بالشمال وجهة الساحل

طقس تونس.. الحرارة في استقرار مع أمطار متفرقة وغزيرة ببعض المناطق
معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي قوية نسبيًا قرب السواحل الشرقية وبالجنوب وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

طقس تونس.. انخفاض في درجات الحرارة وأمطار رعدية في عدة جهات
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تواصل الانخفاض، لتتراوح القصوى بين 23 و28 درجة بالشمال والمرتفعات

تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية
تقام مباريات الجولة الرابعة للبطولة التونسية، أيام السبت 12 والأحد 13 والأحد 20 سبتمبر 2026 انطلاقًا من الساعة الرابعة بعد الزوال.




