عن أزمة المراحيض العموميّة في تونس
11 يوليو 2026
في مشهد متكرّر في الأعياد وفي الأيّام العاديّة تمتدّ رحلة القطار إلى العاصمة من إحدى المحافظات الغربية على ستّ ساعات وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المدّة المأمولة المنتظرة، وفي وضعيّات متواترة تغصّ العربات بالركّاب ويزداد غَصَصُها في كلّ محطّة حتّى تلتحم الأجساد وقوفًا وجلوسًا، فلا يكاد الراكب يحرّك ساقه أو يرفع يده حتّى لمجرّد مسح العرق المتصبّب.
تعوَّد "الهادي" هذه الظروف القاسية فلا فكاك من صبر الحاجة وتجلّد الخصاصة التي تُحوج صاحبها إلى الخدمات العموميّة الرديئة، غير أنّ "الهادي" في سفرته الأخيرة واجه حرجًا جعل دقّات القلب تتسارع وضغط الدم يرتفع وعضلات البطن والحوض تزداد توتّرًا وانقباضًا والحواسّ وأجهزة التنبيه في جسده لا تكاد تدرك غير منطقة من جسمه الأسفل، مثانة تمتلئ وتتمدّدُ جدارُها يكاد ينفلق، استأنس الهادي بخبرته في مثل هذه المواقف وبما تعلّمه من بعض المحتويات ذات المنحى الصحّى فعمد إلى تحويل تركيزه إلى مشاغل أخرى أمعن النظر في وجوه الركاب وقد أنهكتها أوجاع السفر والانتظار.
ظلّ على هذه الحالة حتّى خشي من سوء ظنّهم به، قرأ قصار السور، وسبّح ضاغطًا بإبهامه على الخنصر فالبنصر فالوسطى، تذكّر قول أبي هريرة في رواية المسعدي مُخاطبًا ظلمة الراهبة "في كم تسبيحة تسكرين؟، أجاب في سرّه لا شي يُسكرنا لا شي يُلهينا عن صراخ الجسد، لا شي ينسينا حالة الضيق والاختناق، تنفّس بعمق وبطء، زفير شهيق، زفير شهيق. ها قد اقتربت ساعة النزول، أخيرًا وصلنا، اندفع يمينًا إلى المرحاض الخاصّ بالمحطّة، اعترضه عامل مكلّف بالخلاص، فلم يلتفت إليه ومضى مباشرة إلى مَبولة مفتوحة لا تحافظ إلا على الحدّ الأدنى من الخصوصيّة، التلفت حواليه فرأى الاحتقان في وجوه من جاوره من شركائه في "محنة ندرة المراحيض".
إنّ قضيّة غياب المراحيض في الأماكن العامّة أو ندرتها أو افتقارها إلى النظافة والصيانة ليس أمرًا هيّنًا ويزداد خطورة كلّما تراجع الخوض في المسألة
تسنّى له بعد أن قضى حاجته في وضع يفتقر إلى اللياقة والآدميّة أن يلعن القائمين على النقل والطرقات والإدارات والبلديّات، أن يلعنهم وهو يتحسّس مثانته بيده طاردًا من ذهنه وساوس مخجلة، متسائلًا في حمد ورضًا: ماذا لو تأخر وصول القطار دقائق أخرى؟، ماذا لو غلبته؟، مستفسرًا في سخط وامتعاض: هل فكّر هؤلاء الجالسون في بيوتهم وفي مكاتبهم المكيفة كيف يقضي المواطنون حاجاتهم الفيزيولوجية الأساسيّة الحيويّة؟ كيف يفعلون ذلك وهم في سفر أو متجوّلين أو متنزهين أو منتظرين في المحطّات والمستشفيات والإدارات أو مولعين بالرياضة ممارسة ومتابعة في الملاعب أو الساحات أو المسالك الصحيّة؟
فشلنا في المونديال يوم أهملنا مراحيض مدرجات الجماهير!
يقول "مروان" موظف بإحدى المؤسّسات الاقتصاديّة، كلّما شاهدت ملعب حمّادي العقربي برادس في المباريات الكبرى شدّتني الجماهير والأهازيج والألوان، فأهمّ بالذهاب، لكننّي أستثقل الأمر بسبب صعوبة التنقّل، غير أنّ بنيّتي ذات التسع سنوات ألحّت عليّ فامتثلت، اخترت تجنبًا لصخب الدربيات وعنفها مباراة للمنتخب الوطنيّ وديّة خاضها نسور قرطاج استعدادًا للمونديال، فقد كان المقصد الاستكشاف والمتعة الخالصة، وجهزت نفسي لكلّ الاحتمالات والحاجات الطارئة، دخلنا الملعب بعد نصف ساعة من بداية المباراة وقبل أن ينتهي الشوط الأوّل طلبت منّي ابنتي التوجّه إلى المرحاض، وما إن بلغنا بابه حتّى وجدناه أسوأ من زريبة للبهائم، مشهد مقرف مقزّز جعلني لا أفكّر طويلًا في مغادرة الملعب، وأنا أردّد في قلبي، يا إلاهي هل أصبحنا مضطرين إلى ارتداء حفاظات قبل التوجه إلى مدارج ملاعب كرة القدم القذرة! لن نفلح ضدّ هولندا، ستكتسحنا اليابان وستعبث بنا السويد، لن ننهزم ضدّ هؤلاء لأنّنا فرطّنا في خدمات هذا اللاعب أو ذاك، فهزيمتنا في الكرة وفي كلّ المجالات صحّة ونقلًا وتعليمًا بدأت يوم استهنّا بالمراحيض، يواصل مروان، قائلًا: مؤشّرات الفشل تظهر حينما نعجز أو نغفل عن توفير هذا المرفق الصحّي الأساسيّ بالعدد المناسب والنظافة المقبولة في المؤسّسات العموميّة والخاصّة التي يرتادها المواطنون جماعات وفرادى".
في المستشفى وفي المدرسة "شدّ روحك" حتّى تعود
أمام إحدى المدارس الإعداديّة فيما كان عدد من النسوة ينتظرن خروج أبنائهن من الامتحان تحدّث "الترا تونس" إلى بعضهنّ حول مرفق المراحيض في المدارس والإعداديّات والمعاهد فكان الإجماع على أنّ الأمر لا يسرّ، ومن الإجابات المتكرّرة الطريفة الأمر بالنسبة إلى الفتيان أهون لأسباب بيولوجية ثقافيّة أمّا بالنسبة إلى البنيّات والصبايا فالأمر محرج للغاية في ظلّ افتقاد المراحيض إلى الحدّ المطلوب من النظافة، تقول إحدى المتدخلات "بنتي مُكرهة يوميًّا باش تشد روحها (تحبس عمليّة التبوّل) حتّى تعود إلى البيت".
مشكلة المراحيض هي قضيّة ذات أبعاد متنوّعة صحيّة وذوقيّة وأخلاقيّة وفكريّة لكنّها قد تفضح أبعادًا اجتماعيّة وسياسيّة.. والثابت من خلال عدد من الشهادات أنّ المراحيض في المقاهي والمؤسّسات العموميّة تتعرّض شأنها شأن جل المرافق العموميّة إلى السرقة والإتلاف
يحدث هذا في المؤسسات التربوية وفي المستشفيات وغيرها من المؤسسات العموميّة وهو أمر يمكن التحقّق منه بالتجربة والمعاينة، أو بالعودة إلى عدد من المحاضر الاحتجاجية الصادرة عن العمّال أو النقابات هنا أو هناك، أمّا التقارير الرسمية الجادّة ذات البعد العمليّ فتكاد تقتصر على المطاعم والمقاهي والأماكن السياحيّة التي يمكن مواجهتها بالتنبيهات والخطايا.
لا شكّ أنّ المدارس والمستشفيات والعديد من المؤسسات العمومية تحظى بموظفين مكلفين بالنظافة لكنّ الكمّ الهائل من المرتادين من التلامذة هنا والمرضى هناك، تجعل العامل عاجزًا عن القيام بهمته على أحسن وجهة، ويزداد الأمر تعقيدًا حينما يشكو هذا المرفق ضيقًا أو عطبًا أو انقطاعًا للماء.
المراحيض للزبائن فقط.. وجه آخر من وجوه الاضطهاد
يحدث أن يضيق الأمر بالمواطن، فلا يجد مراحيض ذات مواصفات آدميّة في المحطّات والساحات والمستشفيات فيتسلّل إلى إحدى الإدارات فيجد لافتة مكتوب عليها "للعاملين فقط"، يعود على أعقابه مندفعًا إلى أقرب مقهى، فيجد المرحاض مغلقًا، فيفهم بخبرته في المدن الكبرى أنّ المفتاح لا يسلّم إلّا للزبائن القارّين، فيصبح مُرغمًا على طلب قهوة وقارورة مياه معدنية إن لزم الأمر حتّى يتجرأ على طلب مفتاح المرحاض، لأنّ صاحب المقهى يمتلك الوقاحة التي تبيح له إرجاع لاجئ يتعرّض إلى لون من ألوان الاضطهاد الفيزيولوجي، كيف لا وهو المضطرّ وفق "فريد" إلى صرف أكثر من ثلاثة دنانير مطيّة لاجتياز بوابة مرحاض في مقهى مدّة لا تتخطّى الدقيقتين.
الثابت من خلال عدد من الشهادات أنّ المراحيض في المقاهي والمؤسّسات العموميّة تتعرّض شأنها شأن جل المرافق العموميّة إلى السرقة والإتلاف، فلا تعجب يقول "عبد المجيد" نادل بمقهى إن طمع اللصّ في صابون غسل اليدين أو الورق صحّي أو المناديل الورقيّة حتّى سلّة المهملات الصغرى قد لا تسلم لأنها بعيدة عن الأعين والكاميرا يضعها النشال في حقيقبته ويمضي، ويضيف محدّثنا: حتّى صرت أخشى أن أدخل المرحاض فلا أجد السيفون أو الشطّاف.
فضلًا عن السرقة يشكو أصحاب المقاهي من استهتار بعض الزبائن بالحدّ الأدني للنظافة لذلك يضطرون إلى كتابة ملاحظات تبدو بديهية لكنّها ضرورية على وجه التنبيه من قبيل "من فضلكم، اتركوا المرحاض عند المغادرة بالحالة نفسها التي وجدتموه عليها."
هذه المعطيات تظلّ نادرة جدًّا وهي في كلّ الأحوال لا يمكن أن تبرّر القمع والتمييز الذي يمارس على المواطنين عامّة والزبائن في تمكينهم عفويًا وتلقائيًّا ودون شروط من استغلال المركّب الصحّي في المقاهي والإدارات وغيرها من المرافق الخدماتية أو الترفيهيّة.
وضعيّة المراحيض عنوان كرامة ومعيار تحضّر
ما الذي يجعل كاتبًا أو صحفيًّا أو مدوّنًا يهتمّ بمشغل سفليّ بسيط في ظنّ الكثيرين لا يرقى عمقًا ودقّة وخطورة إلى القضايا السياسيّة والأمنيّة والفنيّة؟
إنّ الناظر في البحوث الاجتماعيّة والحضاريّة يكتشف أنّ تجربة "الهادي" في القطار هي مدخل إلى دراسة أخطر الهموم التي يواجهها الشعب في علاقة بالسلطة، ذلك أنّ أزمة المراحيض فيها نيل من حريّة المواطن وكرامته وأمنه الصحّي، بل إن وضعيّة هذه المساحة الصحيّة الضيّقة في عدد من الأماكن والمؤسّسات تنطوي على قمع وتمييز وإجرام يرقى إلى مرتبة التعذيب قصدًا أو على وجه الإهمال، على هذا النحو يمكن أن نصل بين المراحيض وأخطر العناوين الفلسفيّة والتشريعيّة والحقوقيّة، إنّي أرى أنّ الأقوال والحكم والأمثال والدراسات التي تربط هذا المرفق الصحّي بالتحضر والتمدن والتقدّم أكثر تواترًا من ملفوظات الانتخاب والديمقراطيّة والتداول على السلطة والبحث العلميّ.
إنّ توفّر المراحيض على النحو الكافي والمناسب في الفضاءات العامّة والخاصّة للأصحاء والمرضى ليس ترفًا أو اختيارًا يمكن تأجيله أو التنازل عنه، وهو ما يقتضي الالتفات إليه من زاوية تشريعيّة واضحة وجادّة وصارمة صياغةً وإلزامًا وتنفيذًا
يعتبر أبراهام ماسلو الباحث الأميركي، أن ضمان شروط النظافة واللياقة لعمليّات الإخراج تبوّلًا وتبرّزًا عنصرًا ضروريًا ضمن هرم الحاجات الفيزيولوجية التي لا غنى عنها لبقاء الإنسان على قيد الحياة، بناء على ذلك فإنّ توفّر المراحيض على النحو الكافي والمناسب في الفضاءات العامّة والخاصّة للأصحاء والمرضى ليس ترفًا أو اختيارًا يمكن تأجيله أو التنازل عنه، وهو ما يقتضي الالتفات إليه من زاوية تشريعيّة واضحة وجادّة وصارمة صياغةً وإلزامًا وتنفيذًا.
معضلة المراحيض شأن تشريعي وسياسيّ
اللافت أنّ التشريعات رغم حاجتها إلى التدقيق والتعميق والتوسّع لا تخلو من صرامة ففي الفصل الحادي عشر من كراس الشروط المتعلّق باستغلال المقاهي من الصنف الأوّل ينصّ القانون في بعض نقاطه على:
ضرورة أن يحتوي كلّ مركّب صحّي وجوبًا على دورة مياه تشمل على مقعد مجهز بغطاء وبطرّادة مياه وعلى حنفيّة ذات أنبوب مطاوع وعلى معالق ويكون بابها مُجهزًا بقفل من الداخل، وأن يكون الفضاء عازلًا به حوض لغسل اليدين وصابون سائل أو جامد ومجفّف كهربائي لليدين وإنارة كهربائيّة مع مرآة وسلّة مهملات وتتوفر فيه التهوئة الطبيعيّة أو الآلية الكافية على أن تفتح نوافذه على خارج المحلّ في صورة تهوئته طبيعيًا ولا ينبغي أن تقلّ المساحة الجملية للمركب الصحّي الواحد عن خمسة أمتار مربّعة. وتكون جدران المركّب ذات علوّ لا يقلّ عن مترين.
لا يحتاج المواطن العادّي إلى التفطّن إلى أنّ جلّ المقاهي أبعد ما تكون عن احترام هذه الشروط ممّا يدفع إلى التساؤل ما الذي يجعلها ناجية من العقوبات المنصوص عليها؟ هل يرجع الأمر إلى تقصير من المواطن الذي يتعفّف عن التبليغ أم أن المسألة فيها ما فيها من استخفاف وفساد ومحاباة؟
نخلص من خلال ما تقدّم إلى ثلاث نتائج:
أولًا: إنّ قضيّة غياب المراحيض في الأماكن العامّة أو ندرتها أو افتقارها إلى النظافة والصيانة ليس أمرًا هيّنًا ويزداد خطورة كلّما تراجع الخوض في المسألة، إِنْ من خلال المقالات الخبريّة أو التحليليّة أو من خلال حلقات النقاش على منصّات التواصل الاجتماعيّ أو في المجالس العلميّة والبرلمانيّة إن لزم الأمر.
ثانيًا: إنّ الوعي بأهمّية المراحيض كمًّا ونوعًا وصيانة لا يندرج فقد ضمن الوعي الصحّي فقط، إنّما هو آية من آيات الحكمة في إدارة المؤسّسات (A clean restroom is a sign of a well managed place) واللياقة في العناية بالبيوت، فجانب كبير من أخلاق العائلات والأسر يمكن أن تكشفه لنا مراحيضهم (You can tell a lot about a place by its bathrooms)
ثالثًا: مشكلة المراحيض هي قضيّة ذات أبعاد متنوّعة صحيّة وذوقيّة وأخلاقيّة وفكريّة لكنّها قد تفضح أبعادًا اجتماعيّة وسياسيّة تتمحور حول علاقة المواطن بالسلطة.
الكلمات المفتاحية
زيادات في أسعار الأدوية تخلّف استياءً واسعًا ومخاوف على المرضى في تونس
خلّفت مراجعة أسعار عدد من الأدوية، وإقرار زيادات في أسعار عدد منها، بعد المنشور الصادر مؤخرًا عن الصيدلية المركزية المتعلق بتحيين أسعار الأدوية والذي شمل نحو 300 دواء، تفاعلات عديدة في تونس.
البلاستيك مقابل الكراسات.. ما قصة هذه المبادرة البيئية الفريدة في قرقنة؟
مبادرة بيئية في قرقنة تحثّ التلاميذ على جمع النفايات مقابل مستلزماتهم المدرسية بعنوان "قرقنة صفر بلاستيك" وتحت شعار "معًا لعودة مدرسية سعيدة وبيئة نظيفة".. إليك التفاصيل
قمم مبتورة.. عندما تتحول الجبال في تونس إلى أكياس أسمنت
"ندوب" بيضاء ورمادية هائلة تشقّ الجبال وتلوح للناظر من على بعد كيلومترات. إنّها مقاطع الحجارة والرخام والحصى التي تعمل منذ عقود دون توقف..
"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس
قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..
هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب
أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..