عرض "العروسة Quartet" في دريم سيتي.. نساء يتكلمن بأياديهن
18 أكتوبر 2025
يقول الله عز وجلّ في وصفه للمادة التي خُلق منها الإنسان: "إنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ"، أي إنّا خلقناهم من طين لاصق، ووصفه باللُّزوب، لأنه تراب مخلوط بماء، وكذلك خلق ابن آدم من تراب وماء ونار وهواء، والتراب إذا خُلط بماء صار طينًا لازبًا. (تفسير الطبري).
على طريق الله وإليه تسير نسوة سجنان، لا محاكاة ولا منافسة، بل طاعة ولو عن غير قصد، عبر تطويع الطين لصنع أوانٍ فخارية بأشكال مختلفة ولاستعمالات متعددة، أليس النبي الكريم هو من قال: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه، وإن نبيّ الله داود كان يأكل من عمل يده".
تُعيد ست مؤدّيات، بين الموسيقى، الغناء والأداء، في عرض "العروسة Quartet"، إحياءَ حركات قديمة على شكل نوتات موسيقية، بين طقوس تطويع الطين ومقاومة النسيان
لن يتحول مقال ثقافي إلى مقال ديني، ولكن الشيء بالشيء يُذكر، وإنّ حدثًا ما يذكر بآخر وموضوعًا يؤدي إلى آخر، كما تؤدي أزقة المدينة العتيقة بتونس إلى فعاليات "دريم سيتي" الذي ترى ملامحه في فضاءات العرض الداخلية والخارجية، في وجوه الناس وفي جيوب التجار الذي تنتعش مداخيلهم جراء الأعداد المتزايدة لزائريهم.
"العروسة Quartet" جمع على الركح ستّ نساء، أربع منهن جلسن قبالة الجمهور هن "أماندا بّاريو شارميلو"، سندس بلحسن، "مارينا ديليكادو" و"مويا مايكل"، فيما جلست عازفة الكمان عائشة أورزباييفا إلى يسار المتفرجين واستقرت شاذلية سعيداني التي ستؤدي لاحقًا أغنية إلى أقصى اليمين خلف زميلاتها وشريكاتها في العرض.

ينطلق العرض بنص قرأته الفنانة سندس بلحسن، نورد منه مقطعًا:
"يا مرا
غزرتها ضايعة في الصورة
سكاتك مليان بنشيد النجوم
يديك مشققة كتراب الصيف
تجسد في أحلام طين غفى،
كل عروسة تنقشها
تروي حكاية قبيلة
حكاية ريح قديم يوشوش في اسمك"
اقرأ/ي أيضًا: "كل حاجة حلوة" في دريم سيتي.. أن تصبح الطفلة طوق نجاة أمها
على شاشة كبيرة، نرى فيديو لبداية رحلة سفيان وسلمى ويسي مع سجنان ونسائها، تصطحبهم إحدى نساء المنطقة في الرحلة كأنها مفتاح حياة جديدة يستلهمان منها العرض الذي تم تقديمه في أحد أكبر مهرجانات المسرح في العالم "Avignion" في الصيف الفارط.
في سجنان، تُشكّل النساء دمى طينية كأنهن ينسجن ذكرى مباشرة من الأرض بأيديهن، جمعت سلمى وسفيان ويسي حركاتهن، معارفهن وما تحمله أجسادهن من ذكرى وحتى صمتهن.
جمعاه بعناية كما تحمل أما رضيعها أو كما يحمل باحث قطعة أثرية.
عرض "العروسة Quartet"، هو مزيج بين أنواع مختلفة من الفنون: المسرح، الرقص، الموسيقى والسينما، وكما تمزج "السجنانيات" الطين بالماء وتزوّقنه، ينضح "العروسة Quartet" بمختلف الفنون ولكن خاصة بحركات اليد والجسد
ومن هذا النقل، وُلد عرض "العروسة Quartet"، عمل راسخ في الحاضر، تُعيد فيه ست مؤدّيات، بين الموسيقى، الغناء والأداء، إحياءَ حركات قديمة على شكل نوتات موسيقية، بين طقوس تطويع الطين ومقاومة النسيان، أليس آفة العلم النسيان؟
في تقاطع الفن والحرفة، بين الموسيقى الحية، والكتابة الكوريغرافية، والفيديوهات، والحضور الأدائي، يُتيح لنا هذا الشكل الجمعي رؤية عالم مُبتكر من خلال الحركة والشعور بها.
اقرأ/ي أيضًا: "صوت هند رجب".. هل يكفي أن يكون الموضوع جيدًا لصنع فيلم جيد؟
علاقة الكوريغرافيان ويسي مع سجنان ونسائها وفخارها تعود إلى حوالي 15 عامًا، حينها بدأت قصة حب توّجت بهذا العمل الفريد، فلا هو رقص محض ولا مسرح صرف، هو مزيج بين أنواع مختلفة من الفنون: المسرح، الرقص، الموسيقى والسينما، وكما تمزج "السجنانيات" الطين بالماء وتزوّقنه، ينضح "العروسة Quartet" بمختلف الفنون ولكن خاصة بحركات اليد والجسد.
تجسد الفنانات بحركاتهن وأياديهن، الحركات المتكررة للخزافات، حركات كادت تكون سيزيفيّة لولا أنها تُنتج تحفًا ترتقي إلى مرتبة الفن، ما جعل المعارف والمهارات المرتبطة بفخار سجنان تدرج ضمن قائمة التراث الثقافي العالمي غير المادي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو" عام 2018.

على أنغام آلة الكمان، تعيد الفنانات صناعة الفخار من جديد، عركه حتى يلين، تشكيله على النحو الذي يردن بحركات في الهواء قد لا تعني لك شيئًا في البداية، لكنها تذكرك بعد ثوان فقط بما تفعله الخزافات في شمال تونس وما تتحملنه من جهد انطلاقًا من استخراج الطين من الأرض بمشقة وصولًا إلى تزيينه.
وفي جزء من العرض تلتقي عازفة الكمان عائشة أورزباييفا بالخزافة شاذلية سعيداني وجها لوجه، فتنشد الأخيرة من أغاني تلك الجهة أو تلك الصنعة، فمثلما هناك أغان ترافق الصيد أو الحصاد، للفخار أثناء صنعه أغان تساهم ربما ودون قصد في تشكيله وصناعته على النحو الذي نعرفه.
ذاكرة الجسد
يحتفي العرض بالفعل اليومي لأولئك النسوة ويجعله حدثًا فريدًا يعبر عن فرادة الفعل الجسدي الذي لا تظهر آثاره فقط على أياديهن، بل على مناطق أخرى من أجسادهن أيضًا، لذلك وفي لحظة ما تستدير الممثلات وتنزعن قمصانهن وتواصلن نفس الفعل وحركات العجن والتشكيل فيرى الجمهور ظهورهن تنحني وتتلوّى متابعة لحركات اليد.
على ظهورهن، يُحمل الطين الخام وبين أياديهن يتشكل، ورغم المسافة القصيرة بين هذه الأعضاء تُروى حكايات كثيرة وطويلة عن المعاناة والتعب والأمل في أن تحظى أعمالهن وما صنعت أياديهن بالتقدير اللازم ماديًا ومعنويًا في بلادهن قبل الخارج.

في العرض، يصبح الجسد أرشيفًا حيًا، والمسرح ورشة للمعنى والتواصل، والفيلم المعروض أثرًا محترقًا لأياد عارفة، إنه عمل يُسائل الصنع: صنع الذات، والأشكال، والروابط، والقصص، يُسائل تعددية الأجساد الحرفية، أولئك الذين ينقلون، والذين يقاومون، والذين يحملون الذاكرة في أنفاسهم وأكفّهم.
بين الرقص والوثائقي والتكريم، تستكشف "العروسة Quartet" ما تقوله الإيماءات التي نعتبرها ربما تافهة، وما نفعله بالهشّ عندما يصبح قويًا وثمينًا.
هنا، تحمل كل حركة ذكرى، وكل نفس ترابط الأجيال. إنها أغنية صامتة، رقصة الأرض، دعوة للنظر بشكل مختلف، إلى ما يُنقل وما يتوارث عبر الأجيال وما يبقى.
يذكرنا العرض بأننا والطين متشابهان في رحلة الوجود والحياة، من الهشاشة لحظة الخلق إلى الشدة ولحظة النضج مرورًا بأوقات عصيبة تُشكلنا وتنحتنا.
إنه عمل ضد النسيان.
الكلمات المفتاحية

مسرحية الهاربات لوفاء الطبوبي.. مقاربة واقعية ببُعد فلسفي
فازت مسرحية الهاربات بجائزة التانيت الذهبي وبجائزة أفضل نص، وحظيت إحدى بطلاتها لبنى نعمان بجائزة أحسن أداء نسائي ضمن المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية في دورتها الـ26 لسنة 2025.

"بابورينو"... الأغنية التونسية التي شقّت عباب الذاكرة
في اللحظة التاريخية الفارقة للمجتمع ـ أيّ مجتمع ـ يمكن للإبداع أن يلتقط الأحداث والوقائع والرموز ويحوّلها إلى سرديات خارقة للأزمنة، تحمل في تجاويفها المعاني الخالدة والفكرة الجامحة التي تحلّقت حولها قلوب الناس ودَفعتهم إلى الفعل المُغيِّر، لتضعها في الأعالي اللامتناهية تحت شموس الذاكرة حفاظًا على الحقيقة الكاملة وجوهرها الكامن، همّةً للأجيال المتعاقبة ورصيدًا رمزيًا تتغذّى منه الهوية، وسندًا…

المتاحف في تونس.. في البحث عن فضاءات أفضل لحفظ الذاكرة
يجب مراجعة إدارة المتاحف في تونس كليًا حتى ترتقي إلى مستوى عالمي مرموق، فالقطع الأثرية التونسية ذات قيمة حضارية إنسانية ثابتة لا تزال المخازن تعج بها وفي حاجة إلى أن ترى الصيانة والعرض في أبهى حلة

المهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن".. احتفاء بمخرجات عربيات مبتدئات من 10 دول
زيادة على الإقامة الفنية التي ضمّت 14 مخرجة مشاركة من دول عربية عديدة، نظم المهرجان الدولي لفيلم المرأة "بعيونهن"، الذي تنظمه كل سنة الجامعة التونسية لنوادي السينما بمدينة نابل، مسابقة في الأفلام القصيرة العربية من إنتاج مخرجات نسائيات

المصادقة على قانون انتداب أصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم
صادق مجلس نواب الشعب يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025 خلال جلسته العامة على مقترح قانون عدد 23/2023 المتعلق بأحكام استثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي الذين طالت بطالتهم بالقطاع العام والوظيفة العمومية

محسن مرزوق: أزمة السياسة في تونس استبداد الحكم وتعفن المجتمع السياسي
قال السياسي التونسي محسن مرزوق في تدوينة يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025: "ما تعيشه تونس اليوم من فوضى حكم واستبداد وظلم هو وضع مرفوض طولًا وعرضًا". وأضاف: "حكم الرئيس قيس سعيّد الحالي يمثّل، في رأيي، جملة وخلاصة وتلخيص آثامنا وخطايانا خلال الفترة الممتدة من سنة 2011 إلى 2019 وما بعدها"

عميد المحامين التونسيين: جريمة اغتيال محمد الزواري لا تزال دون محاسبة حقيقية إلى اليوم
أحيت الهيئة الوطنية للمحامين بتونس، يوم الثلاثاء 16 ديسمبر/كانون الأول 2025،، الذكرى التاسعة لاغتيال الشهيد المهندس محمد الزواري، وذلك خلال تظاهرة انتظمت بدار المحامي بالعاصمة تونس، بحضور عدد من المحامين والحقوقيين وممثلين عن قوى سياسية ومدنية، إلى جانب شخصيات تونسية وفلسطينية

الملعب التونسي: اتفاق مبدئي مع عمار السويح لتدريب الفريق
الناطق باسم الملعب التونسي: عمار السويح، المتواجد خارج حدود الوطن، سيتمّم إجراءات تعاقده مع الملعب التونسي خلال فترة نهاية الأسبوع الجاري
