ضحايا غير مرئيين.. البكالوريا اختبار صعب للعائلة قبل التلميذ
29 أبريل 2026
"لم يكن الأمر سهلًا بالمرّة واستحال عليّ التوفيق والعدل بين أبنائي الثلاثة" هكذا عبّرت أم أحمد عن تجربتها الأولى مع بكرها في البكالوريا حيث لم تستطع أن توازن بين ما يحتاجه من اهتمام ودعم وظروف محفزة للنجاح، وما تتطلّبه العناية ببقيّة أبنائها خاصّة وأنهم في سنّ صغيرة يحتاجون من يصاحبهم في كلّ مراحل يومهم.
في البيت التونسي الذي يخوض أحد أفراده امتحان البكالوريا، يتسلّل الضغط بهدوء إلى الجميع فيصبح الوضع العام إنذاريًّا فكلّ الأنظار مركّزة على هذا التلميذ ولا تسمع سوى "خوك باك نقّص مالحس" ، "الماكلة هذي لأختك ما يمسها حد عندها باك"، "ما تعاركش خوك عندو باك"..
هذه الكلمات قد تخلق نوعًا من التمييز بين الإخوة يجعل البعض منهم يحسّ بالضغينة أو بالانزعاج من هذه الفترة التي يصبح فيها "غير مرئي".
في البيت التونسي الذي يخوض أحد أفراده امتحان البكالوريا، يتسلّل الضغط بهدوء إلى الجميع، فيصبح الوضع العام إنذاريًّا فكلّ الأنظار مركّزة على هذا التلميذ بما قد يخلق نوعًا من التمييز بين الإخوة
تقول أمّ أحمد إنّ المرحلة كانت كأنّها تخوض اختبارًا موازيًا لا يقلّ وطأةً عن امتحان ابنها، وتؤكد أنّ المسألة كانت رهانًا يوميًا صعبًا على إدارة توازن هشّ بين أبنائها.
في البداية، استأثر الابن الأكبر بمعظم الاهتمام، بحكم ثقل رهانات البكالوريا وما تحمله من قلق وتوقعات متراكمة. غير أنّ هذا التركيز لم يمرّ دون تداعيات. فالأخ الأصغر، الذي لا يزال في مرحلة تحتاج إلى اللعب والمرافقة، راح يُدرك تدريجيًا أنّ حضوره بات "غير مهمّ" داخل البيت.
بين حقيبة تُحضَّر على عجل ووجبات تُؤكل في صمت، كانت الأم تُحاول أن توزّع انتباهها بين ابن يستدعي التركيز والانضباط وآخر لا يطلب سوى حضورها.
اقرأ/ي أيضًا: "الباك سبور" في تونس.. ضغط نفسي وأسعار مشطّة
"كان يشعر بالغياب كلّما رآني أجلس أطول مع أخيه"، تقول، في إشارة إلى ذلك الصراع الداخلي الذي يظهر من خلال سلوكيات إشكالية يقوم بها سواء في البيت أو المدرسة في رسالة منه يقول فيها "أنا موجود أيضًا وأحتاج الاهتمام".
تواصل محدّثتنا أن تجربتها الثانية مع الابن الأوسط، كان أقلّ احتقانًا. فقد نشأ مبكرًا على إيقاعه الخاص، ينجز واجباته باستقلالية ويُدير وقته دون حاجة إلى متابعة مستمرة.
وتُقرّ الأم بأنّ "النظام الذي أرسيناه مبكرًا هو ما حمانا"، إذ أتاح لبقيّة الأفراد مواصلة حياتهم بشكل شبه طبيعي رغم ما فرضه عام البكالوريا من ضغوط.
أم لثلاثة أبناء لـ"الترا تونس": للعائلة أن تختار عام البكالوريا، إمّا أن يتحوّل البيت إلى حالة طوارئ مفتوحة يشعر فيها الجميع بأنّهم يعيشون في سنة حرب، وإمّا أن يُبنى توازن حقيقي يُبقي لكلّ طفل مساحته وحقّه في الاهتمام
لكنّ السؤال ظلّ يُلاحقها: هل يتحوّل بقية الأبناء إلى "ضحايا غير مرئيين" خلال هذه الفترة؟ تجيب بأنّ الأمر ليس حتميًا، بل يتوقّف جوهريًا على طريقة الأسرة في إدارة هذه المرحلة. فإمّا أن يتحوّل البيت إلى حالة طوارئ مفتوحة يشعر فيها الجميع بأنّهم يعيشون في سنة حرب، وإمّا أن يُبنى توازن حقيقي يُبقي لكلّ طفل مساحته وحقّه في الاهتمام.
وبين هذين الخيارين، تُقرّ الأم بأنّ أسرًا كثيرة تقع في الفخّ: فيُهمَّش الأبناء الآخرون وتُختزل الموارد والاهتمام في "مشروع البكالوريا"، حتى تُطلق جمل قاسية تتستّر خلف ضغط الواقع، من قبيل: "كلّ ما نملكه اليوم هو من أجل أخيك". عندها، لا يعود الامتحان شأن فرد، بل يغدو اختبارًا قاسيًا لعدالة الأسرة ذاتها.
البكالوريا داخل العائلة التونسية.. اهتمام زائد؟
وفي هذا السياق، ترى الأخصائية في التربية الإيجابية خديجة بسيّس أن الحديث عن "ضحايا غير مرئيين" داخل العائلة خلال سنة البكالوريا ليس مبالغة، بل واقع تعيشه بعض الأسر حين يختلّ ميزان الاهتمام.
وتوضح، في حديثها لـ"لترا تونس"، أنّه "لا توجد وصفة جاهزة تصلح لكل العائلات ولا لكل الأطفال"، مشدّدة على أن طريقة إدارة هذه المرحلة هي التي تحدّد إن كانت التجربة جماعية متوازنة أو عبئًا نفسيًا على الجميع.
خديجة بسيّس (أخصائية في التربية الإيجابية) لـ"الترا تونس": بعض البيوت التي يُجري أحد أفرادها امتحان البكالوريا، تتوقّف فيها الحياة فعليًّا.. فيخيّم التوتّر وتتصاعد المشاحنات، وتُستنزف الموارد المادية والنفسية
وتضيف أنّ بعض البيوت تتوقّف فيها الحياة فعليًّا: تُلغى الرحلات، تتوقّف الخروجات، ويُؤجَّل كل شيء باسم "عام البكالوريا".
في هذا المناخ، تقول بسيّس إن التوتّر يخيّم في البيت وتتصاعد المشاحنات، وتُستنزف الموارد المادية والنفسية. الأخطر، وفق تعبيرها، أن يُطلب من بقيّة الأبناء أن يتفهّموا هذا الوضع ويتنازلوا عن احتياجاتهم، "في حين أن هذا ليس أمرًا بديهيًا بالنسبة لطفل، ولا يتماشى مع طبيعته".
في المقابل، تدعو بسيّس إلى إعادة بناء التوازن داخل الأسرة، من خلال الحفاظ قدر الإمكان على الإيقاع اليومي المعتاد. "حتى في ذروة الضغط، يمكن خلق لحظات مشتركة بسيطة، كعشاء عائلي أسبوعي، تعيد الإحساس بالترابط"، تقول لـ"الترا تونس"، مؤكدة على أهمية إشراك بقية الأبناء في فهم ما يمرّ به أخوهم أو أختهم، بل وإدماجهم في التفكير في طرق الدعم، حتى يشعروا أنهم جزء من التجربة لا ضحايا لها.
اقرأ/ي أيضًا: الإعلان عن نتائج البكالوريا في تونس.. من الصحف الورقية إلى الإرساليات الإلكترونية
تضيف بسيّس أنه حين يُستشار الطفل في القرارات التي تمسّه، يشعر بقيمته داخل الأسرة، معتبرة أن هذا الوعي المبكّر يخفّف من شعور التهميش.
كما تؤكد على ضرورة تخصيص وقت خاص لكل طفل، بعيدًا عن ضغط الدراسة، من خلال أنشطة بسيطة لكنها ذات معنى: جلسة عائلية دافئة، مشاهدة فيلم، أو حتى حديث يومي يمنح الطفل إحساسًا بأنه مرئي ومهم. وتعتبر أن غياب هذه التفاصيل في ثقافتنا الأسرية هو ما يفاقم شعور الأطفال بالإقصاء خلال هذه الفترات.
خديجة بسيّس (أخصائية في التربية الإيجابية) لـ"الترا تونس": المبالغة في تمجيد مجهود تلميذ البكالوريا قد تدفع الطفل إلى ربط قيمته الشخصية فقط بالإنجاز الدراسي، أو تولّد لديه قلقًا مبكرًا من الامتحانات
وفي قراءتها الأعمق، تحذّر بسيّس من الرسائل غير المباشرة التي قد تصل إلى الأبناء الأصغر. فالمبالغة في تمجيد مجهود تلميذ البكالوريا قد تدفع الطفل إلى ربط قيمته الشخصية فقط بالإنجاز الدراسي، أو تولّد لديه قلقًا مبكرًا من الامتحانات.
لذلك، توصي بأن يكون التشجيع موجّهًا نحو الجهد لا النتيجة، وأن يسمع جميع الأبناء رسالة واضحة: "نحن فخورون بكم لأنكم تحاولون، لا فقط لأنكم تنجحون".
بهذا المعنى، لا تكون سنة البكالوريا مجرد محطة دراسية، بل اختبارًا حقيقيًا لوعي الأسرة وقدرتها على حماية توازنها الداخلي، حتى لا يكبر بعض أبنائها وهم يحملون شعورًا خفيًا بأنهم كانوا، يومًا ما، على هامش الحكاية.
الكلمات المفتاحية
حديقة البلفيدير.. تاريخ تليد يصارع أزمة بيئية رغم إعادة التهيئة
صيحة فزع يطلقها المجتمع المدني حول ديمومة حديقة البلفيدير، وعودة على حكايا الماضي وأساطيره والتحديات والخطوات المستقبلية
في تونس.. حيوانات أليفة تحولت إلى أفراد من العائلة
الارتباط والتعلق بالحيوانات الأليفة إلى حد اعتبارها فردًا من العائلة، ظاهرة نفسية اجتماعية نجدها في كل المجتمعات وعبر كل الحضارات.. شهادات من تونس، عن حيوانات تحولت إلى أفراد من العائلة
شواطئ تونس.. مخاوف من التلوث البحري مع انطلاق موسم الاصطياف
على طول عدد من الخطوط الساحلية المنكوبة، يروي البحر مأساته عبر ما يقذفه في عدّة شواطئ، جثث سلاحف بحرية قذفت بها الأمواج لتستقر هامدة فوق الرمال الملوثة بعد أن قتلتها سموم المياه، وبجوارها تتناثر أجساد طيور بحرية غارقة في رغوة كيميائية لزجة
4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54
نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54 ضد الصحفيين وآخرها الأحكام الصادرة بحق الصحفية خولة بوكريم، والنزاعات المتعلقة بالمضامين الإعلامية يجب أن تعالج في إطار المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر
أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل يحتجون للمطالبة بتطبيق قانون انتدابهم الاستثنائي
يواصل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، احتجاجاتهم رفضًا لـ"سياسة المماطلة في تنفيذ القانون 18 وإصدار الأوامر الترتيبة القاضية بانتدابهم".
كم بلغ عدد حالات الغش خلال الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026؟
مدير عام الامتحانات الوطنية بوزارة التربية: الوزارة لا تهدف إلى معاقبة التلاميذ، بل توفير شروط النجاح لهم، مع التصدي لإصرار بعض الأطراف على التشويش على الامتحانات الوطنية
رسميًا.. "الفيفا" يرفع المنع من الانتداب عن الترجي الرياضي التونسي
تم تحيين جدول العقوبات في منصة منع الانتداب للفيفا، حيث أُزيل اسم نادي الترجي الرياضي التونسي رسمياً من قائمة الأندية المحظورة بعد تسوية ملفه