"صوت هند رجب".. هل يكفي أن يكون الموضوع جيدًا لصنع فيلم جيد؟
16 سبتمبر 2025
أمضى التونسيون أيامًا يتأرجحون بين نافخ في الزمر مشيد وبين نافخ في الكير منتقد لفيلم "صوت هند رجب" للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، أثناء عرضه في مهرجان فينيسيا السينمائي.
والحقيقة وبغض النظر عن دوافع كل منهما أو قراءته للفيلم، وأي فيلم يُحدث جدلاً واختلافًا هو في الواقع أهم من ذاك الذي يُجمع عليه الناس والنقاد.
ومع انطلاق العروض في القاعات التونسية بدأ المتفرجون في تكوين آرائهم الخاصة التي لن تختلف في كل الحالات عن النقاد، ليس فقط لأن الاختلاف سمة إنسانية، بل لأن الفيلم حظي بدعاية كبيرة ما يجعل الانتظارات كبيرة قد لا يحتملها العمل ولم يسع إليها، فأي عمل ومهما كان فريدًا في موضوعه وإنجازه سيكون سقف انتظارات الجمهور أكبر ولأن القاعدة تقول: "Trop de communication tue la communication".
أمضى التونسيون أيامًا يتأرجحون بين مشيد ومنتقد لفيلم "صوت هند رجب" للمخرجة التونسية كوثر بن هنية.. والحقيقة أن أي فيلم يُحدث جدلاً واختلافًا هو في الواقع أهم من ذاك الذي يُجمع عليه الناس والنقاد
كان يمكن لصوت هند رجب وحده دون أي مشاهد أو مونتاج أو مؤثرات أن يفي بالغرض، كلماتها، ارتجافات صوتها، طلبها المساعدة، صياحها وبكاؤها، كانت كافية لتعيد تصويب فوّهات السؤال والاتهام والحكم تجاه العدو الصهيوني.
لماذا أنتم هنا؟ لماذا تستهدفون العُزّل والأطفال؟ لماذا هان الفلسطينيون على العالم وانقلبت الآية فأصبح المسلمون يقولون دون حياء: "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون" عوضًا عن بني إسرائيل لموسى؟
القصة كما يعرفها الملايين اليوم، تتمثل في استهداف جيش الاحتلال لسيارة مدنية يُقتل من بداخلها ما عدا هند رجب التي تبلغ فقط 6 سنوات، يُبلّغ عمها الهلال الأحمر المتواجد في الضفة الغربية بهذا الحادث وتنطلق محاولات التنسيق مع الصليب الأحمر لتتمكن سيارة الإسعاف البعيدة فقط 8 دقائق عن السيارة من الوصول.
اقرأ/ي أيضًا: "صوت هند رجب".. فيلم لكوثر بن هنية يمثل تونس في سباق الأوسكار 2026
التنسيق في هذه الحالات يتطلب ساعات وساعات، وقد لا يتم، وعشرات المكالمات الهاتفية بين أجهزة مختلفة من الهلال الأحمر الفلسطيني إلى الصليب الأحمر وصولاً لجيش الاحتلال الذي بيده الأضواء، أخضرها وأحمرها والرمادي منها، فقد يتركك تنتظر عمرًا بأكمله دون أن يجيبك، فتذوب أنت فوق جمر الانتظار.
طبعًا بقية القصة معروفة، لم يتمكن الهلال الأحمر من الحصول على تصريح إلا بعد ساعات طويلة ولدى وصول سيارة الإسعاف أطلق عليها النار فارتقى من فيها شهداء زيادة عن الطفلة الصغيرة.
تحدثتُ عن هند رجب سابقًا حين كتبت عن الألبوم الجديد للموسيقي التونسي أنور براهم، "بعد السماء الأخيرة" الذي افتتحه بمقطوعة "تذكر هند"، وكيف يفترض أن يكون عليه حال طفلة في مثل سنها وفي ظروف طبيعية، وصفتها حينها بأنها أجمل الفراشات وبالفعل تبين أنها كانت تدرس بقسم الفراشات بمدرسة اسمها إسعاد الطفولة.
كانت أحلامها بسيطة وفقًا لوالدتها، فقد كانت هند ترغب في زيارة البحر، بحر غزة الذي تسيطر عليه قوات الاحتلال أيضًا ولا تسمح للصيادين بتجاوز مسافة معينة (يمكن في هذا الصدد مطالعة رواية "ست الكل" للكاتبة تغريد النجار، وهي رواية موجهة لليافعين).
بحر غزة قصة أخرى وصراع على الثروات الطبيعية التي يحتويها خاصة الغاز، من هنا ربما نستشف إحدى غايات التهجير الذي تم التواطؤ عليه بين نتنياهو وترامب، سيستغل الأول بحرها والثاني شواطئها للسياحة.
تفاصيل القصة الأصلية
بتاريخ 29 جانفي/يناير 2024، تلقى الهلال الأحمر الفلسطيني اتصالًا من ليان حمادة (14 عامًا)، حيث طلبت المساعدة، وذكرت أن دبابة إسرائيلية قامت بإطلاق رصاص على سيارتهم في منطقة "دوار المالية" في حي تل الهوى جنوب غربي المدينة. خلال المكالمة، سُمع صوت صراخ الطفلة ليان وصوت كثيف لإطلاق الرصاص، ثم توقفت المكالمة فجأة. وكان الهلال الأحمر الفلسطيني نشر تسجيلاً صوتيًا، يُسمع فيه صوت الطفلة ليان وهي تحاول إخبار خدمات الإسعاف بما يدور حولها، وتقول: "عمو قاعدين بطخوا علينا، الدبابة جنبنا، إحنا بالسيارة وجنبنا الدبابة"، وبعد ذلك سمع صوت إطلاق وابل من الرصاص بينما كانت ليان تصرخ، لينقطع الاتصال.
بعد ذلك، حاول أفراد الهلال الأحمر إعادة الاتصال، وتبيَّن أن هندًا مازالت على قيد الحياة. أوضح سميح حمادة، عم الطفلة، في تصريح صحفي، أنه استمر في التواصل مع هند وحاول تهدئتها بأن سيارة الإسعاف في طريقها لإجلائها من الموقع. (في الفيلم كان أفراد من الهلال الأحمر بالضفة الغربية هم من يتواصلون مع هند).
اقرأ/ي أيضًا: "صوت هند رجب".. الفن السابع يدعم غزة
بعد ذلك وفي مهمة مستعجلة، توجه طاقم من الهلال الأحمر بتنسيق من خلال الارتباط الفلسطيني من أجل إنقاذها، لكن انقطع الاتصال مع الطاقم بعد ساعات من انطلاقه لإنقاذ الطفلة هند.
وفي وقت لاحق، وبعد 12 يومًا من انقطاع الاتصال بطاقم الهلال الأحمر والحصار الإسرائيلي، عُثر يوم السبت 10 فيفري/شباط 2024، على جثامين الشهداء الطفلة هند رجب حمادة (6 سنوات)، وخمسة من أفراد عائلتها، وأعلن الهلال الأحمر العثور على مركبة الإسعاف التابعة له في منطقة تل الهوى بمدينة غزة، أفاد الهلال الأحمر بأنه "جرى العثور على مركبة إسعاف الهلال الأحمر الفلسطيني مقصوفة، ما أودى بحياة المسعفين يوسف زينو وأحمد المدهون، بعد فقد آثارهما أثناء مهمة الإنقاذ.
ربما أن كوثر بن هنية وصلت إلى مرحلة من النضج جعلتها قادرة على إيصال أفلامها للعالم، فهي ليست الوحيدة التي اشتغلت على هذا الموضوع بالذات أو على القضية الفلسطينية عمومًا، ولكنها من أفضل من سوّق لها وجعلها محط أنظار العالم
ووفق تحقيق لصحيفة "واشنطن بوست" استعانت خلاله بصور الأقمار الصناعية، وجدت 4 مركبات عسكرية إسرائيلية على بعد أقل من 300 متر من موقع الطفلة وفي مرمى رؤيتها.
ووفقًا لذات التحقيق فإن الذخيرة التي أصابت سيارة العائلة وسيارة الإسعاف تلائم نوعية يستخدمها الجيش الإسرائيلي، ووفقًا لمختصين وخبراء أسلحة استعانت بهم الصحيفة، فإن تحليل المكالمة الهاتفية يظهر أن سيارة العائلة تعرضت لنحو 72 طلقة خلال 6 ثوان في وقت اتصال الطفلة.
كل ذلك طبعًا مع معرفة من في السيارة التي لم تكن تمثل خطرًا على الجنود.
تعاطي المخرجة مع الواقعة
لم تحتج كوثر بن هنية إلى جهد كبير في هذا الفيلم، العمود الفقري، التسجيل الصوتي، متوفر، مدة التصوير فقط أسبوعين، تم تصويره في أسبوعين بتونس العاصمة، الأحداث في مكان مغلق، مقر الهلال الأحمر، تمامًا كما هي غزة التي تتعرض للحصار منذ 2007، ويشعر المسعفون بالعجز تمامًا كما يشعر سكان القطاع الذين يعانون من كل الجهات، وحدها الأنفاق كانت ولا تزال شريان الحياة والمقاومة.
الفيلم الذي أدى بطولته كل من كلارا خوري، معتز ملحيس، عامر حليحل وسجا كيلاني، خلافًا لتصويره لما حدث للشهيدة الصغيرة، فإنه يبين الصراع بين العقل والقلب، بين عمر (يؤدي الدور معتز ملحيس) ومهدي (يؤدي الدور عامر حليحل)، بين مندفع بعواطفه نحو إنقاذ الطفلة حتى دون تصريح من جيش الاحتلال وبين رئيسه المباشر الذي يحاول أن يكون عقلانيًا وأن لا يعرّض طواقم الإسعاف إلى المخاطرة بأنفسهم إن هو جازف دون إذن.
لكن الأمر سيان، ففي النهاية تقصف سيارة الإسعاف رغم الحصول على تصريح، فلا عهد لأولئك ولا مواثيق.
ما يعد غير اعتيادي مثلاً أن ترى مقر الهلال الأحمر خال من الموظفين في الليل، عدا الأربعة الذي يحاولون إنقاذ هند، في حين من المفروض أن يكون خلية نحل صباحًا مساءً على امتداد الأسبوع.
كان من الممكن أيضًا تسليط الضوء على المعاناة اليومية لطواقم الإسعاف في قطاع غزة، فهم جزء أصيل من الرواية والفيلم.
ليس غريبًا على كوثر بن هنية استنادها إلى أحداث واقعية وقضايا رأي عام في أغلب أفلامها.. كانت المخرجة التونسية ذكية في التوجه لأعمال لها جمهور متابع لهذه القضايا محليًا أو دوليًا.. وفي المطلق لا يكفي أن يكون لك موضوع جيد لتنجز فيلمًا جيدًا
ليس غريبًا عن بن هنية استنادها إلى أحداث واقعية وقضايا رأي عام في أغلب أفلامها، فمن فيلم "شلاّط تونس" سنة 2012 ثم "على كف عفريت" سنة 2017 ثم "الرجل الذي باع ظهره" سنة 2020 يليه فيلم "بنات ألفة" سنة 2023، إلى "صوت هند رجب"، كانت المخرجة ذكية في التوجه لأعمال لها جمهور متابع لهذه القضايا محليًا أو دوليًا، وحده فيلم "زينب تكره الثلج" تحدث عن قصة عائلية خاصة ببن هنية.
اقرأ/ي أيضًا: بعد 6 جوائز موازية.. "صوت هند رجب" يتوج بجائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية
وفي هذه النقطة بالذات يقول بعض منتقديها إنها تستغل هذه الحوادث والقضايا ليس أكثر وأنها تركب موجة الإثارة أو الـ"Buzz"، وأنها لا تصنع جمهورها، بل تجده جاهزًا خاصة إن كان متابعًا لهذه القضايا، فيما يمكن اعتبار ذلك ذكاء منها، فهي تحول تلك المواضيع إلى قضايا تناقش في أكبر المهرجانات ولدى صُنّاع السينما في العالم.
المهم ربما أن كوثر بن هنية وصلت إلى مرحلة من النضج جعلتها قادرة على إيصال أفلامها للعالم، فهي ليست الوحيدة التي اشتغلت على هذا الموضوع بالذات أو على القضية الفلسطينية عمومًا، ولكنها من أفضل من سوّق لها وجعلها محط أنظار العالم، وسيكون الفيلم ممثلاً لتونس في جوائز الأوسكار فضلا عن جوائز عديدة في مهرجان فينيسيا أهمها الأسد الفضي، وذلك رغم تحفظ النقابة المستقلة للمخرجين المنتجين في تونس بسبب "شبهات تضارب مصالح في لجنة الاختيار"، وفق بيان صادر عنها منذ أيام.
وبالعودة إلى السطر الأول من المقال في الفصل بين الرأيين المتناقضين، نعتقد أنه وفي المطلق لا يكفي أن يكون لك موضوع جيد لتنجز فيلمًا جيدًا، ولكن تحقير العمل إلى درجة جعله مرادفًا للإسفاف فيه كثير من التجنّي والحيف، فبن هنية تقوم بما تجيد فعله منذ بدء مسيرتها مع الأفلام الطويلة، تحويل أو استغلال، قضايا راهنة أو مواضيع لها صيت واسع إلى أعمال فنية، ولغيرها الحرية في أن يخالفها الرأي والمنهج، أليس الفن رديفًا للانفتاح والاختلاف؟
ثم دعنا من رأيي ورأيك ورأي أولئك ولنلتجئ لمن هو أفقه منا، "ستانلي كوبريك" مثلاً، إذ يقول: "يفترض في الأفلام أن تكون أقرب للموسيقى عنها للقصة، دفعة من الأحاسيس المتعاقبة تؤثر في المشاهد تدريجيًا، بعد ذلك تأتي القصة والرسائل".

الكلمات المفتاحية
رواية "قبو الحفصية" لمحمد أمين بن هلال.. سرد شجاع يرسم الألم بلغة سينمائية
رواية "قبو الحفصية" الصادرة مؤخرًا للكاتب الصحفي محمد أمين بن هلال قُدّت من فكرة "الألم".. الرواية تحفر عميقًا في الجانب النفسي وخاصة علاقة الإنسان بالذاكرة
مسلسل المطبعة.. "الفشل" الناجح
يقوم مسلسل "المطبعة" الذي بث خلال شهر رمضان 2026 في جانب منه أو أغلبه على ثيمة الفشل.. فلا يكاد يخلو مشهد في المسلسل من شخصيات مجبولة، أو تكاد، على الفشل
فلسطين 36.. فيلم مضاد للزهايمر السياسي
يعرض فيلم "فلسطين 36" جذور المأساة الفلسطينية، ويكشف الدور الذي لعبته القوى الاستعمارية، وعلى رأسها بريطانيا، في صياغة واقع جيوسياسي خانق للفلسطينيين
4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54
نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54 ضد الصحفيين وآخرها الأحكام الصادرة بحق الصحفية خولة بوكريم، والنزاعات المتعلقة بالمضامين الإعلامية يجب أن تعالج في إطار المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر
أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل يحتجون للمطالبة بتطبيق قانون انتدابهم الاستثنائي
يواصل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، احتجاجاتهم رفضًا لـ"سياسة المماطلة في تنفيذ القانون 18 وإصدار الأوامر الترتيبة القاضية بانتدابهم".
كم بلغ عدد حالات الغش خلال الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026؟
مدير عام الامتحانات الوطنية بوزارة التربية: الوزارة لا تهدف إلى معاقبة التلاميذ، بل توفير شروط النجاح لهم، مع التصدي لإصرار بعض الأطراف على التشويش على الامتحانات الوطنية
رسميًا.. "الفيفا" يرفع المنع من الانتداب عن الترجي الرياضي التونسي
تم تحيين جدول العقوبات في منصة منع الانتداب للفيفا، حيث أُزيل اسم نادي الترجي الرياضي التونسي رسمياً من قائمة الأندية المحظورة بعد تسوية ملفه