صابة التمور التونسية.. كميات قياسية وجودة عالية مقابل تحديات التسويق
22 أكتوبر 2025
"إذا لم تتعب من أجل النخلة فلن تُعطيك حلاوة"، هكذا يلخص فلاحو قبلي فلسفة حياة، تقف وراء كل حبة تمر لامعة تصل إلى موائدنا. ففي واحات نفزاوة (الجنوب التونسي)، حيث النخيل الشامخ هو مصدر الرزق الوحيد، تُروى الأرض بالعرق والجهد منذ جانفي/يناير وحتى موسم الجني، بكلفة مادية وبدنية باهظة تُفصّلها أرقام التلقيح والخفّ والتغليف.
ورغم التضحيات التي يقدمها "الحاج حامد" وأمثاله، والمثابرة التي تبديها "فاطمة" في الفرز والتنقية، والمحاولات الحداثية التي يخوضها الشاب "علي" لمواجهة تحديات المناخ، يجد هؤلاء أنفسهم أمام مفارقة قاسية: صابة قياسية تتجاوز الـ 400 ألف طن، وجودة عالمية غير مسبوقة لـ "دقلة النور"، يقابلها مصير مجهول لـ 270 ألف طن، وانهيار في الأسعار المرجعية لا يغطي بالكاد تكاليف الإنتاج.
"الترا تونس" دخل إلى قلب واحات قبلي، ونقل شهادات من سهروا على الثمرة، واستمع إلى تحذيرات رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة من ضياع المحصول الوطني ما لم تتدخل الدولة بـ "استراتيجية تسويق كبرى" تفتح الأبواب الآسيوية والإفريقية لوقف استنزاف تعب الفلاح.
صابة قياسية للتمور في تونس وجودة عالية يقابلها "مصير مجهول" لأكثر من نصف الصابة، وانهيار في الأسعار.. "الترا تونس" دخل إلى قلب واحات قبلي، ونقل شهادات الفلاحين والمنتجين
يجلس الحاج حامد، ذو الستين ربيعًا، تحت ظل نخلة ورثها عن أبيه، يتحدث لـ"الترا تونس" وعيناه تائهتان في سعف النخيل: "فلاحة النخيل ليست عملاً موسميًا، بل هي حياة مستمرة. من جانفي/يناير إلى أكتوبر/تشرين الأول، ونحن في الواحة لا نغادر. يبدأ التعب من التلقيح في الربيع، وهي عملية دقيقة جدًا، تتطلب الصعود إلى قمة النخلة، نخلة بعد نخلة، حتى تضمن ثمرة سليمة. ثم تأتي عملية الخفّ، فنقوم بإزالة بعض الثمار لنمنح البقية فرصة لتكبر وتكون جيدة، وهذا جهد عضلي شاق".
اقرأ/ي أيضًا: موسم جني التمور في قبلي.. مُنتج دون المأمول وأضرار تلحق الصابة
ويتابع: "وبعدها، مرحلة تغليف العراجين لحمايتها من المطر والحشرات، وفي ظل هذا الحر الشديد، العمل فوق النخلة يكون كالجمر، لكننا نقول: 'إذا لم تتعب النخلة فلن تُعطيك حلاوة".."، ويضيف بأسى: "نأمل أن يُقدّر السوق هذا التعب، لأن تكاليفنا ترتفع كل عام، ونحن نخشى أن يُباع محصولنا الذي سهرنا عليه بأرخص الأثمان، فالنخلة الواحدة تكلف لتذكيرها 12 دينارًا ولخفها أو تمليصها 7 دنانير وتغليفها بين 15 و20 دينارًا وعند جمع المحصول "القطاع" يومه بـ60 دينارًا والعملة تحت النخلة 35 دينارًا للفرد".

أما فاطمة، وهي نموذج للمرأة التونسية التي تشارك زوجها في العمل الفلاحي، وتخصصت في جزء لا يقل أهمية عن الجني، تقول وهي تقوم بفرز التمور: "التعب الحقيقي ليس فقط في الصعود والقطع، بل فيما يأتي بعده. عندما نقطع العرجون، يكون العمل الشاق قد بدأ للتو".
وتابعت حديثها لـ"الترا تونس": "نقوم بعملية التنقية والفرز، نختارها حبة حبة. يجب أن نفصل دقلة النور الصنف الأول عن الباقي، ونزيل الحبات المتضررة أو غير الناضجة. هذه العملية تتطلب صبرًا وتركيزًا لساعات طويلة، خاصة عندما تكون الكمية كبيرة"، وتكمل حديثها عن دور العائلة: "نحن عائلة، الكل يعمل، الأطفال يساعدون بعد المدرسة، والزوج يتولى الري والمداواة. واحة التمور هي مصدر رزقنا الوحيد، ونحن نُكرّس لها وقتنا وصحتنا. فلا مصانع ولا استثمارات في هذه الجهة المنسية ونحن مازلنا نتمسك بأرضنا ونزرع النخيل في الصحراء وننتظر محصولنا لأنه مورد حياة بالنسبة لنا وتلك النخلة الشامخة التي يتداولون صورها في وسائل الإعلام تحتاج عمرًا من التعب والجهد والمصاريف لتصل إلى تلك المرحلة، حين يرى المستهلك تمرة لامعة ونظيفة، يجب أن يتذكر أن وراءها أيادي أنهكتها عملية الفرز والتنقية تحت أشعة شمس قبلي الحارقة."
رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة بقبلي لـ"الترا تونس": تحدي كبير يواجه قطاع التمور، إذ لا يتجاوز نصيب التصدير 130 ألف طن، وبقي مصير ما يقارب 270 ألف طن من الصابة القياسية مجهولاً، خاصة أن السوق المحلية لا تستطيع استيعاب هذا الحجم الهائل
أما علي فهو فلاح شاب من أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل لم ينتظر "الوظيفة الحكومية"، بل حاول تحديث تقنيات العمل في واحته الصغيرة، ولكنه اصطدم بالواقع الاقتصادي.
يقول علي: "العمل أصبح أكثر تعقيدًا. المناخ تغير، والحشرات والأمراض أصبحت أشد ضراوة. لا يمكننا الاعتماد على الطرق القديمة. قمت باستثمار في منظومة ري حديثة بالطاقة الشمسية ومازلت أدفع أقساط تكاليفها، وزدت من مرات المداواة الوقائية لضمان جودة "دقلة النور" التي توجه نحو التصدير".
اقرأ/ي أيضًا: موسم جني التمور في تونس.. وفرة في الصابة وجودة عالية مع صعوبات في الترويج
ويتابع حديثه لـ"الترا تونس"، موضحًا صعوبة العمل الجسدية والنفسية: "الصعود والنزول من النخلة يوميًا أثناء موسم الجني، هو خطر حقيقي على صحتنا. نحمل العراجين الثقيلة، ونعمل من شروق الشمس حتى غروبها. لكن أصعب ما نواجهه ليس التعب الجسدي، بل تعب الترويج. عندما تكون صابتك ممتازة، وتُجبر على بيعها بثمن لا يغطي تكاليف الكراء واليد العاملة والمداواة، تشعر أن كل جهدك ذهب سُدى. نحن نتمنى أن تدعمنا الدولة أكثر، وأن يتم إنشاء آليات حقيقية لتنظيم السوق، كي ينال تعبنا حقه".

من جانبه أكد رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة بقبلي، نصر اللطيف في تصريح لـ "الترا تونس"، أن "الموسم الحالي للتمور سجل صابة قياسية ذات جودة ممتازة، حيث تُقدر هذه الصابة في جهة نفزاوة وحدها بـ 300 ألف طن، بينما يتجاوز الإجمالي الوطني 400 ألف طن".
وأشار اللطيف إلى وجود تحدٍ كبير يواجه القطاع، ففي الوقت الذي لا يتجاوز فيه نصيب التصدير 130 ألف طن، يبقى مصير ما يقارب 270 ألف طن من التمور مجهولاً، خاصة أن "السوق المحلية لا تستطيع استيعاب هذا الحجم الهائل من المحصول"، وهو ما يثير قلقاً عميقاً لدى الفلاحين، وفق قوله.
رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة بقبلي لـ"الترا تونس": من غير المعقول أن يجتهد الفلاح ويطور من واحاته بتمويل ذاتي وينجح في توفير هذا المحصول الممتاز، ثم يجد صابته أمام عينيه بلا أي رؤية واضحة للتسويق
وشدد رئيس الاتحاد على أن هذه الصابة القياسية والجودة العالية هي نتاج جهود جبارة وتضحيات كبيرة من قبل الفلاحين الذين "ضحّوا بالغالي والنفيس"، على حد تعبيره.
وأوضح أن النخلة تتطلب عناية خاصة تبدأ من عملية التذكير والتلقيح في الربيع، مروراً بمراحل الري واستخدام الأدوية، وصولاً إلى التغليف والجمع، مشيراً إلى أن الفلاح يتحمل تكلفة المياه وأثمان مستلزمات الإنتاج.
كما لفت إلى أن صابة التمور تشهد ارتفاعاً مستمراً سنة بعد أخرى نتيجة مواصلة الفلاحين لعمليات غرس الواحات الجديدة، التي تدخل مرحلة الإنتاج تدريجياً بعد أن بذل الفلاح جهداً كبيراً للحفاظ على "الغرسة الصغيرة لتصبح نخلة منتجة".
وفي هذا السياق، اعتبر نصر اللطيف أنه "من غير المعقول أن يجتهد الفلاح ويطور من واحاته بتمويل ذاتي وينجح في توفير هذا المحصول الممتاز، ثم يجد صابته أمام عينيه بلا أي رؤية واضحة للتسويق".
اقرأ/ي أيضًا: صابة التمور في تونس.. توقعات بتقلص الإنتاج وتحديد لأسعار البيع
كما ألقى رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة بقبلي بالمسؤولية على عاتق الدولة، موضحاً أن الحل يكمن في تطوير استراتيجية تسويقية واضحة.
وانتقد "المحافظة على الأسواق التقليدية دون الانفتاح على أسواق جديدة"، داعياً إلى ضرورة التوجه نحو الصين والدول الآسيوية ككل، إلى جانب إندونيسيا والدول الإفريقية.
ونبه اللطيف أيضاً إلى مشكلة عدم احترام الأسعار المرجعية المتفق عليها. فبالرغم من تحديد السعر المرجعي لكيلوغرام "دقلة النور" بـ 5.200 دينار، وهو سعر لا يغطي فعلياً تكاليف الفلاح وجهده، إلا أنه لا يتم احترام هذا السعر، حيث تُقتنى التمور بأسعار تتراوح بين 3.500 و4.000 دينار للكيلوغرام، وفق قوله.
وعبّر عن استغرابه بقوله: "كيف يضطر فلاح قبلي لبيع "الدقلة" بهذا السعر الزهيد؟ ليراها لاحقاً في العاصمة والمدن الكبرى تُباع بـ 14 ديناراً للكيلوغرام الواحد".
وفي الختام، شدد رئيس الاتحاد على أن "التمور التونسية تحتل المرتبة الأولى عالمياً من حيث الجودة والمذاق، وتمثل مصدراً هاماً لاقتصاد البلاد"، مؤكداً على ضرورة وضع استراتيجية واضحة ومتطورة للتسويق لتمكين الفلاح من الاستفادة من ثمرة جهده، ومواصلة نشاطه لإنعاش الاقتصاد الوطني وتحقيق أرباح بالعملة الصعبة من هذا المنتوج الوطني المهم.

الكلمات المفتاحية

لماذا تثير العقوبات المطبقة على مخالفات الفوترة الإلكترونية الجدل في تونس؟
الإدارة العامة للدراسات والتشريع الجبائي بوزارة المالية، كانت قد أكدت، أنه تطبيقًا لأحكام الفصل 71 من قانون المالية لسنة 2025، ينطلق بداية من غرة جويلية/يوليو 2025، تطبيق العقوبات الخاصة بنظام الفوترة الإلكترونية، وذلك في إطار دعم الامتثال للواجبات المتعلقة بنظام الفوترة الإلكترونية.

اقتصاد تونس 2025.. النمو الأضعف عربيًا ومؤشرات تستوجب المراجعة
المنظمة الوطنية لرواد الأعمال: سنة 2025 كشفت عن جملة من المؤشرات الاقتصادية اللافتة التي تستوجب المراجعة قبل دخول سنة 2026، وسنة 2026 يجب أن تكون سنة تصحيح اقتصادي حقيقي، قوامه رفع نسق النمو، خفض البطالة، الحفاظ على استقرار الأسعار

اقتصاد الريع في تونس.. مسار متواصل بعد 15 سنة من الثورة
المختص في الاقتصاد رضا الشكندالي لـ"الترا تونس": اقتصاد الريع يخلق شرخًا اقتصاديًا وتفاوتًا بين من هم قريبون من السلطة ويتمتعون بالامتيازات وبين من هم من عامة الشعب وليس لهم حق الانتفاع بهذه الامتيازات

طقس تونس.. أمطار متفرقة ومؤقتًا رعدية وتساقط للبَرد
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة القصوى تتراوح عامة بين 12 و18 درجة، وتصل إلى 24 درجة في أقصى الجنوب الشرقي

أنيس بوجلبان يغادر الترجي الجرجيسي وسامي القفصي مدربًا جديدًا
الترجي الجرجيسي: تقرر تعيين المدرب سامي القفصي للإشراف على فريق أكابر كرة القدم خلفًا لأنيس بوجلبان.. ماذا تعرف عن المدرب سامي القفصي؟

الجولة 17 للبطولة.. الفوز لشبيبة العمران واتحاد بن قردان
انتهت الدفعة الأخيرة من مباريات الجولة 17 للبطولة التونسية بفوز كل من شبيبة العمران واتحاد بن قردان، في حين حسم التعادل مباراة نجم المتلوي ومستقبل سليمان

تبرير الفشل بالاستشهاد بالعقود الخوالي لم يعد مجديًا
لأنّ التّغيّرات المناخيّة ليست أمرًا طارئًا ولا حدثًا معزولًا، فإنّه من الضّروريّ التّركيز على رسم أهداف واضحة في قطاعات ذات صلة، أهمّها على الإطلاق كيفيّة تحقيق السّيادة الغذائيّة، وإن بشكل تدريجيّ

