ultracheck
رأي

رسالة المعتقلين من سجون تونس.. أيّ وحدة مأمولة؟

12 يوليو 2026
11 سجينًا سياسيًا يدعون في رسالة مشتركة للتوحّد لاستعادة الحرية والديمقراطية
"مبدأ التوحيد يقتضي البحث عن المدخل الأنجع لتحقيقه وعن الشروط التي تجعله قادرًا على إنتاج أثر سياسي حقيقي"
كريم المرزوقي
كريم المرزوقي باحث من تونس

مقال رأي 
 

توجيه 11 معتقلًا سياسيًا من داخل السجون رسالة للتونسيين والفاعلين في الشأن العام يندرج، في المقام الأول، ضمن ممارسة حرية النشاط السياسي، فهو تمسّك بعدم التنازل عن الحقوق والحريات رغم محاولة السلطة عزلهم عن الفضاء العام، ومنعهم من مواصلة تبليغ أصواتهم، وهي التي كانت كلفتها سلب الحرية. فالرسالة المنشورة قبل أيام ليست الأولى من نوعها، إذ سبق للمعتقلين في قضية "التآمر على أمن الدولة"، على وجه الخصوص، أن أصدروا بيانات بصفة جماعية أو فردية في أكثر من مناسبة منذ اعتقالهم في فيفري/شباط 2023 بعضها ارتبط أساسًا ببدء إضرابات جوع احتجاجية وبعضها بالتعبير عن مواقف من مسار القضية. تبليغ صوت المعتقل في ذاته مقاومة في مواجهة منطق السجن كوسيلة للعزل والصمت، فهو لا يعني تكميم الأفواه كما يُراد فرضه. هذا يحمل دلالة حيوية بالنسبة للمعتقلين ولنا فالسجن ليس مقبرة للصوت الحرّ، وهذا أيضًا ما يجب أن يعلمه السجّان الذي يراهن على الترهيب لإسكات الأصوات.

الرسالة الموجزة المنشورة، في الأثناء، تضمّنت محورين أساسين، الأول تضمن معاينة لإنهاء مكاسب الانتقال الديمقراطي بما أدى لعودة تونس إلى "المربع الأول للاستبداد والحكم الفردي المطلق"، والثاني، وهو جوهر الرسالة، تضمّن دعوة للتوحدّ بغاية استرجاع المكاسب بوصفه "المهمة المشتركة والجامعة لكل الديمقراطيين"، وضمن ذلك، كانت الدعوة لـ"تأجيل كل خلاف فكري وسياسي إلى أن تعود الديمقراطية وتسود الحرية"، مع التأكيد أن الخلافات سواء تعلقت بمسائل فرعية أو إصلاحات جوهرية "يمكن للتونسيين أن يبتوا في شأنها من خلال حوار بناء والاحتكام على ضوئه لصناديق الاقتراع".

تأجيل الاختلافات في عموميتها أو إنكارها ولو وقتيًا هو سبب للعطوبة، فالاختلاف الذي يجب تأجيله هو المتعلق بالقضايا التي لا تكون نجاعة الخوض فيها إلا في مناخ ديمقراطي وتنافسي لا في وضع استبدادي

دعوة التوحيد بالمناسبة لم تُطرح بصيغة وصائية بالنظر لأسلوبها الذي حرص على التوجه للديمقراطيين بصيغة "مناشدة الأصدقاء الديمقراطيين والمجتمع المدني". وهي حاملة لمصداقيتها بالنظر إلى طبيعة الممضين أنفسهم الذين ينتمون لتيارات سياسية وفكرية مختلفة، وكانوا في مراكز متباينة وأحيانًا متنافرة بشكل حدّي إبان مخاض الانتقال، وهو ما يؤمن مشروعية الدعوة من زاوية أنهم تلبّسوا بدعوة التوحيد قبل توجيهها للعموم.

بيد أن هذه الدّعوة حريّة بتدقيق مضمونها في مغزى البحث عن نجاعتها. والسؤال هنا: هل أن توحّد الديمقراطيين المختلفين بداهة في توجهاتهم السياسية والفكرية يؤمّن تغييرًا في موازين القوى بما يؤدي بالتبعية إلى إنهاء الانحراف الاستبدادي واستعادة المسار الديمقراطي؟ يصعب الجزم بذلك. والمسألة الأولوية الواجب التطرق لها قبل ذلك هو تبيّن مفهوم الوحدة الذي جاء عامًا إن كان يعني وحدة الخطاب أو الوحدة التنظيمية أو وحدة التحرّك الاحتجاجي أو غيرها من أسس هذه الوحدة المأمولة. فمبادرات التوحيد التنظيمي مثل جبهة الخلاص الوطني أو الخماسي الذي تحوّل إلى رباعي، وبغض النظر عن الصيغ الحاملة سواء جبهة أو تنسيقية، أثبتت محدوديتها سواء على مستوى قدرتها على التحوّل إلى عرض سياسي ناجع أو حتى على مستوى التعبئة الاحتجاجية.

ولكن ذلك لا يعني رفض أي توحيد بمنطلق أنه هدف إيجابي في ذاته، ولكن المطلوب منا البحث عن مدخل ناجع له. ولعلّ الحريّ اليوم دفع الفاعلين السياسيين الحاملين للمطلبية الديمقراطية لمراجعة تعثر الانتقال الديمقراطي وتبيان أسبابه وأخذ الدروس اللازمة من أجل تقديم عرض بعد تقييم يتضمّن مراجعة لمواطن الخلل وطرق معالجتها بغاية ضمان عدم تكرار الأخطاء في المستقبل. وهذا المخاض يفترض مراجعة جدية غير مخاتلة وغير متوتّرة أيضًا، وبما تقتضيه من تحميل للمسؤوليات. وهو تحميل لا يستهدف حصر فاعلين سياسيين بعينهم في الزاوية ومحاكمتهم في سياق يواجهون فيها أصلًا محاكمات يقودها السجان، بل يسعى إلى تجديد.

اقرأ/ي أيضًا: 11 سجينًا سياسيًا يدعون في رسالة مشتركة "للتوحّد وتأجيل كل خلاف فكري أو سياسي"

ولكن ذلك لا يعني، بأي حال، رفض مبدأ التوحيد باعتباره هدفًا إيجابيًا في ذاته، وإنما يقتضي البحث عن المدخل الأنجع لتحقيقه وعن الشروط التي تجعله قادرًا على إنتاج أثر سياسي حقيقي. فالوحدة يجب ألا تُبنى فقط على ضرورة تقاطع في مواجهة خطر مشترك ولغاية مشتركة، بل على وضوح في الرؤية بين الفاعلين السياسيين من جهة وتجاه التونسيين من جهة أخرى. ولذلك لعلّ ما تقتضيه المرحلة اليوم هو دفع مختلف الفاعلين السياسيين الحاملين للمطلب الديمقراطي إلى مراجعة مسار الانتقال الديمقراطي المتعثر، والوقوف على أسبابه، واستخلاص الدروس من أجل تقديم عرض سياسي جديد يقوم على التقييم والمراجعة، ويتضمن الاعتراف بمواطن الخلل وسبل معالجتها، بما يضمن عدم إعادة إنتاج الأخطاء نفسها في المستقبل.

يجب تبيّن مفهوم الوحدة الذي جاء عامًا إن كان يعني وحدة الخطاب أو الوحدة التنظيمية أو وحدة التحرّك الاحتجاجي أو غيرها من أسس هذه الوحدة المأمولة. فمبادرات التوحيد التنظيمي، أثبتت محدوديتها سواء على مستوى قدرتها على التحوّل إلى عرض سياسي ناجع أو حتى على مستوى التعبئة الاحتجاجية

غير أن هذا المخاض لا يمكن أن يكون منتجًا إلا إذا تم في إطار مراجعة جدية ومسؤولة وغير مراوغة أي بعيدة عن منطق التبرير أو التوتر، دون أن تضحي بالشجاعة اللازمة في تحمل المسؤوليات. وهذه المسؤولية لا تعني تحويل النقد إلى إدانة مشبوهة أو استهداف لفاعلين سياسيين بعينهم، ولا تعني محاكمة خصوم سياسيين في لحظة يواجهون فيها أصلًا محاكمات تقودها السلطة. نحن بحاجة للمصداقية التي خسرتها الطبقة السياسية سواء بين مكوناتها أو تجاه الجمهور العام من التونسيين، نحن بحاجة لإعادة بناء الثقة ببساطة.

ولذلك، فإن دعوة تأجيل الخلافات يجب تفكيكها، ذلك أن هناك خلافات أو بالأحرى اختلافات تشمل تقييم متباين لسنوات العشرية ومحطات وخيارات رئيسية خلالها، من المهمّ العودة لها اليوم. توجد أسئلة بحاجة للعمل الجماعي بشأنها للوصول لإجابات جامعة يمكن التأسيس عليها، ومن ذلك أي بناء ديمقراطي نريد؟ أي تصوّر للنظام السياسي الأنسب؟ أي تنظيم لازم في مناخ ديمقراطي بين مكونات الطبقة السياسية ورأسمال والإعلام والمجتمع المدني؟ وقبل ذلك، هناك سؤال أولّي يجب الإجابة عنه: كيف فشلت الطبقة الديمقراطية في بناء ديمقراطية قوية يدفع الجمهور العام للدفاع عنها؟ عندما أعلن رئيس الدولة التدابير الاستثنائية بما يتعارض مع الدستور، خرج تونسيون ابتهاجًا بذلك، ولذلك بدل الاكتفاء بالتنديد بالانقلاب، يجب علينا البحث لماذا فرح جمع واسع من التونسيين بهذا الانقلاب؟

اقرأ/ي أيضًا: جبهة سياسية معارضة: تونس تحتاج إلى حوار وطني لفتح أفق سياسي جديد

وإن النجاعة الإجرائية بهذا المعنى من لزوم الخوض في التقييم لا يمكن حصرها في المسائل السياسية الراهنة المحضة إذ تشمل، على الأقل في وقت لاحق، المواضيع الجوهرية الاختلافية المرتبطة بالخيارات الاقتصادية والمجتمعية. وهنا نستذكر أن ورقات هيئة 18 أكتوبر في علاقة في موضوع الهوية والعلاقة بين الدين والدولة هي مثال للنجاعة، عندما أطلقت رغم مناخ الاستبداد مسار لإذابة الجليد بين الخصوم الأيديولوجيين والحوار من أجل مشترك وطني، وهو ما تبيّنت فاعليته في مخاض صياغة دستور 2014 بعد الثورة. وإن أعتقد أن هاته المواضيع الجوهرية التي تؤدي لانقسامات أفقية وعمودية في آن، وهي من الطبيعة بما كان في أجل مجتمع متنوّع ومتعدّد، لن تكون تحديًا عويصًا خاصة وأننا خضنا هذا التمرين بنجاح عند كتابة الدستور، وعليه فمن المنتظر عند استئناف البناء الديمقراطي، العودة لما انتهى إليه التوافق عام 2014 بوصفه أرضية الحد الأدنى المشترك.

الوحدة يجب ألا تُبنى فقط على ضرورة تقاطع في مواجهة خطر مشترك ولغاية مشتركة، بل على وضوح في الرؤية بين الفاعلين السياسيين من جهة وتجاه التونسيين من جهة أخرى

وعليه في نهاية المطاف، نحن بحاجة لإسناد دعوة المعتقلين السياسيين في نداء التوحيد وبما يفترضه من الخوض في الاختلافات المرتبطة بالمطلبية الديمقراطية بروح البحث عن المشترك لا تصفية الحسابات، وبما ييسّر الوصول للوحدة المأمولة، بغض النظر عن إطارها ومضمونها وسقفها. ذلك أن تأجيل الاختلافات في عموميتها أو إنكارها ولو وقتيًا هو سبب للعطوبة، فالاختلاف الذي يجب تأجيله هو المتعلق بالقضايا التي لا تكون نجاعة الخوض فيها إلا في مناخ ديمقراطي وتنافسي لا في وضع استبدادي. 

من المهمّ الأخذ بمنطق ترتيب الأولويات، ولعلّ دعوة الرسالة تندرج في هذا المنطق، ولكن لا يجب القفز على ما هو ضروري. كما لا يفوت التأكيد على أن التأجيل بعنوان استعادة الصندوق كآلية للتحكيم ليس بالضرورة آمن وهو ما أثبتته تجربة الانتقال، فالصندوق في ذاته ليس مؤد للحل وليس ضامنًا له. وهنا بالمناسبة، وفي المستقبل، لسنا بحاجة لانتخابات شفافة وتنافسية فقط ولكن أيضًا لانتخابات في مناخ ضامن لكافة مقومات النزاهة وتؤمن تصعيد من هدفهم الاستجابة لمطالب التونسيين والدفاع عن مصالحهم مع قطع الطريق على المعادين للديمقراطية.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت" 

الكلمات المفتاحية

الاستبداد تونس الشاذلي بن إبراهيم Getty NurPhoto

ليسوا ديمقراطيين.. الأقنعة غير البريئة التي تخدم الاستبداد

"الاختلاف مع الآخر السياسي.. لا يمكن أن يحوّل أي ديمقراطي بحقّ إلى عدوّ للديمقراطية، وإن كان عكس ذلك، فهو منذ البداية ليس ديمقراطيًا، بل هو منتحل صفة.. "


الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟

الرّكود الدّيبلوماسيّ التّونسيّ.. عزلة مقصودة أم عجز مؤسّسيّ؟

في باب التّناقض الصّارخ بين الفعل والخطاب، اختار الرّئيس التّونسيّ الانكفاء على الذّات، رغم مطالبته، في مناسبات عدّة، بـ"إرساء نظام إنسانيّ جديد متقدّم على النّظام الدّوليّ الحالي". هذا الانكماش الخارجيّ لا يخرج، في المجمل، عن الانكماش الدّاخليّ


قيس سعيّد يشارك كضيف شرف في القمة السابعة لمنتدى البلدان المصدّرة للغاز بالجزائر.jpg

تونس والجزائر.. المقبول وغير المقبول

"من يهدّد تونس نخلولو الخيمة تاع والديه".. هل من المقبول أن يدلي الرئيس الجزائري بتصريح بتلك الصيغة؟


الثقافة هي ما يبقى بعد أن يفنى كل شيء

الثقافة هي ما يبقى بعد أن يفنى كل شيء

لماذا الفعل الثقافي مستهدف بالتهميش والإقصاء وقت الأزمة؟ لماذا يغير التونسي ترتيب الثقافة وقت الأزمة ويجعلها بل ويجعلها خارج أولوياته؟ لماذا لا تعتبر الثقافة في تونس معيشًا ضروريًا وقت الأزمة وخارجها؟

عائلات المفقودين
مجتمع

"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس

قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..

الممرضين تونس
مجتمع

هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب

أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..


لماذا تعترض جامعة التعليم الثانوي على المنصة الرقمية لتنزيل الأعداد الرقمنة غيتي.jpg
مجتمع

التحول الرقمي.. دعوة إلى مجانية الخدمات الإدارية الأساسية للمؤسسات

رحبت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة بما جاء في..

قائمة المدارس الخاصة في تونس
مجتمع

انتقادات لتركيبة الهيئة العليا للمجلس الأعلى للتربية.. ما التفاصيل؟

تم تعيين أعضاء بالهيئة العليا للمجلس الأعلى للتربية وهم..

الأكثر قراءة

1
سیاسة

محمد عبو: غازي الشواشي يواجه وضعًا صحيًا صعبًا داخل السجن


2
مجتمع

أسعار الزقوقو تحت ضغط تراجع الإنتاج.. وتحذيرات من المنتجات المهربة


3
اقتصاد

تفاقم عجز الطاقة في تونس وارتفاع واردات الكهرباء من الجزائر


4
مجتمع

وفاة طفل جرفته السيول في المكارم بسيدي بوزيد


5
مجتمع

ارتفاع نسبة البطالة لدى حاملي الشهادات العليا في تونس إلى 26.6%