حوار| مختص في تربية النحل: العسل المستورد يغزو السوق التونسية والقطاع مهدد بالاندثار
14 نوفمبر 2025
في ظل التغيرات المناخية والصعوبات الاقتصادية التي تواجه الفلاحة التونسية، أصبح قطاع تربية النحل يواجه هو الآخر تحديات متعددة، وفق المختصين، ولفهم واقع تربية النحل في تونس، حاور "الترا تونس" المختص في تربية النحل وعضو اتحاد النحالين العرب، وليد نقارة، الذي قدم قراءة للوضع الحالي، أبرز المخاطر، والحلول العملية المقترحة لدعم القطاع في تونس.
كيف تصف الوضع الحالي لقطاع تربية النحل في تونس؟
الوضع في قطاع تربية النحل اليوم معقد، هناك العديد من التحديات التي تواجه النحالين، أولها التغيرات المناخية، حيث يؤثر ارتفاع درجات الحرارة وشح الأمطار بشكل مباشر على إنتاجية النحل وصحته، الحرارة أثرت على سلوك النحل داخل الخلايا وعلى إنتاجيته. وقد أدى الجفاف المصاحب إلى نقص حبوب اللقاح، وهو المصدر الأساسي لغذاء اليرقات، ما اضطر النحل إلى قضاء وقت أكبر في جمع المياه لتبريد الخلايا والحفاظ على درجة الحرارة المناسبة داخلها، على حساب وقت جمع الرحيق اللازم لتغذية اليرقات وإنتاج العسل ثم إن قطاع تربية النحل تابع للفلاحة، وإذا عانت الفلاحة من 7 سنوات جفاف، فإن النحل يعاني أيضًا. المساحات الرعوية تقلصت كثيرًا بسبب الجفاف وحرائق الغابات.
المختص في تربية النحل، وليد نقارة لـ"الترا تونس": الوضع في قطاع تربية النحل معقد، هناك العديد من التحديات التي تواجه النحالين، أولها التغيرات المناخية، حيث يؤثر ارتفاع درجات الحرارة وشح الأمطار بشكل مباشر على إنتاجية النحل
ما أبرز الأمراض التي تهدد النحل في تونس؟ وكيف يتم التعامل معها؟
الأمراض متنوعة، منها الفيروسية والبكتيرية. الأمراض الفيروسية ليس لديها أدوية متوفرة، بينما الأمراض البكتيرية توجد لها أدوية محدودة جدًا، ومعظمها غير مرخص رسميًا. على سبيل المثال، الأدوية المستخدمة لمعالجة "القراد" المرافق للنحل موجودة في السوق بنوعين فقط مرخصين، بينما يستخدم النحالون أدوية أخرى غير مرخصة بشكل واسع. هذا الاستخدام غير المنظم يشكل خطرًا على النحل وعلى جودة العسل النهائي.
هناك أيضًا الدبور الشرقي الذي يأتي من الجزائر والموجود في المغرب. هذه الحشرة تهدد النحل بشكل مباشر، ونحن لا نملك أي مقاومة أو بحوث حولها. حتى بعض النحالين يجهلون خصائصها وطرق التعامل معها. لذلك، هناك حاجة ماسّة لبرامج تكوينية مستمرة لمواجهة هذه الحشرات والآفات الجديدة.
مصر تمتلك مراكز بحثية متخصصة في كل محافظة لدراسة أمراض النحل والتغيرات المناخية، بينما تونس لا يوجد فيها حتى مركز واحد على المستوى الوطني. هذا يعني أن النحال يعتمد على خبرته الشخصية، وغالبًا ما يواجه الفشل إذا لم يتوفر له الدعم الفني أو التوجيه المستمر.
كم يبلغ عدد النحالين في تونس، وما أبرز التحديات التي يواجهونها؟
عدد مربي النحل في تونس يبلغ حوالي 13 ألف شخص ولدينا أكثر من 400 شخص يتلقون سنويًا تكوينًا في تربية النحل في مركز "المريسة"، التابع لديوان تربية الماشية. لكن بعد انتهاء التكوين، لا توجد متابعة أو تحديث مستمر لمعلوماتهم. كثير منهم يتركون القطاع بعد التجربة الأولى أو بسبب الفشل.
وليد نقارة، مختص في تربية النحل لـ"الترا تونس": إذا لم تدعم الدولة القطاع بشكل مستدام، فإن التهديدات من الأمراض والحشرات الجديدة والسوق المفتوح والعوامل المناخية ستؤدي إلى اندثار القطاع
إضافة إلى ذلك، يواجه النحالون تحديات مالية جسيمة، أبرزها ارتفاع تكاليف المعدات الأساسية مثل الخلايا والصناديق والأجهزة الوقائية، إلى جانب معاليم وأداءات رسمية، مما يزيد من أعباء الإنتاج. ويعاني النحال أيضًا من ضعف العائد المادي مقارنة بالمخاطر والتكاليف، خاصة في ظل المنافسة الشديدة من العسل المستورد بأسعار منخفضة، ما يجعل استمرارهم في القطاع صعبًا.
إذا لم تدعم الدولة القطاع بشكل مستدام، فإن التهديدات من الأمراض والحشرات الجديدة والسوق المفتوح والعوامل المناخية ستؤدي إلى اندثار القطاع. الحل يكمن في الجمع بين الدعم المالي، البحث العلمي، الإرشاد المستمر، وتحسين جودة المنتج الوطني لضمان استدامة القطاع.
كيف تؤثر واردات العسل على السوق المحلية؟
لا نتحدث هنا عن واردات عادية، بل عن إغراق السوق بالعسل المستورد بشكل واسع ومكثف، ما يخلق ضغطًا شديدًا على المنتج المحلي ويهدد قدرة النحالين التونسيين على المنافسة. ففي سنة 2023، استوردت تونس نحو 1637 طنًا من العسل، مقارنة بـ748 طنًا فقط في 2015، أي أن الكمية تضاعفت تقريبًا خلال ثماني سنوات، وتشكل اليوم أكثر من 45% من إجمالي استهلاك العسل في تونس. هذا التزايد الكبير في واردات العسل يعكس غزوًا فعليًا للسوق التونسية، إذ يسيطر العسل المستورد على الحصة الأكبر من المتاجر والأسواق، ما يقلص حصة المنتج المحلي ويؤثر على مبيعات النحالين، ويضعهم في موقف ضعيف أمام المنافسة السعرية.
مختص في تربية النحل لـ"الترا تونس": تم إغراق السوق بالعسل المستورد، ما خلق ضغطًا شديدًا على المنتج المحلي ففي سنة 2023، استوردت تونس نحو 1637 طنًا من العسل، مقارنة بـ748 طنًا فقط في 2015
ما مدى جودة العسل المستورد؟ وهل توجد آليات فعالة للتحقق من سلامته؟
العسل المستورد غالبًا ما يكون أقل جودة، والكثير منه غير مطابق لشروط السلامة ورغم دخوله بطرق قانونية في أغلب الأحيان، لا يخضع لتحاليل مخبرية دقيقة قادرة على تحديد مدى مطابقته لمعايير الجودة والسلامة، وذلك لأن المخابر التونسية تعتمد اختبارات بسيطة تقيس فقط المعايير الأساسية، ولا يمكنها الكشف عن التلاعبات المعقدة مثل خلط العسل بمواد محلاة، أو إضافة مركبات صناعية تحاكي المذاق الطبيعي.
المشكل لا يقتصر على الغش فقط، بل يمتد إلى عدم القدرة على اكتشاف بقايا الأدوية المستعملة في تربية النحل خارج تونس. في العديد من البلدان التي تستورد منها تونس العسل، تُستخدم أدوية ومعالجات كيميائية لمكافحة الأمراض والآفات، بعضها غير مرخص أو يُستعمل بكميات تفوق الحدّ المسموح به، وتترك رواسب دقيقة جدًا داخل العسل. هذه الرواسب خطرة ومسرطنة، لكن المخابر التونسية غير مجهّزة لتحليلها أو التفطن إليها.
ونتيجة لذلك، يدخل إلى السوق عسل مستورد يبدو مطابقًا للتحاليل المتوفرة، بينما هو في الواقع يحتوي على مواد مسرطنة وغير آمنة، ما يشكل خطرًا على صحة المستهلك.
وليد نقارة، مختص في تربية النحل لـ"الترا تونس": يدخل إلى السوق عسل مستورد يبدو مطابقًا للتحاليل المتوفرة، بينما هو في الواقع يحتوي على مواد مسرطنة وغير آمنة، ما يشكل خطرًا على صحة المستهلك
هذا وتتضاعف خطورة الوضع مع وجود كميات أخرى من العسل تدخل بطرق غير قانونية عبر الحدود، خصوصًا من الجزائر وليبيا، دون أي مراقبة مخبرية أو صحية، ما يجعل مراقبة السوق شبه مستحيلة.
أما العسل المستورد بطرق قانونية فيأتي أساسًا من دول مثل: الصين، الأرجنتين، الهند، اليونان، فرنسا، مصر، السعودية، الإمارات، وألمانيا ورغم اختلاف جودة الإنتاج بين هذه البلدان، فإن غياب منظومة تحليل متطورة في تونس يجعل التمييز بين العسل الطبيعي والمغشوش أو الملوث شبه مستحيل.
كيف تؤثر الأسعار على المنتج المحلي؟
سعر اللتر الواحد من العسل الحر يتراوح بين 70 و150 دينار حسب العرض والطلب. عسل السدر هو الأكثر طلبًا، وسعره يرتفع عند انخفاض الإنتاج لأن المساحات المزروعة محدودة جدًا. يمكن دعم النحالين بتشجيع إنتاج أنواع نادرة من العسل، توفير محاصيل نباتية عاسلة، وتحفيز السوق المحلي على تفضيل المنتج الوطني من خلال حملات توعية.
اقرأ أيضًا: تربية النحل في تونس.. قطاع يُحتضر والأسباب عديدة
ما أبرز الحلول الممكنة لدعم النحالين وتحسين الإنتاجية؟
هناك عدة حلول أبرزها:
- الدعم المالي المباشر: توفير منح، قروض منخفضة الفائدة، أو مساعدات لشراء المعدات الضرورية، مثل الصناديق والخلايا والمعدات الوقائية، لتخفيف أعباء التكاليف العالية التي يواجهها النحال
- تعزيز الإرشاد والمتابعة: إنشاء فرق إرشاد ميدانية تعمل على متابعة النحالين بعد التكوين، تحديث معلوماتهم بانتظام، وتقديم حلول عملية للمشكلات اليومية، سواء كانت تتعلق بالأمراض أو التغذية أو المناخ
- البحث العلمي والمخابر: إنشاء مراكز بحوث متخصصة لدراسة الأمراض الجديدة، الحشرات الضارة، ومقاومة الآفات. تطوير مخابر مجهزة لتحليل العسل بدقة، للكشف عن المواد المسرطنة والأدوية غير المرخصة
- تربية الملكات وتحسين الإنتاج: تطوير تقنيات اختيار الملكات باستخدام أساليب علمية والذكاء الاصطناعي لتحديد أكثر الملكات إنتاجًا ومقاومة للأمراض. توزيع الملكات المختارة على النحالين لضمان استمرارية الإنتاجية
- الترويج للسوق المحلي: حملات توعية لتشجيع المستهلك على تفضيل العسل التونسي، وتطبيق قوانين صارمة لمنع بيع العسل بدون تصريح صحي، بما يحمي المنتج المحلي والمستهلك.
- زراعة النباتات العاسلة: تشجيع الإدارة العامة للغابات والفلاحة على زراعة نباتات عاسلة في المناطق المختلفة، خصوصًا تلك التي تزهر في فترات الجفاف.
ما دور القانون في حماية النحالين وضمان جودة العسل؟
القانون يفرض الحصول على تصريح وشهادة تأهيل قبل بيع العسل، لكن التطبيق ضعيف. اليوم، كثير من الأشخاص يبيعون العسل بدون تصريح، حتى من لديهم تصريح لا يتم فرضه على المنتجين. الحل هو تشديد الرقابة وتطبيق القوانين، مع فرض غرامات على المخالفين، ما يحمي النحالين الذين يلتزمون بالقوانين ويضمن سلامة المستهلك.
ما تأثير انخفاض أعداد النحل على البيئة والزراعة؟
النحل مسؤول عن تلقيح النباتات والمحاصيل الزراعية. انخفاض أعداده سيؤدي إلى نقص التنوع الغذائي وتأثر المحاصيل، ما ينعكس على الأمن الغذائي الوطني. دعم القطاع ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل أيضًا حماية للتنوع البيولوجي، والمحافظة على إنتاجية الزراعة والفلاحة بشكل عام.
الكلمات المفتاحية
تراجع عقود الزواج في تونس بين 2019 و2023 بأكثر من 12% مع انخفاض عدد الولادات
المعهد الوطني للإحصاء: رغم المنحى التصاعدي المسجّل بين سنتي 2021 و2023، حيث ارتفعت حالات الطلاق بنسبة تقارب 27,2% (من 12 ألفًا و589 حالة إلى 16 ألفا و12 حالة)، فإن العدد الجملي للطلاق سجّل تراجعًا بنحو 7,5% مقارنة بسنة 2019
سنة سجنًا ضدّ الناشط الحقوقي عبد الله السعيد والنيابة تستأنف
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: ملف عبد الله السعيد أحيل إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، الذي أقرّ بغياب أي شبهة إرهابية، قبل أن يُعاد إلى المحكمة الابتدائية بمدنين. ورغم توجيه تهم خطيرة في مرحلة أولى، تم التخلي عنها لاحقًا والاكتفاء بتتبعات ذات طابع مالي.
جدل في تونس حول التفريط في سندات الكربون والسيادة الطاقية لصالح مستثمرين أجانب
عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز: اللزمات يجب أن تخضع لتقييم خاصة لزمات ديسمبر 2019 والتي كلّفت الدولة والشركة التونسية للكهرباء والغاز خسائر بمئات المليارات
مواعيد حافلات النقل العمومي للدورة 40 من معرض تونس الدولي للكتاب
شركة نقل تونس: توفير حافلات لتأمين سفرات خاصة لفائدة التلاميذ يوم الأحد 26 أفريل 2026 في اتجاه قصر المعارض بالكرم ذهابًا على الساعة العاشرة صباحًا من أمام المكتبات الجهوية بكلّ من ولايات تونس وأريانة وبن عروس ومنّوبة وإيابًا على الساعة الثانية بعد الزّوال من أمام قصر المعارض بالكرم