حوار| مختصّ في الأمن الرقمي: حلول عديدة لحماية الأطفال على الإنترنت في تونس
31 مارس 2026
تُصنَّف تونس اليوم بين الدول الأكثر نشاطًا على وسائل التواصل الاجتماعي في المنطقة المغاربية، بمعدل انتشار للإنترنت يفوق 70%، مع وجود ملايين المستخدمين النشطين على منصات مثل فيسبوك وتيك توك وإنستغرام.
هذا الانتشار الواسع يعكس تحوّل المجتمع التونسي نحو الرقمنة والاتصال اللحظي، لكنه في المقابل يطرح تحديات غير مسبوقة، خصوصًا فيما يتعلق بحماية الأطفال والمراهقين من المحتوى الضار والانتهاكات الرقمية.
في هذا السياق، قدّم البرلمان التونسي مقترح قانون جديد يهدف إلى تحديد حد أدنى لاستخدام منصات التواصل الاجتماعي عند سن الثالثة عشرة.
فهل الأرضية التقنية في تونس مهيأة لتطبيق قانون حماية الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي؟ وكيف يمكن للمشرّع التونسي الاستفادة من تجارب الدول التي اعتمدت سنًّا أدنى لاستخدام هذه المنصات؟ وهل تكفي الإجراءات التقنية وحدها لحماية القاصرين، أم أن الأمر يتطلب إطارًا قانونيًا وتربويًا متكاملاً؟
كل الأجوبة تجدونها في هذا الحوار الذي أجراه "الترا تونس" مع الخبير في الأمن الرقمي بسّام اللّموشي لفهم التحديات التقنية والتشريعية المحيطة بحماية الأطفال على الإنترنت في تونس، والتعرف على الآليات الممكن اعتمادها فوريًا باستخدام البنية التحتية الحالية.
رغم وجود قوانين واضحة تفرض حدًا أدنى لسن استخدام منصات التواصل الاجتماعي بـ13 سنة، لماذا ما يزال الأطفال دون هذا السن قادرين على إنشاء حسابات بسهولة؟
المشكلة لا تكمن في غياب القوانين، بل في طريقة تطبيقها.
تعتمد منصات مثل TikTok على آلية "التصريح الذاتي"، حيث يمكن لأي مستخدم إدخال تاريخ ميلاد غير حقيقي دون تقديم أي إثبات وهذا يجعل من السهل على طفل في السابعة من عمره إنشاء حساب خلال دقائق.
بسّام اللّموشي (مختصّ في الأمن الرقمي) لـ"الترا تونس": هناك عدة حلول تقنية ممكنة للتحقق من سن المستخدمين على منصات التواصل، لكن رغم تنوعها، لا يوجد حل مثالي حتى الآن
ورغم فرض غرامات، مثل تلك التي أقرتها لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية سنة 2019 بسبب جمع بيانات الأطفال، فإن هذه الإجراءات لم تُترجم إلى تغيير جذري في آليات التحقق. وبالتالي، فإن الخلل يُعد هيكليًا مرتبطًا بضعف الالتزام والتطبيق، وليس عجزًا تقنيًا.
إذا كانت التكنولوجيا متوفرة، فما هي أبرز الحلول التقنية الممكنة للتحقق من سن المستخدمين على منصات التواصل، وما مدى فعاليتها وحدودها الواقعية؟
تتوفر عدة آليات يمكن اعتمادها، لكل منها درجة فعالية وإشكاليات:
- ربط الحساب بالبطاقة الوطنية (CIN): يقوم على التحقق من رقم الهوية عبر قاعدة بيانات رسمية. يُعتبر عالي الفعالية جدًا، لكنه يطرح إشكاليات حساسة تتعلق بحماية المعطيات الشخصية: من يحتفظ بهذه البيانات؟ وكيف تُؤمَّن؟
- موافقة الوالدين الرقمية: تعتمد على إرسال رمز تأكيد إلى هاتف أحد الوالدين. فعاليتها متوسطة، لكنها تبقى قابلة للتحايل، خاصة إذا استعمل الطفل هاتف والده أو والدته دون رقابة.
- الذكاء الاصطناعي لتقدير العمر: يستخدم تقنيات تحليل الصورة والصوت والسلوك لتحديد عمر المستخدم. هذه الآلية لا تزال في مرحلة تجريبية، وتعاني من أخطاء متكررة، إضافة إلى إشكاليات أخلاقية قد تصل إلى التمييز.
- أدوات الرقابة الأسرية: مثل Google Family Link وApple Screen Time، وهي أدوات فعالة لكنها تتطلب تدخلاً ومتابعة مستمرة من الأسرة حتى تكون ناجعة.
- الفلترة على مستوى مزود الإنترنت (ISP): تقوم على إلزام شركات الإنترنت بحجب الوصول إلى بعض الخدمات. فعاليتها جزئية، إذ يمكن تجاوزها بسهولة باستخدام تقنيات مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN).
بالتالي، رغم تنوع الحلول، لا يوجد حل مثالي حتى الآن، وكل آلية تحتاج إلى موازنة دقيقة بين الفعالية، الخصوصية، وسهولة التطبيق.
كيف تعاملت مختلف الدول مع حماية الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي، وما أبرز التشريعات والآليات المتبعة؟
التجارب الدولية تظهر اختلاف النهج بين الحظر الصارم والاشتراطات الذكية.. في أستراليا صدر قانون سنة 2024، Online Safety Amendment (Minimum Age for Social Media) Act، ورفع سن الاستخدام إلى 16 سنة، والذي يعتبر الأعلى في العالم، مع غرامات تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي للمنصات مثل TikTok وInstagram وSnapchat وX وFacebook، مع استثناء YouTube للتعلم وخدمات الرسائل الخاصة.
آلية التطبيق تعتمد على التحقق الرسمي دون الاحتفاظ ببيانات الهوية، وبدأ التجريب في 2025.
رد الفعل الشعبي كان مثيرًا للجدل، إذ اعتبرت منظمات حقوق الإنسان أن منع المراهقين 13–15 سنة يقطعهم عن شبكات الدعم والمجتمعات الإيجابية على الإنترنت، وأنّ الحظر وحده لا يحل مشكلة المحتوى الضار.
بسّام اللّموشي (مختصّ في الأمن الرقمي) لـ"الترا تونس": منصات مثل Meta وTikTok وX ليس لديها شركات مسجلة أو مكاتب قانونية في تونس، ما يجعل إصدار غرامات أو رفع دعاوى مباشرة ضدها صعبًا بسبب مسألة الاختصاص القضائي الدولي
أما في المملكة المتحدة، فقد اتبعت نهج الاشتراطات بدل الحظر عبر (Children's Code 2021)، الذي يلزم المنصات بتفعيل أعلى إعدادات الخصوصية تلقائيًا، إيقاف التتبع الجغرافي، حذف بيانات الأطفال افتراضيًا، حظر أنظمة الإشعارات الاستفزازية، وإيقاف خوارزميات الاقتراح التي توجه الأطفال لمحتوى حساس، مع فرض غرامات تصل إلى 4% من الإيرادات العالمية.
في 2023، أُلزم TikTok بدفع 12.7 مليون جنيه إسترليني لانتهاكه بيانات 1.4 مليون طفل بريطاني.
ماذا تكشف التجارب الفرنسية، الأمريكية، والإسكندنافية عن التحديات والحلول الفعالة لحماية الأطفال على الإنترنت؟
في فرنسا، بات كل قاصر دون 15 سنة بحاجة إلى موافقة صريحة وموثوقة من أحد الوالدين عبر بوابة تحقق خاصة، مع استخدام France Connect لضمان أن الموافقة صادرة فعلاً من الوالد، وهو حل ممكن لأن 80% من المواطنين لديهم حساب France Connect.
أما الولايات المتحدة، فالوضع أكثر تعقيدًا بسبب حماية الدستور لحرية التعبير، حيث صعّبت المحاكم تطبيق حظر كامل على الأطفال؛ على سبيل المثال، فلوريدا 2024 حظرت الأطفال دون 14 سنة، لكنه أوقف قضائيًا، وتكساس 2023 وأركنساس 2023 عُلّقت تشريعات مشابهة بعد طعون قضائية، بينما KOSA الفيدرالي 2024 اقتصر على إجراءات حماية إضافية دون حظر صريح.
اقرأ/ي أيضًا: منظمة تدعو إلى حظر وسائل التواصل الاجتماعي عن الأطفال في تونس دون 15 عامًا
في المقابل، الدول الإسكندنافية مثل فنلندا، النرويج، وإستونيا اعتمدت نموذج الدمج بين التشريع، التربية، والبنية التقنية، عبر مناهج مدرسية تعلم الأطفال منذ سن 7 البصمة الرقمية ونشر الصور، وسن 9 كيفية عمل خوارزميات الاقتراح والإدمان الرقمي، وسن 11 التمييز بين المعلومة الصحيحة والخبر الزائف، وسن 13 الخصوصية وضبط إعدادات المنصات، مما جعل معدلات إدمان الأطفال على التواصل الاجتماعي هي الأدنى في أوروبا.
هذه التجارب تؤكد أن الدمج بين التربية الرقمية، التشريعات الذكية، وأدوات التحقق الواقعية يعطي أفضل النتائج على المدى الطويل مقارنة بالحظر الصارم فقط.
هل يمكن تحميل منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية قانونية في تونس، وما هي التحديات والحلول الممكنة؟
ممكن، لكن ذلك يتطلب بنية قانونية جديدة. التحدي الأكبر هو أن منصات مثل Meta وTikTok وX ليس لديها شركات مسجلة أو مكاتب قانونية في تونس، ما يجعل إصدار غرامات أو رفع دعاوى مباشرة ضدها صعبًا بسبب مسألة الاختصاص القضائي الدولي.
الدول الأخرى تعاملت مع هذه الإشكالية بطرق مختلفة: في أوروبا، أي منصة تعالج بيانات مواطن أوروبي تخضع للقانون الأوروبي (GDPR)، ما يجعل المنصات الكبرى مجبرة على الامتثال، لأن السوق الأوروبية ضخمة ولا يمكن تجاهلها. في أستراليا، تُهدد المنصات بالحظر الشامل في السوق المحلية إذا رفضت الامتثال.
بسّام اللّموشي (مختصّ في الأمن الرقمي) لـ"الترا تونس": هناك خطوات قابلة للتطبيق فورًا لحماية الأطفال على الإنترنت بالبنية الحالية في تونس، منها إلزام مزودي الإنترنت بتفعيل فلاتر على مستوى الشبكة للحسابات غير الموثقة
أما المسار التونسي، فيكمن في إلزام مزودي خدمة الإنترنت المحليين "تليكوم" و"أوريدو" و"أورونج" كوسطاء بالامتثال، وبذلك يتحول الضغط القانوني من المنصة الأجنبية إلى طرف محلي خاضع للقانون التونسي.
من جهة أخرى، مقارنة الغرامات المفروضة عالميًا توضح حجم المسؤولية الممكنة: في أمريكا (FTC 2019)، فرضت غرامة 5.7 مليون دولار على TikTok لجمع بيانات أطفال دون 13 سنة؛ في بريطانيا (ICO 2023)، أُلزم TikTok بدفع 12.7 مليون جنيه إسترليني لانتهاكه خصوصية 1.4 مليون طفل؛ في أوروبا (المفوضية الأوروبية 2023)، خالفت Meta GDPR في معالجة بيانات القاصرين مع غرامة 390 مليون يورو؛ وفي فرنسا (CNIL 2022)، دفعت 150 مليون يورو بسبب ملفات تتبع بدون موافقة الأطفال، فيما تدرس المحاكم الأمريكية دعاوى جماعية ضد Meta من 40 ولاية قد تصل إلى مليارات الدولارات. هذه الأمثلة تبين أن تحميل المنصات مسؤولية قانونية ممكن، لكنه يتطلب إطارًا تشريعيًا واضحًا وآليات تطبيق فعالة في السياق التونسي.
ما الإجراءات التقنية والقانونية التي يمكن تطبيقها فورًا في تونس لحماية الأطفال على الإنترنت باستخدام البنية الحالية؟
هناك عدة خطوات قابلة للتطبيق فورًا بالبنية الحالية في تونس:
أولاً، إلزام مزودي الإنترنت مثل "تليكوم" و"أوريدو" و"أورونج" بتفعيل فلاتر على مستوى الشبكة للحسابات غير الموثقة.
ثانيًا، إنشاء نظام تسجيل موحد للأسر بالربط مع قاعدة بيانات البطاقة الوطنية مع ضمانات خصوصية صارمة.
ثالثًا، إلزام المنصات العاملة في تونس بتفعيل أدوات Parental Controls تلقائيًا للحسابات الجديدة.
رابعًا، تأسيس لجنة تقنية متخصصة في حماية الأطفال رقميًا تحت إشراف الهيئة الوطنية للاتصالات.
هذه الخطوات يمكن تنفيذها مباشرة لتعزيز الرقابة وحماية الأطفال، دون انتظار بنية تحتية جديدة.
مختصّ في الأمن الرقمي: أي نظام حظر تقني يمكن تجاوزه بسهولة باستخدام VPN، والاستنتاج التقني، هو أن الحظر وحده دون إصلاح ثقافي وتربوي يشبه وضع سور حول حوض السباحة بينما يعرف الأطفال كيف يتسلقونه
ما الحلول طويلة المدى والتحديات التقنية التي تحتاج إلى وقت وبنية تحتية إضافية في تونس؟
على المدى الطويل، هناك عدة حلول تتطلب تطوير البنية التحتية:
أولاً، نظام هوية رقمية وطنية موحدة يتيح التحقق من العمر عبر الإنترنت، على غرار (France Connect) أو (E-Estonia).
ثانياً، إطار قانوني للمسؤولية الرقمية المشتركة يُلزم المنصات الأجنبية بالامتثال كشرط للوصول للسوق التونسية. ثالثاً، آلية تحقيق (Certification) للتطبيقات الرقمية التعليمية تفرق بين المحتوى التعليمي والترفيهي.
لكن هناك نقطة عمياء مهمة، أي نظام حظر تقني يمكن تجاوزه بسهولة باستخدام VPN، وهو شائع في تونس بين الشباب، حيث تشير الإحصائيات إلى أن 35–40% من مستخدمي الإنترنت استعملوا VPN مرة واحدة على الأقل.
لذا، الاستنتاج التقني أن الحظر وحده دون إصلاح ثقافي وتربوي يشبه وضع سور حول حوض السباحة بينما يعرف الأطفال كيف يتسلقونه، الأجدى هو تعليم الأطفال السباحة بأمان، أي تزويدهم بالوعي الرقمي ومهارات الحماية الذاتية على الإنترنت.
الكلمات المفتاحية
حوار| مختص في البيئة: الرمي العشوائي لجلود الأضاحي يمثل كارثة بيئية حقيقية
في كلّ عيد أضحى، تتكرّر المشاهد نفسها في عدد من الأحياء والمدن التونسية: جلود أضاحٍ مرمية في الشوارع، أكوام من الفضلات الحيوانية، روائح كريهة، وحشرات وكلاب سائبة تجوب المكان.
حوار| مجموعة توحيدة بن الشيخ: 80% من الأمهات رفضن تلقيح فيروس الورم الحليمي لبناتهن
منسقة المشاريع بمجموعة "توحيدة بن الشيخ" لـ"الترا تونس": خوف الأولياء من تلقيح فيروس الورم الحليمي، ناتج بالأساس عن نقص المعلومات الدقيقة حول دور اللقاح في الحماية من سرطان عنق الرحم، وهو ما ترك المجال مفتوحاً أمام الإشاعات والـ"Fake News" لتخويف الناس
حوار| بوراوية العقربي: ذوو الإعاقة يواجهون الإقصاء والتمييز في تونس
الكاتبة العامة لمنظمة الدفاع عن الأشخاص ذوي الإعاقة بوراوية العقربي لـ"الترا تونس": ذوو الإعاقة يواجهون التمييز والإقصاء في تونس نتيجة عدم تفعيل القوانين والاتفاقيات التي تكفل حقوقهم المشروعة
4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54
نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54 ضد الصحفيين وآخرها الأحكام الصادرة بحق الصحفية خولة بوكريم، والنزاعات المتعلقة بالمضامين الإعلامية يجب أن تعالج في إطار المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر
أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل يحتجون للمطالبة بتطبيق قانون انتدابهم الاستثنائي
يواصل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، احتجاجاتهم رفضًا لـ"سياسة المماطلة في تنفيذ القانون 18 وإصدار الأوامر الترتيبة القاضية بانتدابهم".
كم بلغت حالات الغش خلال الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026؟
مدير عام الامتحانات الوطنية بوزارة التربية: الوزارة لا تهدف إلى معاقبة التلاميذ، بل توفير شروط النجاح لهم، مع التصدي لإصرار بعض الأطراف على التشويش على الامتحانات الوطنية
رسميًا.. "الفيفا" يرفع المنع من الانتداب عن الترجي الرياضي التونسي
تم تحيين جدول العقوبات في منصة منع الانتداب للفيفا، حيث أُزيل اسم نادي الترجي الرياضي التونسي رسمياً من قائمة الأندية المحظورة بعد تسوية ملفه