حوار| مجموعة توحيدة بن الشيخ: 80% من الأمهات رفضن تلقيح فيروس الورم الحليمي لبناتهن
23 أبريل 2026
بعد مرور عام كامل على انطلاق تونس في تنفيذ خطتها الوطنية لتلقيح الفتيات ضد فيروس الورم الحليمي البشري (HPV)، يجد مشروع "الوقاية من سرطان عنق الرحم" نفسه اليوم أمام مفترق طرق فبينما كان يُنتظر أن يكون عام 2025 سنة الحسم الصحي، جاءت الأرقام لتكشف عن فجوة عميقة بين الطموح الرسمي والواقع المجتمعي.
في هذا الحوار نستضيف، منسقة المشاريع بمجموعة "توحيدة بن الشيخ" منى التليلي، لنقيم حصيلة هذه السنة الأولى؛ حصيلةٌ وصفتها المجموعة بـ "صيحة الفزع" بعد أن كشفت دراستهم الميدانية عن رفضٍ صادم وصل إلى 80% في تونس الكبرى.
لماذا فشلت الرسائل الرسمية في طمأنة العائلات طيلة عام كامل؟ وكيف تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة لنشر إشاعات "العقم" التي أربكت الأولياء؟
تفتح لنا منى التليلي ملفات السنة الماضية، متحدثة عن معركة المجموعة ضد "التابوهات" التي تربط الصحة بالخوف من الجنسانية، ومسلطة الضوء على مصير الفتيات اللواتي غادرن مقاعد الدراسة وبقين خارج مظلة الحماية. ومع انطلاق حملة أفريل/نيسان 2026، نضع النقاط على الحروف حول الضمانات المطلوبة لكي لا تمر سنة أخرى من التردد الذي قد يكلف نساء تونس الكثير.
منسقة المشاريع بمجموعة "توحيدة بن الشيخ" لـ"الترا تونس": بعد مرور عام كامل على انطلاق تونس في تنفيذ خطتها الوطنية لتلقيح الفتيات ضد فيروس الورم الحليمي البشري، يمكننا إطلاق صيحة فزع بعد أن كشفت دراستنا الميدانية عن رفضٍ صادم وصل إلى 80% في تونس الكبرى
تحمل الجمعية اسم "توحيدة بن الشيخ"، أول طبيبة في المغرب العربي؛ كيف يلهمكم هذا الإرث في صياغة رؤيتكم الحالية للدفاع عن حقوق النساء؟
بالنسبة إلينا في مجموعة توحيدة بالشيخ، الاسم ليس مجرد لافتة تاريخية، بل هو مرجع نضالي يومي نستمد منه رؤيتنا.
إنّ إرث الدكتورة توحيدة، التي كانت رائدة في كسر الحواجز الاجتماعية في ظروف بالغة التعقيد، يضع على عاتقنا مسؤولية مهنية وأخلاقية كبرى لمواصلة هذا المسار.
نحن نستلهم من ريادتها في صياغة رؤيتنا التي تركز على:
الحق في الكرامة وصحة الجسد: نعتبر الدفاع عن حق النساء في الصحة وحرية القرار فيما يخص أجسادهن امتدادًا طبيعيًا لرسالة الدكتورة توحيدة.
المنظور الحقوقي النسوي: نسعى لترجمة قيمها من خلال العمل على الحقوق الجنسية والإنجابية بمنظور حقوقي حديث وشجاع.
التغيير المجتمعي: نؤمن، كما آمنت الدكتورة، بأن صحة المرأة وحريتها هما الحجر الأساس لأي تغيير حقيقي وشامل في المجتمع.
خضتم معارك حقوقية عديدة لتعديل نصوص قانونية؛ ما هو النص القانوني الذي تعتبرونه اليوم "ثغرة" تهدد المكتسبات الصحية للنساء؟
نحن كمجموعة توحيدة بالشيخ قمنا بحملات عديدة لمناصرة والدفاع عن الحقوق الإنجابية والجنسية عند النساء فان كانت المكتسبات القانونية في تونس هامة، لكنها تظل مهددة بوجود نصوص نعتبرها اليوم "ثغرات" حقيقية، وعلى رأسها الفصل 214 من المجلة الجزائية والمتعلق بالإجهاض الآمن.
هذا الفصل، رغم رمزيته التاريخية، لا يزال يطرح إشكاليات في التطبيق الفعلي ولا يوفر الحماية القانونية الشاملة التي نطمح إليها.
نحن نرى أن الثغرة الأكبر تكمن في: عوائق الوصول للخدمات فالقانون لا يضمن دائماً المساواة في الوصول إلى الخدمات الصحية بين جميع النساء في مختلف المناطق، مما يجعل الحق في الصحة مكتسباً "نظريًا" للبعض و"صعباً" للبعض الآخر.
منسقة المشاريع بمجموعة "توحيدة بن الشيخ" لـ"الترا تونس": رفض التلقيح ليس نابعًا من أسباب طبية، بل هو مرتبط بخوف و"تابو" اجتماعي يربط التلقيح بالسلوك الجنسي؛ حيث يعتقد الكثير من الأولياء أن تلقيح بناتهن هو بمثابة منحهن "الضوء الأخضر" لإقامة علاقات خارج إطار الزواج
إلى جانب ثغرات تجعل النصوص القانونية تفقد معناها على أرض الواقع.. فنحن نعتبر أن المعركة الحقيقية اليوم تشمل:
- مناهضة الوصم في الوسط الصحي: لا يكفي أن يمنح القانون الحق للمرأة، بل يجب أن تجد بيئة صحية تحترم كرامتها ولا تمارس عليها أي نوع من الضغط النفسي أو الوصم الاجتماعي.
- الاستثمار في التكوين: نسعى لترسيخ المقاربة الحقوقية لدى الفاعلين في القطاع الصحي، لضمان أن تُقدم الخدمة بمنطق "الحق الإنساني" وليس بمنطق "الإحسان" أو الأحكام الأخلاقية.
- تحقيق العدالة الصحية الجغرافية: الثغرة الكبرى تظل في الفوارق الشاسعة بين الجهات؛ فلا يمكن الحديث عن مكتسبات حقيقية طالما أن الوصول للمعلومة والخدمة الصحية المتخصصة يظل امتيازًا جغرافيًا وليس حقًا لكل تونسية أينما وجدت.
اقرأ/ي أيضًا: سرطان عنق الرحم في تونس.. حملة وطنية لتلقيح الفتيات بداية من أفريل 2025
كشفت دراستكم الأخيرة عن نسبة رفض لتلقيح فيروس الورم الحليمي البشري HPV لدى الأمهات في تونس الكبرى تصل إلى 80%. هل كنا نتوقع هذا الرقم في بلد رائد صحيًا مثل تونس؟
الحقيقة أن رقم 80% يمثل صيحة فزع حقيقية، لكنه للأسف لم يكن مفاجئًا لنا. فمن خلال دراستنا الميدانية التي شملت 1200 امرأة في تونس الكبرى، ندرك جيدًا طبيعة الآراء المجتمعية التي بدأت تظهر بوضوح منذ انطلاق الحملات المدرسية العام الماضي.
فرغم ريادة تونس صحيًا، فإنّنا عندما نصطدم بمواضيع تمس الجنسانية (La sexualité)، نجد أنفسنا أمام جدار من الصمت والمحرمات الناتجة عن التنشئة الاجتماعية والمنظومة القيمية.
رفض تلقيح فيروس الورم الحليمي البشري، ليس نابعًا من أسباب طبية، بل هو مرتبط بخوف و"تابو" اجتماعي يربط التلقيح بالسلوك الجنسي؛ حيث يعتقد الكثير من الأولياء أن تلقيح بناتهن هو بمثابة منحهن "الضوء الأخضر" لإقامة علاقات خارج إطار الزواج.
هذا الخوف ناتج بالأساس عن نقص المعلومات الدقيقة حول دور اللقاح في الحماية من سرطان عنق الرحم، وهو ما ترك المجال مفتوحاً أمام الإشاعات والـ"Fake News" لتخويف الناس.
وهنا تبرز المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق الإعلام والوسائط الرقمية لتبسيط المعلومة الصحيحة وكسر حواجز الخجل، لضمان وصول التوعية الصحية لكل العائلات وتجاوز هذه العوائق الثقافية.
نلاحظ انتشارًا كبيرًا لإشاعات "العقم" على منصات التواصل. كيف واجهت المجموعة هذه "الأخبار الزائفة"؟ وهل ترون أن الاستراتيجية التواصلية لوزارة الصحة كانت كافية؟
لقد واجهنا موجة إشاعات "العقم" عبر إطلاق حملة إعلامية واسعة النطاق شملت استراتيجية تواصلية متكاملة، اعتمدت على تنويع المحتوى بين معلقات وفيديوهات تعليمية ومواد "أنيميشن" لتبسيط المعلومة وتصحيح المغالطات المنتشرة في الفضاء الرقمي. ومع ذلك، نرى أن الاستراتيجية التواصلية لوزارة الصحة لم تكن كافية؛ حيث اتسمت بقصر مدتها الزمنية وفشلت في الوصول بفعالية إلى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. كما أنها لم تنجح في خلق التوازن المطلوب لمواجهة حملات التشويه القوية، مما يعكس حاجة ماسة لخطاب رسمي أكثر قربًا من تخوفات الناس، يعمل على طمأنتهم وشرح فوائد التلقيح بعمق بدلاً من الاكتفاء بحملات ظرفية لا تدرك تعقيدات المشهد المجتمعي.
اقرأ/ي أيضًا: معهد باستور: أكثر من 90% من حالات سرطان عنق الرحم في تونس يمكن الوقاية منها
هل لاحظتم فروقات في نسب التقبل بين الولايات (تونس الكبرى مقابل الساحل أو المناطق الداخلية مثلاً)؟ وما هي العوامل التي جعلت بعض الجهات أكثر إقبالاً؟
بالنسبة للفوارق الجغرافية، فإن التفاوت بين الجهات واضح لأن التلقيح كان مقبولًا في بعض الجهات وتم رفضه في جهات أخرى. إلا أن الملاحظات العامة تشير إلى أن العوامل التي تجعل بعض الجهات أكثر إقبالاً ترتبط مباشرة بمستوى الوعي الصحي ومدى فاعلية الحملات الجمعياتية المحلية.
فالمناطق التي تشهد تكاتفًا بين المجتمع المدني والإطار التربوي والصحي تظهر تقبلاً أفضل، لأنهم لم يخضعوا للإشاعات وفهموا بطريقة مبسطة فوائد تلقيح الورم الحليمي عند الفتيات.
منسقة المشاريع بمجموعة "توحيدة بن الشيخ" لـ"الترا تونس": واجهنا موجة إشاعات "العقم" عبر إطلاق حملة واسعة لتبسيط المعلومة وتصحيح المغالطات.. ومع ذلك، نرى أن الاستراتيجية التواصلية لوزارة الصحة لم تكن كافية
ماذا عن الفتيات المنقطعات عن الدراسة؟ كيف يمكننا ضمان حقهن في التلقيح وهنّ خارج "الرزنامة المدرسية"؟
بخصوص الفتيات المنقطعات عن الدراسة، فهنّ يمثلن الفئة الأكثر هشاشة التي عجزت استراتيجية وزارة الصحة عن الوصول إليها بفعالية؛ فبما أن التلقيح يعتمد حاليًا بشكل أساسي على الرزنامة المدرسية، فإن هؤلاء الفتيات يجدن أنفسهن خارج دائرة الحماية الصحية.
ولضمان حقهن، لا يمكن الاكتفاء بالحملات الظرفية، بل يجب مأسسة التلقيح خارج الإطار المدرسي من خلال تفعيل دور مراكز الصحة الأساسية لضمان توفر اللقاح بشكل دائم لكل الفتيات في الفئة العمرية المستهدفة بغض النظر عن وضعهن الدراسي.
كما يتطلب الأمر اعتماد مقاربات التواصل المباشر والميداني عبر الانتقال لهذه الفئات في مناطق تواجدهن، ليكون التلقيح جزءًا من الفحوصات الدورية في مستوصفات الأحياء، مما يضمن ألا يظل حق الفتاة في الحماية من سرطان عنق الرحم رهينًا بوجودها داخل مقاعد الدراسة.
نحن الآن في أفريل 2026، ومع انطلاق حملة السنة الجديدة، ما هي الضمانات التي تطالب بها مجموعة توحيدة بن الشيخ لرفع نسبة التغطية الوطنية؟
تطالب مجموعة توحيدة بن الشيخ بضمانات هيكلية وتواصلية واضحة لرفع نسبة التغطية الوطنية، تبدأ بضرورة توفير التلقيح بشكل دائم ومستمر في كافة مراكز الصحة الأساسية، لضمان استمرارية الخدمة خارج المواعيد المدرسية الظرفية.
كما تشدد المجموعة على أهمية تكثيف الحملات التوعوية والاتصال الميداني المباشر، من خلال استهداف العائلات في مناطق تواجدهم لتبديد مخاوفهم والإجابة على تساؤلاتهم بشكل شخصي.
وتؤكد المجموعة على ضرورة إشراك المجتمع المدني والإطار التربوي كشريك فاعل في عملية التوعية، مع المطالبة بتوفير المعلومات العلمية الدقيقة لمواجهة الأخبار الزائفة وطمأنة الأولياء، وضمان وصول التلقيح بشكل عادل وشامل لكافة الفتيات، بما في ذلك المنقطعات عن الدراسة.
ما هي الكلمة التي توجهينها للأمهات اللواتي ما زلن مترددات في تلقيح بناتهن اليوم؟
رسالتي لكل أم هي ألا تترك الخوف أو الإشاعات أو "التابوهات" الاجتماعية تتحكم في مستقبل ابنتها الصحي. هذا التلقيح ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو أمان وحماية حقيقية من خطر سرطان عنق الرحم في المستقبل.
أدعوكنّ إلى البحث عن المعلومة الصحيحة من المصادر الطبية الموثوقة، وعدم الانسياق وراء ما يقال في الفضاء الافتراضي من مغالطات. فتردد اليوم قد يكلفنا الكثير غداً، وصحة بناتنا هي أغلى ما نملك، وحمايتهن تبدأ بقرار شجاع وواعٍ اليوم.
الكلمات المفتاحية
حوار| مختص في البيئة: الرمي العشوائي لجلود الأضاحي يمثل كارثة بيئية حقيقية
في كلّ عيد أضحى، تتكرّر المشاهد نفسها في عدد من الأحياء والمدن التونسية: جلود أضاحٍ مرمية في الشوارع، أكوام من الفضلات الحيوانية، روائح كريهة، وحشرات وكلاب سائبة تجوب المكان.
حوار| مختصّ في الأمن الرقمي: حلول عديدة لحماية الأطفال على الإنترنت في تونس
هل الأرضية التقنية في تونس مهيأة لتطبيق قانون حماية الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي؟ وكيف يمكن للمشرّع التونسي الاستفادة من تجارب الدول التي اعتمدت سنًّا أدنى لاستخدام هذه المنصات؟ وهل تكفي الإجراءات التقنية وحدها لحماية القاصرين؟؟
حوار| بوراوية العقربي: ذوو الإعاقة يواجهون الإقصاء والتمييز في تونس
الكاتبة العامة لمنظمة الدفاع عن الأشخاص ذوي الإعاقة بوراوية العقربي لـ"الترا تونس": ذوو الإعاقة يواجهون التمييز والإقصاء في تونس نتيجة عدم تفعيل القوانين والاتفاقيات التي تكفل حقوقهم المشروعة
4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54
نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54 ضد الصحفيين وآخرها الأحكام الصادرة بحق الصحفية خولة بوكريم، والنزاعات المتعلقة بالمضامين الإعلامية يجب أن تعالج في إطار المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر
أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل يحتجون للمطالبة بتطبيق قانون انتدابهم الاستثنائي
يواصل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، احتجاجاتهم رفضًا لـ"سياسة المماطلة في تنفيذ القانون 18 وإصدار الأوامر الترتيبة القاضية بانتدابهم".
كم بلغ عدد حالات الغش خلال الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026؟
مدير عام الامتحانات الوطنية بوزارة التربية: الوزارة لا تهدف إلى معاقبة التلاميذ، بل توفير شروط النجاح لهم، مع التصدي لإصرار بعض الأطراف على التشويش على الامتحانات الوطنية
رسميًا.. "الفيفا" يرفع المنع من الانتداب عن الترجي الرياضي التونسي
تم تحيين جدول العقوبات في منصة منع الانتداب للفيفا، حيث أُزيل اسم نادي الترجي الرياضي التونسي رسمياً من قائمة الأندية المحظورة بعد تسوية ملفه