حوار| ظافر الصغيري: الحكومة التونسية عاجزة واللجوء للبنك المركزي خطر داهم
26 أبريل 2026
في وقت تمر فيه تونس بمخاض اقتصادي عسير، تطفو على السطح تساؤلات حارقة حول ميزانية سنة 2026 والخيارات المالية التي انتهجتها الحكومة. وبينما يصف البعض البرلمان الحالي بـ "الباهت" سياسيًا، يخرج النائب ظافر الصغيري ليضع النقاط على الحروف، معتبرًا أن "الكرة في مرمى القصبة" التي تعاني من عجز واضح في مواكبة المبادرات التشريعية للبرلمان.
في الحوار الحالي، ينتقد الصغيري سياسة "التمويل المباشر" من البنك المركزي، واصفًا إياها بـ "الخطر الداهم" الذي يهدد استقرار الدينار وجيب المواطن. كما يكشف عن تفاصيل "قانون الحلم" الذي يسعى لتمريره لكسر "اقتصاد الريع"، ويشرح لماذا يرى في الدبلوماسية الاقتصادية الحالية "فرصة ضائعة" في عالم لا يعترف إلا بالأرقام والتحركات الجريئة.
لقد كنت من أشد المعارضين للجوء الحكومة للبنك المركزي لتمويل ميزانية 2026 بـ 11 مليار دينار. بكلمات بسيطة للقارئ، لماذا تعتبر هذا الإجراء "خطرًا داهمًا" على جيب المواطن؟
أعتبر أن هذه الخطوة "خطر داهم" لأنها تفتقر إلى الضوابط الدولية المعمول بها، حيث تجاوز حجم هذا التمويل حاجز 25 مليار دينار، وهو ما يتخطى السقف الافتراضي المحدد بـ 10% من الناتج المحلي الخام.
وتكمن الإشكالية الكبرى في أن هذه الأموال لا تُوجه لخلق الثروة أو الاستثمار في قطاعات حيوية كالفوسفات والفلاحة، بل تُستخدم لسد عجز الميزانية وتغطية الأجور، مما يدفع البلاد نحو حالة ركود خطيرة وتجاوز لكافة "الخطوط الحمراء".
النائب ظافر الصغيري لـ"الترا تونس": لجوء الحكومة للبنك المركزي لتمويل الميزانية يعدّ خطرًا داهمًا، والإشكالية الكبرى تكمن في أن هذه الأموال لا تُوجه لخلق الثروة أو الاستثمار في قطاعات حيوية، مما يدفع البلاد نحو حالة ركود خطيرة
بالإضافة إلى ذلك، تحتكر الدولة لنفسها شروط اقتراض تفضيلية (بفائدة 0% وفترة سماح لثلاث سنوات) وهي امتيازات تُحرم منها المؤسسات والمستثمرون الذين يمثلون المحرك الفعلي للتنمية.
قلت سابقًا إن ميزانية الدولة "بلا روح" وبلا رؤية استثمارية؛ إذا كنت أنت من يضع السياسة المالية اليوم، ما هي الثلاث نقاط الأساسية التي ستغيرها فورًا لخلق الثروة؟
أولًا: ثورة في نظام الاستثمار: البدء بتنقيح مجلة الاستثمار وصياغة مجلة جديدة تقوم على الإلغاء الشامل لنظام الرخص. يهدف هذا الإجراء إلى فتح البلاد للاستثمار أمام الجميع وكسر "الاقتصاد الريعي" الذي تحميه الدولة لفئات معينة، مع حصر القيود فقط في قائمة محدودة جدًا تمس الأمن العام والصحة العامة.
ثانيًا: تحديث التشريعات "البالية": تغيير المنظومة القانونية التي يعود بعضها إلى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. ويشمل ذلك مراجعة جذرية لمجلة الصرف، ومجلة المياه، وتشريعات الهياكل الرياضية التي تعتبر عائقًا أمام التطور.
اقرأ/ي أيضًا: حوار | مستشار جبائي: المواطن يميل للاحتفاظ بـ"الكاش" والدفع الإلكتروني محدود
ثالثًا: تفعيل الروافع الاقتصادية الكبرى: الانتهاء من سياسة "القليل من كل شيء" والتركيز على استراتيجية قطاعية واضحة تشمل:
حل مشكلة قطاع الفوسفات بشكل نهائي وجذري.
إعادة الاعتبار لقطاعي السياحة والفلاحة كأعمدة أساسية للاقتصاد الوطني.
كيف تقيم استجابة وزارة المالية لمقترحات نواب الشعب؟ هل نحن أمام برلمان "يُشرّع" أم برلمان "يُصادق" فقط على ما يأتيه من القصبة؟
إن ما نعيشه اليوم في تونس هو حالة من "التعطيل التشريعي" الصريح، والسبب في تقديري يعود مباشرة إلى عجز الحكومة عن إرسال مشاريع القوانين الحيوية إلى البرلمان.
نحن نعيش في مجلس يخلو من التجاذبات واللوبيات التي كانت تعيق المصادقة على القوانين سابقًا، لذا أعتبر هذا التأخير هو "فرصة ضائعة" لا مبرر لها.
هذا الفراغ التشريعي دفعنا كأعضاء مجلس نواب الشعب إلى المبادرة بتقديم أكثر من 150 مقترح قانون، لكننا ندرك تمامًا أن الإدارة تظل هي الطرف الأقدر تقنيًا على صياغة القوانين لضمان قابليتها للتنفيذ.
النائب ظافر الصغيري لـ"الترا تونس": إن ما نعيشه اليوم في تونس هو حالة من التعطيل التشريعي الصريح، والسبب يعود مباشرة إلى عجز الحكومة عن إرسال مشاريع القوانين الحيوية إلى البرلمان
ولعل أبرز دليل على هذا التباطؤ هو مجلة الصرف؛ فرغم إعلان جاهزيتها منذ عام 2024، إلا أنها لم تصل إلى رفوف المجلس حتى هذه اللحظة.
وكانت رئيسة الحكومة خلال مناقشة ميزانية الدولة لسنة 2026 قد أكدت أن ما يقارب 20 مشروع قانون سيحال على أنظار المجلس، لكن لم يصلنا منها إلى اليوم شيء.
دعوت إلى تأسيس "وحدة اقتصادية" في قصر قرطاج لمتابعة الاتفاقيات الدولية. هل ترى أن الدبلوماسية التونسية الحالية عاجزة عن تسويق "تونس الوجهة الاستثمارية"؟
تتجلى أزمة الدبلوماسية التونسية اليوم في عجزها عن تسويق تونس كوجهة استثمارية جذابة، وهو ما يمكن وصفه بـ "الدبلوماسية الاقتصادية الغائبة" التي فوتت فرصًا كبرى ناتجة عن التحولات الجيوسياسية العالمية وهروب رؤوس الأموال للبحث عن وجهات جديدة.
هذا القصور يعود بالأساس إلى غياب المبادرة حيث إن جلب الاستثمارات الاستراتيجية في العالم المعاصر يتطلب حراكًا يقوده رؤساء الدول لخلق الزخم اللازم، يرافقه إصلاح جذري للمناخ الداخلي الذي يعاني من تغول البيروقراطية، تعقيد نظام الرخص، وعوائق قوانين الصرف والاستثمار.
ومن هنا تبرز أهمية مقترح تأسيس "وحدة اقتصادية" في قصر قرطاج، ليس كبديل للهياكل القائمة، بل كآلية سيادية لضمان المتابعة الجدية للاتفاقيات الدولية وتحويل الزيارات الرسمية إلى نتائج اقتصادية ملموسة تتجاوز العوائق الإدارية التقليدية.
اقترحت أن تكون 2026 سنة اختراق الأسواق الخارجية. ما هي العوائق التشريعية التي تمنع المصدر التونسي اليوم من المنافسة في إفريقيا وأوروبا؟
تتمثل أبرز العوائق التي تمنع المُصّدر التونسي من المنافسة دوليًا في قصور المنظومة التشريعية والمالية عن دعم "قابلية التوسع" للمؤسسات، وعلى رأسها قانون الصرف الذي يكبل حركة الشركات ويمنعها من التوسع إقليميًا أو فتح فروع خارجية، بالإضافة إلى عجز القطاع البنكي عن توفير التمويلات اللازمة للاستثمار والنمو.
كما يواجه المصدرون ضغوطًا ناتجة عن ارتفاع معدلات الأداءات الجبائية، وغياب الاتفاقيات التجارية الاستراتيجية الكبرى التي تسهل النفاذ للأسواق، تزامنًا مع تراجع كفاءة المنظومة اللوجستية والموانئ التي لم تعد قادرة على مجاراة المنافسة الدولية.
النائب ظافر الصغيري لـ"الترا تونس": أزمة الدبلوماسية التونسية اليوم تتجلّى في عجزها عن تسويق تونس كوجهة استثمارية جذابة، وهو ما يمكن وصفه بـ "الدبلوماسية الاقتصادية الغائبة" التي فوتت فرصًا كبرى ناتجة عن التحولات الجيوسياسية العالمية
ويكمن الحل الجوهري في تحرير طاقات التصدير لتوفير العملة الصعبة كبديل للاقتراض، وتفعيل آليات بناء الثقة مع التونسيين بالخارج لمضاعفة مساهماتهم في الاقتصاد الوطني عبر تسهيل استثماراتهم وفتح حساباتهم بالعملة الصعبة داخل البلاد.
ملف المؤسسات العمومية التي تعاني من العجز؛ هل تؤيد خوصصة بعض القطاعات غير الاستراتيجية لتخفيف العبء عن ميزانية الدولة، أم أن "الخطوط الحمراء" لا تزال قائمة؟
تستوجب معالجة أزمة المؤسسات العمومية المتعثرة القطع مع سياسة "الخطوط الحمراء" التقليدية لصالح نقاش وطني شفاف يستند إلى دراسات جدوى رقمية دقيقة، تهدف إلى إنقاذ هذه الهياكل من سوء الحوكمة وخطر الإفلاس الوشيك.
ولا تقتصر الرؤية المطروحة على خيار الخوصصة كحل وحيد، بل تدعو إلى تبني مقاربات متنوعة تشمل إبرام شراكات استراتيجية بين القطاعين العام والخاص، أو إعادة هيكلة المؤسسات وإصلاح حوكمتها لضمان مردوديتها الاقتصادية وعدم تحولها إلى عبء يستنزف ميزانية الدولة.
اقرأ/ي أيضًا: مجلة الصرف في تونس.. بين ضرورة التحديث والحاجة للحفاظ على العملة الوطنية
ويتكامل هذا التوجه مع ضرورة مراجعة منظومة الدعم لضمان توجيهه لمستحقيه الفعليين، بما يسهم في تخفيف الضغط المالي وتحويل المؤسسات العمومية من عبء إداري إلى محرك حقيقي للتنمية.
هناك انتقاد دائم للبرلمان الحالي بأنه "باهت" سياسيًا مقارنة بالبرلمانات السابقة. كيف ترد على من يقول إن كثرة المبادرات التشريعية من النواب لم تُغير شيئًا في واقع التونسيين؟
إن وصف أداء البرلمان بـ "الباهت" يتجاهل طبيعة النظام السياسي الرئاسي الجديد الذي حصر وضع السياسات العامة بيد رئيس الجمهورية، وهو ما قلص طبيعيًا من الدور البرلماني في تشكيل الحكومات أو عزل الوزراء. ومع ذلك، فإن البرلمان يمارس دورًا رقابيًا جديًّا وفعّالًا في محاسبة الوزراء، وهو ما تعكسه جلسات المساءلة التي أصبحت مصدرًا أساسيًا للمادة الإعلامية والسياسية في البلاد.
أما بخصوص كثرة المبادرات التشريعية، فهي ليست ترفًا، بل ضرورة فرضها تأخر وصول المشاريع القانونية من السلطة التنفيذية؛ حيث بادرنا كنوّاب بطرح قوانين حيوية مثل "قانون الصرف" بعد انتظار دام ثلاث سنوات دون تحرك حكومي.
النائب ظافر الصغيري لـ"الترا تونس": وصف أداء البرلمان بـ "الباهت" يتجاهل طبيعة النظام السياسي الرئاسي الجديد الذي حصر وضع السياسات العامة بيد رئيس الجمهورية، وكثرة مبادرات النواب ضرورة فرضها تأخر وصول مشاريع القوانين من السلطة التنفيذية
نحن نجتهد اليوم لتقديم أقصى ما يمكن في حدود صلاحياتنا الدستورية، ونعتقد أن فاعلية الإنتاج البرلماني ستتعزز بشكل أكبر كلما كان هناك تدفق منتظم لمشاريع القوانين من جانب الحكومة.
ما هو "القانون الحلم" الذي يسعى ظافر الصغيري لتمريره قبل نهاية العهدة البرلمانية، وتعتبره بصمتك الخاصة؟
إن "القانون الحلم" الذي أسعى جاهدًا لتمريره وأعتبره بصمتي الخاصة في هذه العهدة البرلمانية هو قانون الحرية الاقتصادية ومكافحة اقتصاد الريع.
هذا المشروع ليس مجرد نص تشريعي، بل هو الحل الجذري لتفكيك منظومة اقتصادية ريعية فاشلة كبلت تونس لسنوات، حيث يرتكز أساسًا على الإلغاء الشامل للرخص المسبقة وتعويضها بنظام الرقابة البعدية للدولة.
إن هدفي من هذا القانون هو تحرير المبادرة الخاصة، وتقليص تغول الإدارة والبيروقراطية التي تعيق المستثمرين، مع اعتماد الرقمنة كأداة أساسية لضمان الشفافية والتنافسية العادلة في السوق.
أُؤمن تمامًا أن تحويل هذه الرؤية إلى واقع هو المفتاح الحقيقي لتحقيق طفرة في نسب النمو، وخلق فرص عمل حقيقية، وتحقيق "الإقلاع الاقتصادي" الذي ينتظره التونسيون.
الكلمات المفتاحية
حوار| حمة الهمامي: النظام الحالي استبدادي وتونس تحتاج إلى ثورة جديدة
أمين عام حزب العمال حمة الهمامي لـ"الترا تونس": يمكن أن نقول بوضوح إن الثورة التونسية أُجهضت فعليًا، وأي حديث عن مسار ديمقراطي لا يستقيم، فنحن اليوم أمام وضع جديد يتطلب فعلًا ثورة جديدة
حوار| المؤرخ عبد الجليل بوقرة: على اتحاد الشغل الثورة على "عقلية المغانم" وإلا فالاندثار
المؤرخ عبد الجليل بوقرة لـ"الترا تونس": الأزمة التي يعيشها اتحاد الشغل اليوم هي في جوهرها أزمة داخلية أكثر منها مواجهة مع السلطة. ومع ذلك، فإنه من الواضح أن السلطة لم تعد راغبة في التعامل مع الاتحاد
حوار| حسام الحامي: مبادرة العقد السياسي تهدف لتقديم بدائل للتونسيين
حسام الحامي لـ"الترا تونس": حالة الاستبداد والوضع الصعب في مجال الحقوق والحريات في تونس هي من الأسباب التي دفعتنا للتفكير في بدائل وطرح مبادرة العقد السياسي التونسي
4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54
نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54 ضد الصحفيين وآخرها الأحكام الصادرة بحق الصحفية خولة بوكريم، والنزاعات المتعلقة بالمضامين الإعلامية يجب أن تعالج في إطار المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر
أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل يحتجون للمطالبة بتطبيق قانون انتدابهم الاستثنائي
يواصل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، احتجاجاتهم رفضًا لـ"سياسة المماطلة في تنفيذ القانون 18 وإصدار الأوامر الترتيبة القاضية بانتدابهم".
كم بلغ عدد حالات الغش خلال الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026؟
مدير عام الامتحانات الوطنية بوزارة التربية: الوزارة لا تهدف إلى معاقبة التلاميذ، بل توفير شروط النجاح لهم، مع التصدي لإصرار بعض الأطراف على التشويش على الامتحانات الوطنية
رسميًا.. "الفيفا" يرفع المنع من الانتداب عن الترجي الرياضي التونسي
تم تحيين جدول العقوبات في منصة منع الانتداب للفيفا، حيث أُزيل اسم نادي الترجي الرياضي التونسي رسمياً من قائمة الأندية المحظورة بعد تسوية ملفه