حوار| سامي المقدم: أحلم أن تصبح المرسى مزارًا سياحيًا لمحبّي سانت إكزوبيري حول العالم
12 أغسطس 2025
القرّاء المهووسون بكاتب ما، أكثر من أن ينجح المرء في إحصائهم في هذا الزمن.. افتح موقع "الجود ريدز" المختص في تقييم الكتب، ستجد مئات الآلاف منهم. ادخل "تيك توك" سيصادفك آلاف المتيّمين ببعض المؤلّفين. الأمر نفسه ينطبق على "إنستغرام" و"فيسبوك" وبقية منصات التواصل، فضلًا عن مفتونين آخرين لا يشاركون بالضرورة آراءهم في حياتهم عمومًا وفي قراءاتهم بشكل خاص!
قلتُ إذن إنهم في كلّ مكان في يومنا هذا، يكفي أن تنطق بأول حرف من اسم كاتب ما حتّى يتدافع مريدوه لاستعراض أدقّ التفاصيل عن مؤلّفاته وخباياها ورموزها، ويتعدّى الأمر ذلك إلى حياته الخاصة في بعض الأحيان، بل وحتّى طبقه المفضّل إن لزم الأمر!
إنّهم هنا بيننا، يعرفون عن كاتب ما، ما لا نعرف، ويتقصّون أخباره إن كان حيًا، ويظلّون أوفياء لذكراه إن كان قد غادرنا.. لكن، قلّة قليلة جدًا من بين هؤلاء، تختار أن تخلّد غرامها هذا، عبر الكتابة عن الكاتب نفسه.. نكاد نعرفهم بالاسم! ومن بين الأسماء التي ذهبت في هذه المقاربة بلا شكّ في تونس، سامي المقدّم، الكاتب والناشر الذي اختار أن يقرن اسمه باسم "سانت إكزوبيري"، صاحب رائعة "الأمير الصغير".. تلك الحكاية الخالدة!
سامي المقدم لـ"الترا تونس": سطر واحد يتيم في بيوغرافيا سانت إكزوبيري أثار اهتمامي وفجّر تفاصيل رواية "غربان سانت إكزوبيري" في ذهني، وهو أنّ هذا الكاتب كان يقيم في مدينة المرسى، مدينتي
تعدّ رواية الأمير الصغير (Le Petit Prince) للكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري (1900-1944)، واحدة من بين أفضل كتب القرن العشرين، وتحافظ على بيع أكثر من مليون نسخة سنويًا في جميع أنحاء العالم. وقد بيعت منها ومن ترجماتها العديدة، أكثر من 80 مليون نسخة منذ صدورها، مما يجعلها واحدة من أفضل الكتب المترجمة من الفرنسية مبيعًا.
كتب سامي المقدم بالفرنسية، كتابه "il était deux fois le petit prince" (ذات مرّتين، الأمير الصّغير)، قبل أن يترجمه مالك بن عز الدين إلى العربية، ويصدر عن دار أركاديا.. في لمسة وفاء لهذا الكاتب الذي استقرّ لفترة من حياته في تونس، وتحديدًا في منطقة المرسى.. ويحلم المقدم بأن تكون المرسى مزارًا سياحيًا لمحبّي الرجل حول العالم، في إطار السياحة الثقافية.
عودة على الكتاب وترجمته، في هذا الحوار مع سامي المقدم:
سانت إكزوبيري، ما علاقة سامي المقدم بهذا الكاتب؟ ولماذا يستهويك كتاب "الأمير الصغير" بصفة خاصة؟
بالأحرى، من هو الكاتب الذي لا يحب "سانت إكزوبيري" وأميره الصّغير؟ الاهتمام أمر عادي، وحياة "سانت إكزوبيري" معروفة لدى الجميع، حتى اختفاؤه الغامض، فليس للرجل تاريخ وفاة بل تاريخ اختفاء. ولقد ظل الأمر لغزًا على مدار السنين إلى أن عثر أحد الصيّادين على سلسلة يد تحمل اسمه في أوائل الألفينيات، ثم تم العثور على هيكل طائرته في أعماق البحر بعد بحث تجاوز النصف قرن. نعم طائرته! ما يجهله العديدون هو أن "سانت إكزوبيري" كان طيّارًا حربيًا، ورجلًا حالمًا ينشد عالمًا أفضل. كان يمثّل الإنسانية في أسمى معانيها، ولمّا غمر كتاب "كفاحي" لهتلر الأسواق الأوروبية، كان كتاب سانت إكزوبيري "طيار الحرب" هو المضاد له، وقرأه جميع الجنود بلا استثناء. لنقل إن سانت إكزوبيري لم يتصدّ فقط حربيًا للنازيين بل أدبيًا كذلك، لو جاز تصنيف "كفاحي" كعمل أدبي.
هل كانت إقامة الكاتب بالمرسى -مسقط رأسك- قادحًا إضافيًا دفعك دفعًا لهذا العمل؟
بالتأكيد.. سطر واحد يتيم في بيوغرافيا سانت إكزوبيري أثار اهتمامي وفجّر تفاصيل الرّواية في ذهني: هو أنّ سانت إكزوبيري كان يقيم في مدينة المرسى، مدينتي. كيف لم يُشر أحد إلى هذا الأمر من قبل؟ بحثتُ طويلًا عن المنزل، وراسلتُ المعهد الفرنسي بتونس لمعرفة إذا ما كانوا يحتفظون بعنوان المنزل، ولم أتوصّل إلى أيّ نتيجة. وفي قمّة اليأس، أهدتني زوجتي بيوغرافيا مصوّرة للكاتب، وبينما كنت أفحص الصفحات، وقعتُ على صورة المنزل، بلا عنوان، فشاركتُها على صفحة فيسبوك متساكني المرسى، وبدأت التعاليق تنهمر. عرفتُ موقع المنزل، لكن الكارثة كانت أنه وقع هدمه في أوائل الألفينيات. لكن هذا المنزل كان مسرحًا للأحداث في روايتي.
سامي المقدم لـ"الترا تونس": لسانت إكزوبيري قرّاء من كل أصقاع الدنيا. لو كنّا فقط نعرف قيمة هذا الكنز التاريخي المذهل في تونس، لصارت السياحة الثقافية تدرّ أموالًا أكثر من السياحة التقليدية
ولقد كنتُ قبل سنوات قد قرأتُ مقالًا عن لوحة مائية للكاتب، تم العثور عليها وطرحها في مزاد علني، وفيها يرسم الكاتب الأمير الصغير يتدلى من أنشوطة حبل. المخيف أنّ وجه الأمير الصغير لم يكن سوى وجه سانت إكزوبيري ذاته. أذكر أنني كتبتُ في دفتري "لوحة لسانت إكزوبيري قد تحمل رسالة خفية - موضوع رواية قادمة". ولقد استغللتُ هذه اللوحة في الرّواية بالفعل.
أضيف أنني في رحلة بحثي المضنية، كنتُ أحلم بالعثور على وريقات نسيها الكاتب العبقري في قبو المنزل ولم يولها أحد اهتمامًا.. أو على سبيل الجنون، مخطوطًا غير منشور!
على عكس بقية أعمالك باللغة الفرنسية، فإنّك قد قبلت أن يُترجم لك هذا العمل إلى العربية، لماذا هو دونًا عن غيرها؟
في الواقع من اختار ترجمة الكتاب هو صديقي الكاتب والمترجم مالك بن عز الدين. لقد ترجم الكتاب لأنه أحبّه وأحبّ قراءته، وكان هذا بمثابة وسام على صدري وشرف لا أدّعيه. وفي الآن نفسه، اطّلع الصديق الناشر وليد أحمد الفرشيشي على الرواية ثمّ على ترجمتها، وعرض عليّ نشرها في دار أركاديا، فقبلتُ على الفور طبعًا. شرّفني كثيرًا هذا الاهتمام بالرّواية، وأخرجتها دار أركاديا في حلّة بهيّة تحت عنوان ذكيّ بعيدًا عن الترجمة الحرفيّة التي كانت "ذات مرّتين، الأمير الصّغير" وصارت "غربان سانت إكزوبيري".
أضيف أنّ الصديق مالك بن عز الدين اختار كذلك ترجمة "ثلاثية قرطاج" ولقد أنهى بالفعل ترجمة "دماء الملائكة" وهو يترجم الآن "سرّ البرقيين".
هل كانت ترجمة هذا الكتاب إلى العربية أمرًا يستحق خوض المغامرة؟ وهل أضاف لك ذلك فئة من القرّاء لم تكن تقرأ لك بالفرنسية؟
الطريف هو أن شهرين بعد نشر الترجمة، نالت النسخة الفرنسية جائزة الدولة التونسية للإبداع الأدبي في فرع الرّواية. ابتهجتُ لهذه الجائزة، فلها مذاق يختلف عن جوائز الخواص (كومار وفابا، وأشير إلى أنّ الرواية كانت في القائمة القصيرة للجائزة الأخيرة)، فأن يعترف وطنك بإبداعك في إطار تكريم رسمي تحت وزارة الشؤون الثقافية، يمثّل تتويجًا من نوع ما، فأنا ابن المدرسة الوطنية، والتعليم العمومي، حتى شهادة الخبرة في المحاسبة، ولوطني دين ثقيل عليّ، لهذا شعرتُ بسعادة المتفوّقين، وأنني كنتُ عند حسن ظن الوطن، عند تتويجي.
إذن، تزامنُ صدور الترجمة مع الحصول على الجائزة الوطنية سمح بأن يطّلع قرّاء جدد على روايتي.
الأبوّة في كتاب "غربان سانت إكزوبيري"، تتقاطع بشكل واضح مع فترة اشتغالك على العمل بعد وفاة والدك.. علاقة الأب بالابن، هل هي دينامو هذه الرواية؟
انتبهتُ لهذا بعد الفراغ من الرّواية. صحيح أنني كتبتُها بعد شهور قليلة من وفاة والدي رحمه الله، لكنني نسجتُ السيناريو حول لوحة سانت إكزوبيري والرسالة الخفيّة التي تقود إلى جزء غير منشور من "الأمير الصّغير". كنتُ أعتقد أنني كتبتُ قصّة بحث عن كنز مخفيّ.. لكنني عند قراءة المخطوط وجدتُ أن القلب النابض للرواية هو الأبوّة.. وعندها انتبهتُ إلى مدى تأثير فراق والدي، بصفة لا واعية، على الرّواية. كان الأمر يتسلل من بين السطور، ويفوح برائحة الألم. يحدث أن تتمرّد الرّواية على كاتبها.
هناك جهد واضح في نسج الحبكة، فكيف طوّعت كتاب الأمير الصغير ليصبح خريطة كنز؟
أعتقد أن قرّاء "ثلاثية قرطاج" اعتادو أسلوب خريطة الكنز الذي أحبّذه، أي أنني أحاول ايجاد خيط خفيّ يربط بين مجموعة من المعلومات الحقيقيّة التي تبدو للوهلة الأولى بلا رابط.. أستمتع كثيرًا بذلك. بالنسبة لرواية غربان سانت إكزوبيري، طرحتُ على نفسي سؤالًا محدّدًا: لو كنتُ أنا الكاتب، أين سأضع الرسائل الملغّزة؟ أعدتُ قراءة الكتاب سطرًا سطرًا بهذه الفكرة، ووجدتُ العديد من الأمور المثيرة، مثل تناظر الفصلين 12 و21 وعدد النجوم وترتيب الكواكب..
سامي المقدم لـ"الترا تونس": في تونس لا نعترف بالسياحة الثقافية. مشروعي، بالنسبة لمدينة المرسى، كان متحفًا صغيرًا يجد فيه الزائر بيوغرافيا سانت إكزوبيري وصوره، ويمكنه حتى سماع "الأمير الصغير" ككتاب صوتي
قلتَ في الكتاب إنّ من بين أحلامك، إقامة نصب تذكاري لسانت إكزوبيري بالمرسى، أو متحف صغير تكريمًا لروحه، يمكن أن يكون مزارًا سياحيًا لمحبّي الرجل، هل فكّرتَ في طرح المبادرة جديًا على الجهات المسؤولة؟
طبعًا طرحتُ ذلك الأمر ولم أتلقّ إجابة. لم يكن هذا غريبًا. فمن يهتم؟ بيت فلوبير في قرطاج ينعق فيه البوم وديكور أفضل فيلم عالمي -حرب النجوم- تكاد تطمسه الرمال في تطاوين -المدينة التي منحت اسمها لكوكب بطل الفيلم- ولم يدهشني ذلك. في تونس لا نعترف بالسياحة الثقافية. مشروعي، بالنسبة لمدينة المرسى، كان متحفًا صغيرًا على هيئة كوكب مصغّر، يقف فوقه الأمير الصّغير من الخارج، أما في الداخل فهو بناء مفرّغ، يجد فيه الزائر صور سانت إكزوبيري، وبيوغرافيا الكاتب، ويمكنه سماع كتاب صوتي (الأمير الصغير) وشراء كتبه، كما فكرتُ في ماكينة بيع عملات عليها وجه الكاتب، وطابع بريدي تونسي عليه الأمير الصغير (قد يثير جنون كل جامعي الطوابع في العالم) وتخيّلتُ الإقبال السياحي على مدينة المرسى، المدينة التي سكن فيها وحلم فيها وكتب فيها سانت إكزوبيري.. تخيّل عدد السياح!
الأمير الصغير هو الكتاب الذي تُرجم إلى أكبر عدد من اللغات (أكثر من 300 لغة) وله قرّاء من كل أصقاع الدنيا. لو كنّا فقط نعرف قيمة هذا الكنز التاريخي المذهل في تونس، لصارت السياحة الثقافية تدرّ أموالًا أكثر من السياحة التقليدية.
كيف كانت تجربتك كناشر، ينشر مع دار نشر أخرى، هل تدّخلتَ في اختيار الغلاف؟ راجعتَ الترجمة؟
راقت لي التجربة وتم عرض الغلاف والعنوان علي وسررتُ بهما ولم أعترض، ولم أكن لأعترض بصراحة فلست سوى الكاتب وعلى الكاتب احترام عمل المترجم والناشر.
الكلمات المفتاحية
حوار| رواية مطبخ أم السعد لمنصور شلندي.. مكائد خادعة تُطبخ على نار هادئة
منصور شلندي لـ"الترا تونس" بخصوص رواية مطبخ أم السعد: الكتابة انعتاق من القيود المجتمعية والواقعية.. الكتابة هي تعبير عن رؤية فنية قد تكون قبيحة وقد تكون جميلة.. ولكنها في كل حال حرة
حوار| كريم الثليبي: أغامر لأكون حقيقيًا في موسيقاي وأقدم وجهة نظر موسيقية
كريم الثليبي (موسيقي تونسي) لـ"الترا تونس": أعتبر أن الجمهور التونسي أفضل جمهور لأنه ذكي جدًا، ويمكنه أن يفهم ما إذا كانت الرسالة صادقة أم لا
حوار| إكرام عزوز: المسرح التونسي ينبغي أن يتصدّى لموجات الشعبوية والابتذال
إكرام عزوز لـ"الترا تونس": الفنّان في رأيي لا يقدّم التوجيهات والحلول إنّما يعالج هموم وطنه بأسلوب يدفع إلى الحيرة والدهشة والتساؤل ويدعو إلى التفكير والوعي والإحساس
فسخ التعاقد بين محمد علي بن رمضان والأهلي المصري.. تعرّف على وجهته القادمة
الدولي التونسي محمد علي بن رمضان وقع رسميًا لصالح نادي الشمال القطري بعد مفاوضات متسارعة شهدت تقاربًا ماليًا كبيرًا بين الأطراف
طقس تونس.. أمطار بعد الظهر مع ريح قوية نسبيًا قرب السواحل وبالجنوب
معهد الرصد الجوي: ظهور خلايا رعدية محلية مصحوبة بأمطار بعد الظهر بالوسط ومحليًا الجنوب وتكون أحيانًا غزيرة مع تساقط محلي للبرد
نائب: تسرب مادة خطيرة في الماء وراء استحالة استغلال محطة تحلية المياه بسوسة
حسام مزالي (نائب بمجلس الجهات والأقاليم): المادة الهيدروكربونية التي وُجدت في الماء، تستوجب حلولًا أخرى، كأن يتم تمديد قنوات جلب المياه، والضخ من نقاط أبعد في عمق البحر، للابتعاد عن المياه التي قد تكون ملوثة بسبب التسريبات
وزارة التربية توضّح بخصوص موعد الترسيم عن بُعد بعنوان السنة الدّراسية 2026-2027
وزارة التربية: لا تتطلّب عملية التسجيل، أي وثائق ورقيّة، بما في ذلك مضمون الولادة، وكافّة عمليات التسجيل ستتمّ بصفة حصريّة عبر منظومة الحياة المدرسيّة: https://viescolaire.education.tn/