حوار| إكرام عزوز: المسرح التونسي ينبغي أن يتصدّى لموجات الشعبوية والابتذال
8 أغسطس 2025
تَوَّج إكرام عزّوز مسيرته الفنيّة مديرًا للمسرح البلدي بين سنتي 2021 و2025، ولمّا بلغ سنّ التقاعد ترك المشعل لغيره، وتفرّغ للإبداع، وها هو يستعدّ لعرض "وان مان شو" عنوانه "وضعيّة هشّة" يُعالج فيه ما آلت إليه أحوال الشيوخ والمتقاعدين من نسيان وإهمال في وطن تراجعت فيه صلة الرحم في بعدها الدينيّ والروحي، ولم يقدر على ضمان الحياة الكريمة في مؤسّسات اجتماعيّة قادرة على استيعاب هذه الفئة التي تعاني هجر الأبناء وجحودهم لأسباب لا ترجع إلى التقصير والعقوق بقدر ما تعود إلى ما بلغته حياتنا الراهنة من تعقيدات ماديّة وثقافيّة وتواصليّة.
لا عجب أن يُعالج إكرام عزّوز هذا اللون من الأعمال الكوميديّة ذات العمق النقديّ والرسائل الجادّة الحكيمة البنّاءة، فقد دأب الرجل على محاولة التوفيق بين الجدّ والهزل، ففي الحيّز المكاني والزمنيّ الواحد، تجده يبدو لك في دور الشخصيّة الموغلة في الضحك والاستخفاف ثمّ سرعان ما تتحوّل ملامحه فتتجسّد فيه صورة المريض الخائف المرتاب الفزع، ولنا في بعض المشاهد من سلسلة "شوفلي حل" آية على ذلك.
إكرام عزوز لـ"الترا تونس": أنا ضدّ مقولة "الفنّ للفنّ"، ولن أكفّ عن جعل الفنّ حمّالًا لرسائل، لكن في المقابل أعيب كثيرًا على من حوّل الركح إلى منبر أخلاقيّ أو إيديولوجي
حول قدرة الفنّان على التوفيق بين الالتزام والإضحاك ومسائل أخرى أخطر وأوسع وأعمق كان لـ "الترا تونس" حوار مع إكرام عزوز الذي ألّف في مسيرته بين الهواية والتكوين الأكاديميّ والاحتراف والإدارة والتمثيل والإخراج والمسرح والتلفاز والسينما.. فكانت فاتحة أسئلتنا حول آخر أعماله المسرحيّة مُخرجًا وممثّلًا:
من مسرحيّة "دار الهناء" إلى "إيجا نقلّك" إلى "وضعيّة هشّة" ما هو الخيط الناظم بين هذه الأعمال المسرحيّة؟
أخرجتُ مسرحيتَيْ "دار الهناء" و"إيجا نقلك"، وراهنت في الأولى على جلال الدين السعدي وكوثر الباردي وفي الثانية على ريم الزريبي، فكان النجاح حليفنا فنيًّا وجماهيريًّا بفضل ما يــتصف به هؤلاء الممثّلين من خبرة وكفاءة واقتدار، وها أنا أستعد الآن لعرض مسرحيّة "وضعيّة هشة" بالمغرب وقد كتب نصّها الممثّل فيصل حمدي، أمّا الخيط الناظم بين هذه الأعمال كلّها فهو بلا شكّ الحرص على التمسّك بالضوابط الجوهريّة للمسرح الكوميديّ أهمّها الفكرة والحكاية والسخرية والإضحاك وتجنّب التلفيق بين المشاهد التي تكون مفتقرة إلى العمق والنظام المحكم.
هل تحقّقت هذه المعادلة في المسرحيّات الثلاث؟
نعم، فقد عالجت في مسرحيّة "دار الهناء" بأسلوب كوميدي مشحون برسائل جادّة، أحوال الأسرة في تدرّج زمنيّ ومنطقيّ من اللقاء بين الشابين، إلى القُرب والمحبّة، إلى الزواج، إلى الحمل، إلى الولادة، إلى مراحل أخرى.. وفي "إيجا نقلّك" جسّدت ريم الزريبي صورة المرأة العاملة وما تواجهه من صراع ومِحن وما تُبديه من إصرار ورغم أنّ العمل من نوع "الوان مان شو" فإنّ هيكل المسرحيّة وبنيتها لم يخل من ربط متين بين الأحداث وقس على ذلك مسرحيّة "وضعيّة هشّة" فقد ارتكز فيها النقد والإضحاك على أحوال المتقاعدين في بلد يسير نحو التهرّم وفق تعداد السكّان والسكنى لسنة 2024.
ألا تخشى أن يوقعك التمسّك بمعالجة القضايا الاجتماعيّة في محاكاة الواقع؟
لا شكّ أنّ الواقع هو القادح لبناء التصوّرات والأحداث وكتابة النصوص الإبداعيّة، غير أنّ الفنان دوره يكمن في إخراج تلك المعطيات من "وحل التاريخ" وإكسائها بلون جماليّ يقوم على الحبكة والمبالغة والإيحاء وغيرها من الأساليب التي تجعل العمل خالدًا مثيرًا مشوّقًا أخّاذًا حمّالًا لرسائل إنسانيّة ووطنيّة وأخلاقيّة واجتماعيّة.
إكرام عزوز لـ"الترا تونس": يحزنني أن يحوّل بعض مدّعي المسرح الفكاهي النقدي إلى فضاء لكسب ودّ العامّة والبسطاء بخطاب صريح وعظيّ مباشر خال تمامًا من الإبداع، أكاد أقول إنّ أخطر ألوان الشعبويّة هي "شعبويّة الفنّان"
لكن ألا ترى أنّ بعض تلك الرسائل قد تجسدت مع عدد من المسرحيين في "تيرادات" طويلة وعظيّة صريحة؟
أعترف لك أنّني ضدّ مقولة "الفنّ للفنّ" وأنني لن أكفّ عن جعل الفنّ حمّالًا لرسائل، لكن في المقابل أعيب كثيرًا على من حوّل الركح إلى منبر أخلاقيّ أو إيديولوجي، الفنّان في رأيي لا يقدّم التوجيهات والحلول، إنّما يعالج هموم وطنه بأسلوب يدفع إلى الحيرة والدهشة والتساؤل ويدعو إلى التفكير والوعي والإحساس، ولَكَم أحزنني حينما حوّل بعض مدّعي المسرح الفكاهي النقدي إلى فضاء لكسب ودّ العامّة والبسطاء بخطاب صريح وعظيّ مباشر خال تمامًا من الإبداع، أكاد أقول إنّ أخطر ألوان الشعبويّة هي "شعبويّة الفنّان"، وللأسف ساهم هذا التوجّه في إكساب الكثيرين انتشارًا لدى الجمهور وتاريخهم في الفنّ لا يكاد يُذكر.
ما هي الأسباب والملابسات التي خلّفت هذا اللون من ألوان "الشعبويّة الفنيّة"؟
قبل ثورة 2011 كان المسرح قائمًا على النقد الضمنيّ لا بدافع التحفّظ السياسيّ فقط وإنّما لأنّ الفنّ في جوهره إيحاء وتلميح، وقد عاين الجمهور التونسيّ هذا المنحى في مسرحيّات "كلام الليل" و"الكريطة" و"المكّي وزكيّة" وغيرها من أعمال الفاضل الجعايبي والمنصف السويسي والمنصف ذويب والكثير من المخرجين والكتاب الذين تحفل بهم المدوّنة الإبداعيّة الوطنيّة..
لكن للأسف الفنّان التونسيّ لم يحسن في الغالب التعامل مع الحريّة، وهذا ما أفضى إلى الاندفاع والتهوّر النقديّ ولو اقتصر الأمر على ذلك لهان، ولكنّ البعض حوّل الركح إلى فضاء لانتهاك الأعراض وخدمة جهة سياسيّة على حساب أخرى، وليس يخفى ما ارتكبه الكثيرون باسم الفنّ في حقّ الباجي قائد السبسي ومصطفى الفيلالي والمنصف المرزوقي وراشد الغنوشي وغيرهم، فما الفائدة وما المتعة التي تحصل للمشاهد بصرف النظر عن موقفه من هؤلاء، حينما ينصت إلى الممثل يتهكّم من شيخوخة هذا وأسنان ذاك وعين الآخر وأنفه، لا فائدة غير إثارة نعرات الكره والتشفّي والتنمّر.
هل الحرّية هي السبب في هذا الانحراف الفكاهي؟
حاشا أن تكون الحرّية سببًا للانحراف الفكاهي، إنّما الأمر موكول إلى الفراغ، فمن عجز عن استدراج الجمهور بالذوق الرفيع والحكاية المشوّقة والمشهد العاطفيّ المؤثّر والصورة الفنيّة الأخّاذة عوّض ذلك بألوان من خطاب المقاهي ومجالس اللهو.
لكنّ الفكاهة التي تقوم على التهكّم والكاريكاتور وتضخيم العيوب أمر مباح في الفن الكوميديّ، أليس كذلك؟
أنا لا أنكر أن يكون الكاريكاتور تقنية هامّة في السخرية، لكن هذه التقنية هي واحدة من تقنيات أخرى للإضحاك كالمفارقة والالتباس وتخييب التوقع.. إنّ التركيز على التهكّم على الملامح من قبيل ما يكرّره أحد الممثلين في جلّ أعماله "وجهو كيما كذا.. وسِنيه تشبه لكذا وراسو كيف، وساق ساق كذا.." يندرج ضمن باب البحث عن الإضحاك السهل ويراهن خاصّة على الفقر الذوقي الذي وقع فيه الجمهور لأسباب عديدة، كما ينطوي على مراعاة أفق انتظار الجمهور الذي أصبح ميّالًا إلى العنف اللفظي والمادّي مسكونًا بنفسيّة عدائيّة.
هل توافق الرأي القائل إنّ الفنّ في تونس قد أصبح يروّج لصورة البطل الآثم؟
فعلًا، وإليك الدليل في سلسلة "صاحبك راجل" على سبيل المثال، ما هي أكثر الشخصيّات التي ظلّت عالقة في أذهان الفتيان والفتيان، قَلَّ من يتذكّر صورة الأمني الذي ضحّى بحياته لكن في المقابل سرت على الألسنة وفي الأذهان المشاهد التي كان بطلها "البوليس الخائن" و"باخانو" بائع المخدّرات، هذه مجرّد عيّنة تكاد تتكّرر في جلّ الأعمال المسرحيّة والسينمائيّة والدراميّة.
إكرام عزوز لـ"الترا تونس": لا يحقّ للفنّان أن يوظّف جهل المتلقّي وانحرافه الذوقيّ لتحقيق مكسب الرواج والانتشار وغنيمة الربح المادّي
ما الحلّ للتصدّي إلى الشعبويّة الفنيّة من جهة والابتذال من جهة ثانية؟
مواجهة الشعبويّة تكمن في الدفع نحو التمسّك بخصوصيّة الفنّ وهي العدول والانزياح عن الخطاب اليوميّ الصريح المباشر، أمّا التصدّي للابتذال فيقوم على الاقتناع بأنّ الفنّ ينبغي أن يكون شريكًا في بناء الإنسان، لا يحقّ للفنّان أن يوظّف جهل المتلقّي وانحرافه الذوقيّ لتحقيق مكسب الرواج والانتشار وغنيمة الربح المادّي، إنّ استدراج الجمهور البسيط بأسلوب مبتذل أشبه عندي باستدراج القاصر، هذا قصورٌ عمريّ وذاك قصور ذوقيّ.
ماكينة الابتذال قويّة مدعومة إعلاميًّا ولها "حاضنة جماهيريّة ذوقيّة"، كيف السبيل إلى مواجهتها؟
الحلّ ليس فرديًّا ولا يمكن أن يتحمّله ممثّل أو مخرج ولا يمكن كذلك أن تنهض به فرقة مسرحيّة مخصوصة إنّما هو مشروع دولة، أنا لا أدعو إلى مضاعفة الرقابة والتضييق وإنّما أحثّ على أن تخضع الأعمال الإبداعيّة إلى مشروع وطنيّ يساهم في صناعة أعمال فنيّة تضمن الإمتاع وتساهم في حماية الذوق العامّ وبناء نماذج من الشخصيات المسرحيّة والسينمائيّة والدراميّة تصلح أن تكون قدوة في التوازن والعلم والتحرّر والصدق والعفّة.. الوضع الحالي في الأسرة والشارع والمؤسّسات يجعلنا في أمسّ الحاجة إلى مشروع فنّي وثقافيّ وطنيّ يساهم في الحدّ من الفوضى والانحراف والعنف والابتذال، سمّها إن شئت "حالة طوارئ ذوقيّة وأخلاقيّة".
الكلمات المفتاحية
حوار| رواية مطبخ أم السعد لمنصور شلندي.. مكائد خادعة تُطبخ على نار هادئة
منصور شلندي لـ"الترا تونس" بخصوص رواية مطبخ أم السعد: الكتابة انعتاق من القيود المجتمعية والواقعية.. الكتابة هي تعبير عن رؤية فنية قد تكون قبيحة وقد تكون جميلة.. ولكنها في كل حال حرة
حوار| كريم الثليبي: أغامر لأكون حقيقيًا في موسيقاي وأقدم وجهة نظر موسيقية
كريم الثليبي (موسيقي تونسي) لـ"الترا تونس": أعتبر أن الجمهور التونسي أفضل جمهور لأنه ذكي جدًا، ويمكنه أن يفهم ما إذا كانت الرسالة صادقة أم لا
حوار| سامي المقدم: أحلم أن تصبح المرسى مزارًا سياحيًا لمحبّي سانت إكزوبيري حول العالم
سامي المقدم لـ"الترا تونس": بالنسبة لرواية غربان سانت إكزوبيري، طرحتُ على نفسي سؤالًا محدّدًا: لو كنتُ أنا الكاتب، أين سأضع الرسائل الملغّزة؟ أعدتُ قراءة الكتاب سطرًا سطرًا بهذه الفكرة، ووجدتُ العديد من الأمور المثيرة
"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس
قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..
هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب
أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..