حفلات الطلاق في تونس.. لماذا يُحتفى بنهاية الزواج؟
22 أبريل 2026
لم يكن المشهد مألوفًا حين قرر رضا.ع، وهو تاجر من حي الزهور بتونس، أن يذبح خروفًا ويجمع أهله وإخوته احتفاءً لا بزواج جديد، بل بطلاق طال انتظاره. واحد وثلاثون عامًا من الزواج، وثلاثة أبناء، وسنتان من التقاضي، انتهت بليلة وصفها هو بنفسه بـ"الانتصار".
يروي رضا لـ"الترا تونس" أنّ زوجته هي من بادرت برفع دعوى الطلاق للضرر، غير أن المحكمة ردّت دعواها بعد عام كامل من التقاضي. ويقول إنه استند إلى وثائق تفنّد ادعاءاتها، قبل أن يرفع بدوره دعوى طلاق إنشائي أُجيبت. وحين صدر الحكم، قرّر إقامة حفل الاحتفال كردّ فعل اعتبره طبيعيًّا بعد الذي عاشه في هذه التجربة.
ويفسّر محدّثنا لـ"الترا تونس": "حفل الطلاق لم يكن إحساسًا بالسعادة بقدر ما هو ردّ اعتبار لشخصي، فأنا رجل شرقي لم أتحمّل فكرة أن ترفع ضدّي القضيّة ظلمًا وقد كان الأمر مسيئًا لي داخل مجتمع لا يرحم الرجل في هكذا أمور. ولأكون صادقًا 80% كان رضا حقيقي عن القرار، و20% كان نوعًا من الانتقام"، وفقه.
رضا (متزوّج من 31 سنة يحتفل بطلاقه) لـ"الترا تونس": حفل الطلاق لم يكن إحساسًا بالسعادة بقدر ما هو ردّ اعتبار لشخصي.. إذ لم أتحمّل فكرة أن تُرفع ضدّي القضيّة ظلمًا وقد كان الأمر مسيئًا لي داخل مجتمع لا يرحم الرجل
انتشر الفيديو بسرعة لافتة، وتجاوزت مشاهداته ثلاثمائة ألف مرة، مخترقًا الحدود التونسية ليصل إلى دول عربية عدة، وفقه. وكانت ردود الفعل متضاربة بحسب ما يصفه صاحب القصة، فبينما رأى فريق أن الاحتفال بالطلاق إساءة للمؤسسة الزوجية وخروج عن الأعراف الاجتماعية، رأى فريق آخر ولا سيما من الرجال أنه تعبير مشروع عن التحرر من علاقة متأزمة.
هذا الجدل يعكس في جوهره توترًا أعمق في المجتمع التونسي بين قيم راسخة تجعل الطلاق شأنًا خاصًا يستوجب الكتمان، وتحولات ثقافية متسارعة تدفع البعض نحو البوح العلني والتعبير الاحتفالي عن منعطفات الحياة الشخصية. يُسقط رضا من قصته درسًا يراه جوهريًا لكل مقبل على الزواج: التكافؤ.
ويقول بصريح العبارة: "اختر شريكًا يشبهك في المستوى الاجتماعي والمادي. الفجوة بين المستويين للرجل أو للمرأة هي التي تُفجّر العلاقة في نهاية المطاف".
وفي هذا السياق، لا تخرج شهادة رضا عن نمط متكرر في قصص الطلاق، حيث يبدو الفارق الاجتماعي أو الاقتصادي بين الزوجين عاملاً خفيًا يتراكم أثره ببطء، حتى يتحوّل إلى وقود للأزمة.
ما يؤكده رضا، رغم اعترافه بأن دافع الانتقام لم يكن غائباً، هو أن الليلة أعادت إليه شيئاً فقده طويلاً: الشعور بأنه صاحب قراره.
ظاهرة حفلات الطلاق في تونس.. ثقافة جديدة؟
وفي قراءتها لظاهرة حفلات الطلاق، تؤكد الخبيرة في العلاقات سيدة الجلاصي أنّ ما نعيشه اليوم في تونس يعكس تحوّلاً اجتماعيًا عميقًا، تزامن مع ارتفاع لافت في عدد قضايا الطلاق. وتوضّح أن بروز ما يُعرف بـ"حفلات الطلاق"، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في أماكن خاصة، لم يعد أمرًا معزولًا، بل صار سلوكاً ينتشر تدريجيًا ويتأثر بثقافة المنصات الرقمية وأنماط العيش الجديدة.
سيدة الجلاصي (خبيرة في العلاقات) لـ"الترا تونس": بروز ما يُعرف بـ"حفلات الطلاق"، قد تمثل ردّة فعل على نظرة المجتمع التقليدية للطلاق من جهة، كما قد تكون محاولة لتجاوز صدمة نفسية عميقة بعد الانفصال
وترى الجلاصي أن هذه الظاهرة يمكن تفسيرها علميًا من زوايا إنسانية واجتماعية متعددة، فهي من جهة قد تمثل ردّة فعل على نظرة المجتمع التقليدية للطلاق، التي لا تزال، بحسب تعبيرها، "وصمة سلبية" خاصة فيما يتعلق بالمرأة المطلقة في المجتمعات العربية. ومن جهة أخرى، قد تكون هذه الاحتفالات محاولة لتجاوز صدمة نفسية عميقة بعد الانفصال، خاصة عندما يكون القرار فجئيًا أو أحادي الجانب، في ظل ارتباط عاطفي لم ينقطع بعد، مما يجعل عملية التعافي بطيئة ومعقدة. وتضيف أن التحكم في هذه المشاعر ليس بالأمر السهل، وأن بعض الأفراد يلجؤون إلى هذه الممارسات كوسيلة للتنفيس أو إعلان بداية جديدة.
وفي هذا السياق، تشير الخبيرة إلى أن بعض النساء يعتبرن الطلاق نقطة انطلاق لحياة مختلفة، فيحتفلن بهذه البداية حتى وإن كانت التجربة الزوجية السابقة مليئة بالضغوط أو الخيبات، سواء على المستوى العاطفي أو المادي. كما لا تقتصر هذه الظاهرة على النساء فقط، إذ بات بعض الرجال أيضًا يشاركون في هذا النمط من التعبير، في إطار ما تصفه بمحاولة "للتمكين أو التحرر" نفسيًا، رغم أن ذلك قد يخفي أحيانًا رغبة غير معلنة في العودة أو حالة من عدم الحسم الداخلي.
اقرأ/ي أيضًا: طلاق بسبب البنات.. أو حين يُحاسب رحم الأم على جنس المولود
لكنّ الجلاصي تحذر في المقابل من الانعكاسات السلبية لهذه الظاهرة، معتبرة أنها قد تؤثر على صورة الزواج في المجتمع، وتخلق نوعًا من الالتباس بين مفهوم التحرر وفكرة الالتزام، خاصة وأن الزواج "ميثاق يقوم على المسؤولية"، على حد تعبيرها.
كما تشير إلى أن هذه التصرفات قد تزيد من الضغط النفسي على الطرف الآخر، وتساهم في تآكل الثقة في مؤسسة الزواج، في ظل تزايد نسب الطلاق وتنامي هذه المظاهر الاحتفالية.
وتتوقف الخبيرة أيضًا عند تأثير هذه الظاهرة على الأطفال، مؤكدة أن الطفل يظل الحلقة الأضعف والأكثر تأثرًا نفسيًا بعد الانفصال، وأن الاحتفال قد يغطي على الألم الحقيقي دون معالجته، بل قد يخلق شعورًا بالوحدة أو الارتباك العاطفي لدى الأبوين، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على الأبناء. وتطرح في هذا السياق تساؤلاً جوهرياً: هل هذه الاحتفالات تخفف فعلاً من المعاناة، أم أنها مجرد غطاء يخفيها؟
اقرأ/ي أيضًا: النفقة أو السجن.. عندما يضع الطلاق الرجل أمام خيارين في تونس
ورغم محاولات البعض تفسير هذه الظاهرة كتأثر بالعالم الغربي وبثقافة مواقع التواصل الاجتماعي، تؤكد الجلاصي ضرورة قراءة الموضوع ضمن خصوصية المجتمع التونسي وقيمه. فبحسب قولها، لا تزال مفاهيم مثل "ستر البيوت" واحترام الخصوصية حاضرة بقوة في الوعي الجمعي، حيث كان يُنظر سابقًا إلى الطلاق كمسألة خاصة لا يتم تداول تفاصيلها في العلن، حفاظاً على كرامة الأطراف وتماسك العائلة، خاصة عند وجود أطفال.
سيدة الجلاصي (خبيرة في العلاقات) لـ"الترا تونس": نحذّر من انتشار ظاهرة حفلات الطلاق التي قد تؤثر على صورة الزواج في المجتمع، وتخلق نوعًا من الالتباس بين مفهوم التحرر وفكرة الالتزام
وتخلص الخبيرة إلى أن تزايد حفلات الطلاق، بالتوازي مع ارتفاع نسب الانفصال، يفرض اليوم نقاشًا جديًا حول التحولات التي يشهدها المجتمع، ويدعو إلى مزيد من التوعية بأهمية التوازن بين التعبير عن الألم الشخصي واحترام القيم الاجتماعية، بما يحفظ كرامة الأفراد ويحدّ من التأثيرات السلبية على النسيج العائلي.
تبقى "حفلة الطلاق" ظاهرة هامشية في تونس، غير أنها تستدعي التأمل. فهي من ناحية، تعبير عن رغبة بعض الأفراد في استعادة السيطرة على سردية حياتهم في لحظات الانكسار. ومن ناحية أخرى، تطرح تساؤلات مشروعة حول تداعياتها على الأبناء والمحيط الاجتماعي، وما إذا كان الاحتفال العلني بنهاية الزواج قادرًا على معالجة الجرح أم أنه يزيده عمقًا.
الكلمات المفتاحية
طقوس الحج في تونس.. عرس للروح وتراث لا يموت
لا تقل عودة الحجاج بعد أدائهم شعيرة الحج، حماسةً عن الوداع؛ إذ يُستقبل الحاج في تونس، بقرع الدفوف والورود وسط أجواء تعبق برائحة البخور. وتكتمل الفرحة بذبح الخراف وإقامة الولائم الكبرى، حيث يتصدر "الكسكسي التونسي بالعلوش" الموائد، تعبيرًا عن شكر النعمة.
مرصد: أفريل الشهر الأعلى احتجاجًا في تونس والأزمة الاجتماعية تعمّق الاحتقان
المرصد الاجتماعي التونسي: نسق الحراك الاحتجاجي يواصل نسقه التصاعدي في تونس، وشهر أفريل 2026، شهد أعلى عدد من التحركات منذ بداية السنة
ضحايا غير مرئيين.. البكالوريا اختبار صعب للعائلة قبل التلميذ
سنة البكالوريا ليست مجرد محطة دراسية، بل هي اختبار حقيقي لوعي الأسرة وقدرتها على حماية توازنها الداخلي، حتى لا يكبر بعض أبنائها وهم يحملون شعورًا خفيًا بأنهم كانوا، يومًا ما، على هامش الحكاية
هل سُجّلت إصابات بفيروس هانتا في تونس؟ وزارة الصحة تتفاعل
وزارة الصحة التونسية: نواصل متابعة الوضع الصحي العالمي، وتعزيز منظومة اليقظة الصحية والترصد الوبائي والاستعداد والاستجابة، خاصة عبر نقاط الدخول والمصالح المختصة، بما يضمن الكشف المبكر والتعامل السريع مع أي تطورات محتملة
أهالي قابس يقرّرون العودة إلى الاحتجاجات لتحقيق مطلب تفكيك الوحدات الملوّثة
حملة "أوقفوا التلوث": سنواصل رفع أصواتنا في بكل الأشكال الممكنة والمتاحة إلى حين تحقيق مطلبنا بتفكيك الوحدات، وتحمل الجميع مسؤوليتهم أمام الإبادة البيئية والجرائم ضد الطبيعة والإنسان
جربة زمن الشعبوية والهويات الطاردة
من الواضح أن من اختار كتابة أسماء هذه الدول الإفريقية الثلاث لديه لبس جغرافي وعدم معرفة بالمهاجرين الأفارقة جنوب الصحراء القادمين إلى بلادنا والراغبين في الهجرة إلى الضفة الشمالية للمتوسط
موعد عيد الأضحى 2026 في تونس
مفتي الجمهورية التونسية: يوم الاثنين 18 ماي 2026، هو أول أيام شهر ذي الحجة 1447 هجري، وأنّ عيد الأضحى المبارك يكون يوم الأربعاء 10 ذي الحجة 1447 الموافق ليوم 27 ماي 2026