ultracheck
سیاسة

حصاد 2025.. تونس أكثر سلطوية وأقل ديمقراطية

31 ديسمبر 2025
الانتقال الديمقراطي الثوة التونسية المعارضة تونس فتحي بلعيد أ فب getty
شهدت مربعات الفضاء المدني تراجعًا ملاحظًا عام 2025 خاصة مع المرور للمحاكمات في الملاحقات المثارة ضد بعض الجمعيات (صورة أرشيفية/فتحي بلعيد/أ ف ب/Getty)
كريم المرزوقي
كريم المرزوقيباحث من تونس

واصلت تونس خلال عام 2025 مسار التراجع الممنهج في ممارسة الحريات السياسية والمدنية، في امتداد واضح للسنوات الأخيرة، حيث تواصلت المحاكمات السياسية ومحاكمات الرأي في ظل تغييب متزايد لضمانات المحاكمة العادلة، وعلى رأسها استقلال القضاء، ولا سيما مع استمرار حالة الشلل التي يشهدها مجلس القضاء العدلي المؤقت.

وتزامن هذا المنحى مع مزيد من انحسار فضاءات النشاط السياسي والمدني على حدّ سواء، خاصة عقب حملة تعليق نشاط عدد من الجمعيات، إلى جانب التراجع الملحوظ في مساحات الإعلام الحرّ والتعددي، سواء في وسائل الإعلام العمومية أو الخاصة.

وضمن هذا السياق العام، تعمّقت الأزمة السياسية على مستوى المشاركة العامة وسيادة القانون وضمان الحريات، وهو ما عكسه مؤشر الديمقراطية بحلول تونس في المرتبة 93 عالميًا، مسجّلة تراجعًا حادًا بـ11 مرتبة دفعة واحدة مقارنة بالعام الأسبق، فضلاً عن فقدانها صدارة ترتيب البلدان العربية، في تأكيد لنكسة واضحة مقارنة بما كان مسجّلًا خلال سنوات ما بعد الثورة.

تعمّقت الأزمة السياسية على مستوى المشاركة العامة وسيادة القانون وضمان الحريات، وهو ما عكسه مؤشر الديمقراطية بحلول تونس في المرتبة 93 عالميًا، مسجّلة تراجعًا حادًا بـ11 مرتبة دفعة واحدة مقارنة بالعام الأسبق

"السرعة القصوى" في المحاكمات السياسية.. السجن يجمع المعارضين

شهد عام 2025 عقد جلسات المحاكمة ضد معارضين من تيارات سياسية مختلفة في قضايا متعدّدة في مقدّمتها قضية التآمر على أمن الدولة التي صدر في شأنها الحكم الابتدائي في أفريل/نيسان المنقضي دون استنطاق المتهمين ولا ترافع المحامين عنهم في الأصل إثر تمسّك المتهمين بحقهم في الحضور الشخصي في قاعة الجلسة وهو ما رفضته المحكمة التي تمسّكت بفرض المحاكمة عن بُعد خارج إطار تنظيمها القانوني. وتضمّ هذه القضية معارضين بين متحزّبين ومستقلّين إضافة لرجال أعمال وآخرين. وهو الحكم الذي أيّدته محكمة الاستئناف نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني المنقضي من حيث مبدأ الإدانة بخصوص المعارضين السياسيين. وقد تم على ضوء ذلك إيقاف المعارضين العياشي الهمامي وأحمد نجيب الشابي وشيماء عيسى ليلتحقوا بقائمة المعارضين التي ما فتأت تتوسّع داخل السجون. مسلسل المحاكمات ضد معارضين خلال العام تعلقت أيضًا بما تُسمى "قضية التآمر 2" التي صدرت في شأنها أحكام سجنية قاسية، إضافة لما تُعرف بقضية "التسفير" وأيضًا قضية "مكتب الضبط" وغيرها.

تحوّل عام 2025 إلى عام الأحكام السجنية الثقيلة ضد المعارضين في محاكمات طالما أكدت هيئات الدفاع أنها تخلو من ضمانات الحد الأدنى للمحاكمة العادلة

إذ تحوّل عام 2025 إلى عام الأحكام السجنية الثقيلة ضد المعارضين في "محاكمات طالما أكدت هيئات الدفاع أنها تخلو من ضمانات الحد الأدنى للمحاكمة العادلة". وقد أكّدت هذه الأحكام تحوّل إدارة الشأن السياسي بين السلطة ومعارضيها من الفضاءات العامّة إلى السجن بوصفه فضاء لتكميم أفواه المعارضين، وأيضًا بما يعزّزه من انتشار مناخات التخويف والترهيب في مربعات الفعل السياسي المعارض للسلطة. وهو ما يؤكد موت الحياة السياسية خارج نطاق مؤسسات السلطة.

لا مجلس أعلى للقضاء.. لا محكمة دستورية.. والطوارئ مستمرّة

وفي خضم الحديث عن المحاكمات السياسية، يعدّ غياب استقلالية القضاء لوحده شاهدًا جوهريًا على هذا التوصيف للمحاكمات، وهو غياب يتأسس، على المستوى المؤسساتي المحض، بغياب مجلس أعلى للقضاء بما يمثله من ضمانة لقدرة القضاة على ممارسة مهامهم باستقلالية عن السلطة السياسية. ويتمظهر الغياب سواء عبر عدم إحياء مجلس القضاء المؤقت الذي يعاني شللًا بسبب الإخلال بتركيبته أو بعدم سن قانون للمجلس الأعلى للقضاء طبق دستور 2022 ومن ثمّ وضع تركيبته. وقد أدى هذا الوضع غير المسبوق في القضاء التونسي لاستفراد وزارة العدل لوحدها بإدارة المسارات المهنية للقضاة بما يشمل التعيين في الخطط القضائية والجرد منها والنقل. وقد بلغت عدد مذكرات العمل ما يناهز الألف مذكرة في ظرف سنتين فقط،  حسب آخر تقديرات جمعية القضاة التونسيين.

اقرأ أيضًا: حصاد 2025 في تونس.. أحكام سجنية ضد المعارضة تثير استياءً حقوقيًا واسعًا

غياب مجلس أعلى للقضاء بما يمثله من ضمانة لقدرة القضاة على ممارسة مهامهم باستقلالية عن السلطة السياسية وقد أدى هذا الوضع غير المسبوق في القضاء التونسي لاستفراد وزارة العدل لوحدها بإدارة المسارات المهنية للقضاة

وفي جانب متصل، مرّ عام 2025 دون سنّ قانون المحكمة الدستورية ولا وضعها. فلم يبادر رئيس الجمهورية بإعداد مشروع القانون كما هو متنظر لتنزيل دستوره ولم يبادر بدوره البرلمان للتصدّي لمهمة التشريع. مع الملاحظة أن عددًا من النواب بادروا بتقديم مقترح قانون للغرض في الربيع الماضي لكن سرعان ما تمّ سحبه. وهو ما يعزّز التوجّه نحو عدم بسط أي طريق لإنشاء المحكمة.

وفي ذات الإطار، تواصل خلال عام 2025 العمل بأمر الطوارئ الذي اختتم العام بإعلانه طيلة شهر جانفي/يناير 2026 وثم من المنتظر تمديده لنهاية العام على غرار ما تحوّل إلى عادة كل عام. ويتواصل العمل بهذا الأمر الذي يعود لعام 1978 والحال كان قد انتقده رئيس الجمهورية في وقت سابق وفي مناسبات متعدّدة، وكان المؤمل وضع قانون يؤطر حالة الطوارئ بما لا يمسّ من جوهر الحريات العامة.

تواصل خلال عام 2025 العمل بأمر الطوارئ الذي اختتم العام بإعلانه طيلة شهر جانفي 2026 وثم من المنتظر تمديده لنهاية العام على غرار ما تحوّل إلى عادة كل عام والحال أن رئيس الجمهورية كان قد انتقده في وقت سابق وفي مناسبات متعدّدة

استهداف الفضاء المدني.. تعليق نشاط الجمعيات

في خضمّ ذلك، شهدت مربعات الفضاء المدني تراجعًا ملاحظًا عام 2025 خاصة مع المرور للمحاكمات في الملاحقات المثارة ضد بعض الجمعيات وبالخصوص النشطة في مجال الهجرة. فيما أشّر صدور قرارات قضائية بتعليق نشاط عديد الجمعيات بطلب من المكلف العام بنزاعات الدولة تمثيلًا للكتابة العامة للحكومة عنوانًا رئيسيًا في كشف توظيف مرسوم الجمعيات لعام 2011 عن خارج نطاقه عبر التشدّد في تطبيقه وتغليب المنطق العقابي المحض. وقد شملت قرارات التعليق جمعيات حقوقية مثل الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

حرية النشر والصحافة.. انحدار مستمرّ

وضع حرية الصحافة لم يشذّ عن وضع الحريات العامة عام 2025 بما يعكسه مؤشر تصنيف تونس في المرتبة 129 عالميًا مقابل تسجيل المرتبة 118 في العام السابق. إذ تبيّن خلال العام تحوّل الإعلام العمومي إلى أداة حكومية بحتة خاصة في البرامج السياسية اليومية عبر حضور معلّقين صحفيين يمثلون وجهة نظر السلطة في الملفات العامة مقابل غياب الأصوات المختلفة، وذلك دون أصلًا تغييب وجوه المعارضة في البرامج الحوارية التي تراجع عددها بشكل غير مسبوق منذ الثورة. وليس الوضع في وسائل الإعلام الخاصّة ببعيد مع تمسّك بعضها بممارسة عملها وفق مبادئ التعددية والاستقلالية. وقد تواصل عمل الإعلام البصري والإذاعي على وجه الخصوص مع تواصل تجميد هيئة الاتصال السمعي البصري التي كان يؤمن لها مرسومها لعام 2011 واجب السهر دعم حرية التعبير وحمايتها على وجه الخصوص.

احتلت تونس المرتبة 129 عالميًا في تصنيف حرية الصحافة السنوي، مقابل المرتبة 118 في العام السابق كما أسهم تواصل التتبعات القضائية استنادًا إلى الفصل 24 من المرسوم 54 في إشاعة مناخ عام من الخوف والرقابة الذاتية

كما أسهم تواصل التتبعات القضائية استنادًا إلى الفصل 24 من المرسوم 54 في إشاعة مناخ عام من الخوف والرقابة الذاتية داخل الفضاء العام بما حدّ من جرأة التعبير عن المواقف والآراء النقدية تجاه السلطة، خاصة في ظل ضعف توظيف السلطة السياسية للقضاء بما في ذلك جهاز النيابة العمومية، وغياب آليات حماية ناجعة بما يشمل الصحفيين قبل غيرهم.

وضع متأزّم برمّته

بكلّ ذلك، تتواصل في تونس أزمة مركّبة لا تقتصر على تشابك أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل تتعمّق أيضًا بفعل تعدّد عناصر الاختلال داخل المجال السياسي ذاته. فهي تتغذّى من تصاعد المنحى السلطوي وتراجع مؤشرات دولة القانون من جهة، وأيضًا من هشاشة موازين الفعل السياسي من جهة أخرى، في ظلّ معارضة أرهقتها المحاكمات السياسية.

ويُضاف إلى ذلك تراجع الدور التاريخي للاتحاد العام التونسي للشغل الذي يمرّ بدوره بأزمة داخلية متفاقمة ما حدّ من قدرته على لعب دور الوسيط السياسي بغض النظر عن رفض السلطة لأي مبادرات للحوار الوطني في السنوات الأخيرة. إذ أسهمت أزمة الاتحاد، بالتوازي مع ضعف فاعلية المحاماة الرسمية في فترة العميد المزيو، في مزيد هشاشة عوامل التوازن لمواجهة تغوّل السلطة الحالية.

الكلمات المفتاحية

التآمر فتحي بلعيد أ ف ب Getty

قضية "التآمر" أمام التعقيب.. تصاعد المطالب بإلغاء "الأحكام الظالمة" وإنفاذ القانون

تفاعلت عدة أحزاب سياسية ومنظمات دولية، وشخصيات سياسية وحقوقية، تزامنًا مع جلسة التعقيب في قضية "التآمر1"، ودعت إلى "إعلاء قيم العدالة والإنصاف وسيادة القانون وإيقاف مسار الظلم وتجريم المعارضة السياسية السلمية"، وفقها


"هيومن رايتس ووتش": نستنكر قمع السلطات الممنهج للمجتمع المدني في تونس

"هيومن رايتس ووتش": نستنكر قمع السلطات الممنهج للمجتمع المدني في تونس

"هيومن رايتس ووتش": يلعب المجتمع المدني دورًا رئيسيًا في محاسبة السلطة، وتقديم خدمات أساسية، والدفاع عن حقوق الإنسان. تسيء السلطات استخدام كل الأدوات المتاحة لها لإغلاق الحيز أمام المجتمع المدني وإقفال هذه المنظمات.


المعارضة في تونس تصعّد خطابها وتدعو سعيّد للتنحّي عن الحكم

المعارضة في تونس تصعّد خطابها وتدعو سعيّد للتنحّي عن الحكم

حزب التيار الديمقراطي: "ندعو المواطنين إلى الاحتجاج السلمي والمسؤول ورفض التطبيع مع الرداءة والفشل.. والتمادي في هذا النهج لم يعد مجرّد إخفاق في إدارة الشأن العام، بل بات تهديداً مباشراً للسلم الاجتماعي واعتداء صريحًا على كرامة المواطنين"


احتجاجات تونس الماء والكهرباء

قطع الماء والكهرباء و"خطاب المؤامرة".. احتجاجات في تونس ورفض "لسياسة الإنكار"

خلفت الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء في تونس وقفات احتجاجية وغلقًا للطرقات، في وقت يفسّر فيه الخطاب الرسمي ما يحدث في البلاد بأنه "أعمال مدبرة هدفها تأجيج الأوضاع"، وهو ما أثار عدة تفاعلات في الساحة السياسية

 طقس تونس istockphoto
منوعات

طقس تونس.. سحب عابرة وأمطار متفرقة في بعض المناطق

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تتراوح بين 26 و31 درجة بالشمال وجهة الساحل

طقس تونس pexels
منوعات

طقس تونس.. الحرارة في استقرار مع أمطار متفرقة وغزيرة ببعض المناطق

معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي قوية نسبيًا قرب السواحل الشرقية وبالجنوب وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات


طقس تونس قرطاج Getty
منوعات

طقس تونس.. انخفاض في درجات الحرارة وأمطار رعدية في عدة جهات

معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تواصل الانخفاض، لتتراوح القصوى بين 23 و28 درجة بالشمال والمرتفعات

تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية
منوعات

تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية

تقام مباريات الجولة الرابعة للبطولة التونسية، أيام السبت 12 والأحد 13 والأحد 20 سبتمبر 2026 انطلاقًا من الساعة الرابعة بعد الزوال.

الأكثر قراءة

1
مجتمع

تفكيك شبكة لترويج الكوكايين وإيقاف 13 شخصًا من بينهم مغني راب في تونس


2
مجتمع

العودة المدرسية 2026 – 2027 في تونس في أرقام


3
منوعات

بطولة إفريقيا للكاراتيه.. تونس تختتم مشاركتها بـ 18 ميدالية


4
سیاسة

تزايد الوفيات داخل السجون.. جمعية القضاة تدعو إلى فتح أبحاث قضائية فورية


5
منوعات

البطولة التونسية.. انتصاران للترجي وشبيبة العمران وتعادل وحيد