جمهور السياسة والسياسة
24 يوليو 2025
مقال رأي
موضوعان في الأسبوع الماضي شغلا الرأي العام السياسي التونسي. الجدل حول فيديو الرئيس قيس سعيّد مع مبعوث الرئيس ترامب إلى إفريقيا مسعد بولس حول الإبادة والتجويع في غزة، والجدل الذي اندلع وسط المعارضة التونسية حول تنظيم مسيرة مشتركة بمناسبة 25 جويلية/يوليو 2025. في كلاهما نرى أنّ هناك معيارًا أساسيًا لمناقشة الأمرين، وهو مركزية دور جمهور السياسة في السياسة. من البدء ليست زاوية النظر التي نطرح الموضوع من خلالها هي "الجمهور عاوز كده". بل ما نريد مناقشته هنا العلاقة بين النجاعة والمبدئية في العمل السياسي، وموقع جمهور السياسة في هذه المعادلة.
السياسة هي بلا شك قوة صلبة وموازين قوى مادية مالية ومسلحة ولكنها أيضًا قوة ناعمة ومعركة صور ومشاهد. والصور والمشاهد وحتى الكلام في سياقات محددة هي أفعال. ومن محددات السياسة أيضًا موازين القوى وفيها إحدى رافعات أي صراع سياسي مجال الرأي العام، وهو مجال الصور والكلام. خاصة عندما يعزّ الكلام، وهو عزيز في الخطاب الرسمي العربي في السياق الراهن. من ذلك تراجع مؤسسة بعراقة الأزهر وأهميتها عن بيانها المندد بتجويع غزة، ويتبين من توضيح لاحق أنّ السلطات المصرية ترفض البيان تحت عنوان إضراره بجهود الوساطة المصرية (هكذا)! في الجهة المقابلة ترامب يوظف الصور والكلام. مشهد إهانته البالغة للوفد الأردني مثال من أمثلة عديدة، وأيضًا محاولته القيام بالشيء نفسه مع الرئيس الجنوب إفريقي.
حاول سعيّد التواجد في معركة الصور والمشاهد والكلام أمام مبعوث الرئيس الأميركي.. هل يمكن له القيام بما هو أكثر؟ ربما وعلى الأرجح ممكن، بدءًا بتمرير تجريم قانوني بأي شكل حتى تحت عنوان المجلة الجزائية ضد التطبيع
لم يقم قيس سعيّد بنشره فيديو، الذي يشهد فيه الرأي العام العربي على مبعوث الرئيس الأميركي واقع التجويع المسؤول عنه مباشرة مع حكومة الكيان، بفعل خارق سينهي الحصار. في المقابل، حاول التواجد في معركة الصور والمشاهد والكلام. في الوقت الذي كان فيه باقي النظام الرسمي العربي موضوع إهانة أو ترذيل. وما فعله من صميم فعل السياسة، ويصبح بقيمة مضاعفة بسبب السياق، سياق يعز فيه الكلام والتحدي بالمستوى الأدنى. هل يمكن له القيام بما هو أكثر؟ ربما وعلى الأرجح ممكن، بدءًا من تمرير تجريم قانوني بأي شكل حتى تحت عنوان المجلة الجزائية ضد التطبيع، أو أيضًا الانفتاح على فعاليات مدنية للمقاومة، وأيضًا على حركات رفع الحصار العالمية. لكن ليس لأنه لم يقم بذلك فإن فعله أعلاه بلا قيمة، و"مجرد كلام"، لأنّ الكلام في سياقات محددة ليس "رخيصًا" بل يمكن أن يكون مكلفًا ولهذا بالتحديد يقتصد فيه ويتجنبه النظام العربي الرسمي.
في رأيي، ليس من الإجباري والقسري على أحد التعبير عن موقف. يبقى أن هناك أمرًا مهمًا في فهم معارك الداخل التونسي. ليس مطلوبًا من أي طرف سياسي أن يكون موضوعيًا في مواقفه، بل فقط في تشخيصه للواقع (ليضع الخطة السياسية المناسبة). لكن بلا شك ما هو مطلوب في رأيي من أي طرف سياسي هو الانسجام أمام الرأي العام التونسي. إن كنت فعلًا داعمًا للحق الفلسطيني فلستَ معنيًا بترذيل أي كلام/فعل رسمي يقوم بذلك بداعي أنه خصمك. ولا يؤدي ذلك لاستنقاص دورك وجهدك في المعارضة، بل يرسخه من زاوية التأكيد على هويتك المنسجمة ويدعم من ثمة مصداقيتك. وأعز ما يفتقده جمهور السياسة هو المصداقية.
تجاوز واستبعاد الترذيل للترذيل، والترذيل من باب الترويح عن النفس وتفريغ القلب، ذلك أيضًا من دروس الماضي، ماضي العشرية وما بعدها. ترذيل كل الطيف السياسي بعضه البعض، رذّل السياسة نفسها وجعل الجميع تدريجيًا خارج مجال اهتمام جمهور السياسة، جمهور الشارع المفترض والناخبين مستقبلًا.
نأتي الآن إلى الجدل الآخر الذي شق الساحة السياسية أساسًا، وليس ضرورة جمهور السياسة، وهناك فرق كما سنشرح. إذن الموضوع صراع بيانات بين "جبهة الخلاص" و"شبكة الحقوق والحريات"، وأيضًا اتحاد الشغل. بدا كأن الجدل هو حول سوء تنسيق بين مختلف الأطراف المعنية حول تنظيم مسيرة مشتركة يوم عيد الجمهورية يوم الجمعة تنديدًا بالسلطة. لا يمكن تجاهل تقارب المواقف من السلطة من أطراف متناقضة في الخلفية الفكرية والتموقع السياسي في العشرية وما بعدها، إلى الحد الذي يجتمعون فيه حتى في استعمال مصطلحات محددة في توصيفها من ذلك أنها "سلطة الانقلاب".
على أنّ هذا التقارب السياسي لا يعني ضرورة إمكانية "تجميعها"، ومثلما شرحت في مقال سابق هوية هذه الاطراف السياسية، وهي ثلاث مجموعات أساسية، ذاتها تستند إلى قواعد وموالين وأنصار يفهم كل منهم خصومتهم مع النظام من خلال سرديات وزوايا تفترض أساسًا عداءً مع مجموعات سياسية أخرى في المعارضة ذاتها، بل أحيانًا هناك تنافس موضوعي بين السلطة وبعض معارضيها في الصراع ضد معارضين آخرين. أي "تجميع" يعني موضوعيًا وبالضرورة، تفجير ما تبقى من قواعد موالين وأنصار لهذا المجموعات المعارضة. والأهم، كما سبق أن شرحتُ أيضًا، المستهدف المفترض أساسًا من أي مجموعة سياسية هو جمهور السياسة، سواء القادر على التعبئة في الشارع بشكل حاسم أو في سياق آخر الذهاب إلى صندوق الاقتراع، وهذين مستويين مختلفين عن أنصار الأحزاب.
ترذيل كل الطيف السياسي بعضه البعض، رذّل السياسة نفسها وجعل الجميع تدريجيًا خارج مجال اهتمام جمهور السياسة، جمهور الشارع المفترض والناخبين مستقبلًا
الحديث عن ضرورة التنسيق والتجميع مفهوم عندما يأتي من قبل عائلات مساجين مكلومين يبحثون عن أي إسناد ممكن يجعلهم يرون ضوءًا في آخر نفق المعاناة النفسية والمادية لذويهم. لكن طبعًا بالمنطق السياسي العملي ليس هذا التجميع مستحيلًا بل أيضًا ليس مفيدًا بالضرورة لإقناع جمهور يبحث عن أطراف سياسية منسجمة تدافع عن مصداقيتها، ومن ثمة لا تذم ليلًا نهارًا أطرافًا أخرى، ثم فجأة تلتقي معها في الشارع في اليوم التالي، وهو تحديدًا الجرح الذي تحاول السلطة تعفينه في ذهن جمهور السياسة، أي أنّ أطراف المعارضة "منافقة" لا تستقيم على رأي وتنقلب في أي لحظة في مواقفها من باب التموقع والبحث عن السلطة من أجل السلطة.
ما جعل غالب جمهور السياسة أيضًا يهجر الاهتمام بها، هو تصوير العالم منقسمًا دائمًا إلى أبيض وأسود. هذه المقاربة الاستقطابية الحادة بالمناسبة من خصائص الشعبوي، ويتبناها في كثير من الأحيان من يقولون إنهم معادين للشعبوية، ويسقطون عادة في النخبوية. واعتبار أي خصم في هذه الجهة أو تلك حاملًا لكل الشرور والمساوئ. والواقع عادة أكثر تعقيدًا وتركيبًا. بما في ذلك أن يكون حاكم ما معنيًا بتحدٍ -حتى كلامي- للاستبداد الخارجي، في حين يمارس هو أيضًا الاستبداد الداخلي. أو أن معارضًا شديد الجدية والوضوح في خصوص رفض ضرب حقوق الإنسان ومواجهة الاستبداد الداخلي ولكن لا يرى مشكلًا في التعاون مع مستبد دولي يحمي ويعزز سياسات استعمارية تضرب حقوق شعوب بأكملها وتعرضها للإبادة والتجويع لضرب المستبد الداخلي.
جمهور السياسة، في اعتقادي، يحتاج لعرض سياسي منسجم، في الاتجاهين. ذلك شرط أساسي لتجديد الثقة في السياسة في بلاد عاشت تخمة سياسية ربما ليست فقط غير مسبوقة في سياقنا التونسي، بل مميزة حتى في التجارب المقارنة.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

هجاء الظلم ورثاء السياسة في تونس
أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي نقل لحظات تنفيذ الأحكام الاستئنافيّة في حق رموز المعارضة والحركة الديمقراطيّة من خلال ما تمّ بثّه من فيديوهات وصور توثق لحظات الاعتقال وتنقل آخر كلمات لهم قبل إيقافهم.. وما بُثّ من فيديوهات لقيادات الحركة الديمقراطية مكنتنا من متابعة لحظات لم تكن متاحة في الحقب السابقة من تاريخ الصراع السياسي في بلادنا.

حول العياشي الهمامي
موجة التعاطف الواسعة مع العياشي الهمامي، إثر إيقافه بعد الحكم عليه خمس سنوات وإدانته بوصفه "إرهابيًا" فيما يعرف بقضية "التآمر 1"، التعاطف الذي اخترق كل الأطياف، والذي ربما فاجأ بعض التونسيين غير المتابعين للشأن العام مما دفع بعضهم أن يسأل "من هو العياشي الهمامي؟"، ذلك التعاطف وذلك السؤال، هو ما يدفعني لكتابة هذا النص

في الإضراب العام وتفاصيله
هل المفاوضات المتعلقة بالزيادة في الأجور قانون أم مجرد عرف؟ ولماذا أقرّ الاتحاد العام التونسي للشغل الإضراب العام يوم الأربعاء 21 جانفي 2026؟ مزيد التفاصيل تقرؤونها في مقال الجامعي والناشط السياسي عبد السلام الككلي

المصادقة على قانون انتداب أصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم
صادق مجلس نواب الشعب يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025 خلال جلسته العامة على مقترح قانون عدد 23/2023 المتعلق بأحكام استثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي الذين طالت بطالتهم بالقطاع العام والوظيفة العمومية

محسن مرزوق: أزمة السياسة في تونس استبداد الحكم وتعفن المجتمع السياسي
قال السياسي التونسي محسن مرزوق في تدوينة يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 2025: "ما تعيشه تونس اليوم من فوضى حكم واستبداد وظلم هو وضع مرفوض طولًا وعرضًا". وأضاف: "حكم الرئيس قيس سعيّد الحالي يمثّل، في رأيي، جملة وخلاصة وتلخيص آثامنا وخطايانا خلال الفترة الممتدة من سنة 2011 إلى 2019 وما بعدها"

عميد المحامين التونسيين: جريمة اغتيال محمد الزواري لا تزال دون محاسبة حقيقية إلى اليوم
أحيت الهيئة الوطنية للمحامين بتونس، يوم الثلاثاء 16 ديسمبر/كانون الأول 2025،، الذكرى التاسعة لاغتيال الشهيد المهندس محمد الزواري، وذلك خلال تظاهرة انتظمت بدار المحامي بالعاصمة تونس، بحضور عدد من المحامين والحقوقيين وممثلين عن قوى سياسية ومدنية، إلى جانب شخصيات تونسية وفلسطينية

الملعب التونسي: اتفاق مبدئي مع عمار السويح لتدريب الفريق
الناطق باسم الملعب التونسي: عمار السويح، المتواجد خارج حدود الوطن، سيتمّم إجراءات تعاقده مع الملعب التونسي خلال فترة نهاية الأسبوع الجاري

