ultracheck
سیاسة

ثلاث سنوات دون مجالس بلدية.. كلفة متصاعدة في تونس

31 مايو 2026
إيداع مبادرة تشريعية لتأجيل الانتخابات البلدية في تونس وتعويضها بنيابات خصوصية.jpg
أدى استدامة الشغور في المجالس البلدية لنحو ثلاث سنوات إلى كلفة متعدّدة الأبعاد والمستويات (صورة أرشيفية)
كريم المرزوقي
كريم المرزوقي باحث من تونس

مرّت أكثر من 3 سنوات منذ حلّ رئيس الجمهورية للمجالس البلدية بمقتضى مرسوم مؤرخ في 8 مارس 2023، وذلك ضمن موجة حلّ المجالس والهيئات المنبثقة من دستور 2014. حلّ اُحيلت بمقتضاه مهمة تسيير البلديات إلى الكتاب العامين تحت إشراف والي الجهة في انتظار انتخابات جديدة لا مؤشرات بعد على مضيّ السلطة السياسية نحوها. وأدى استدامة الشغور في المجالس البلدية لنحو ثلاث سنوات إلى كلفة متعدّدة الأبعاد والمستويات.

  • غياب ضابط للحالة المدنية

يمارس رؤساء البلديات بصفهم كضبّاط للحالة المدنية صلاحيات من بينها إبرام عقود الزواج، بيد أن حلّ المجالس البلدية بما شمله من شغور في رئاسة البلدية إلى غياب ضابط للحالة المدنية. ذلك أن الكتاب العامين لا يمكنهم اكتساب صفة ضابط الحالة المدنية بحكم أن الفصل الثاني من قانون الحالة المدنية يحصر من يمكنه التمتّع بهذه الصفة على سبيل الحصر. وهو ما أكدته استشارة كانت قد وجهتها وزارة الداخلية لمصالح التشريع برئاسة الحكومة، ليكشف هذا الوضع عن غياب ضباط الحالة المدنية بوصفهم الممثلين الرسميين للدولة في الدوائر البلدية.

أدى تكليف الكتاب العامين للبلديات بمهمة تسيير البلديات إلى طغيان منطق الإدارة الوقتية بما يعنيه من التركيز على تسيير الشؤون اليومية وتفادي اتخاذ قرارات استراتيجية أو يقتضي تنفيذها مدى زمني بعيد

وقد سبّب الشغور على مستوى رئاسة البلديات لظاهرة غير مسبوقة طيلة السنوات الأخيرة وهي دعوة المقبلين على الزواج الذين يرومون عقد حفلاتهم في قاعات البلديات إلى التعاقد مع عدل إشهاد لإبرام الزواج طبق القانون. وهو وضع أدى، بالمحصّلة، لتعطّل أحد أدوار الدولة المدنية داخل الفضاء البلدي عبر تولّي ضابط حالة مدنية ممثّل للدولة على المستوى المحلّي بإبرام عقود الزواج.

  • سواد منطق التسيير الإداري المؤقت

من جانب آخر، أدى تكليف الكتاب العامين للبلديات بمهمة تسيير البلديات إلى طغيان منطق الإدارة الوقتية بما يعنيه من التركيز على تسيير الشؤون اليومية وتفادي اتخاذ قرارات استراتيجية أو يقتضي تنفيذها مدى زمني بعيد. والمعلوم أن منطق التسيير الوقتي هو بطبيعته يميل إلى الحذر والمحافظة في التسيير، خاصة وأن الكاتب العام يمارس مهامه تحت إشراف الوالي.

ويُضاف إلى ذلك أن الكتاب العامين هم موظفون عموميون وهو ما يكرّس بالضرورة تغيب منطق التسيير الإداري المحض القائم على تطبيق القواعد الإدارية التقليدية، أي بعيدًا عن منطق التجديد والمبادرة التي عادة ما توفره المجالس البلدية التي تضمّ ممثلين عن حساسيات سياسية واجتماعية مختلفة، إضافة إلى كفاءات متنوّعة الاختصاص قادمة من تجارب مختلفة خاصة من القطاع الخاصّ والمهن الحرّة.

اقرأ/ي أيضًا: الأجندة السياسية في تونس عام 2026.. هل تشهد إنهاء "الوضع المؤقت" مؤسساتيًا؟

  • العودة إلى المركزية

في السياق نفسه، فإنّ الكتاب العامين هم موظفون ضمن السلك الإداري لوزارة الداخلية، وهم يتولّون التسيير المؤقت للبلديات تحت إشراف الولاة بما يعني العودة عمليًا للمركزية الإدارية على حساب الحكم المحلي. والحال أنّ إرساء اللامركزية هي من أهم منجزات ما بعد الثورة بما تعنيه من تفعيل للديمقراطية المحلية وإحالة السلطة المركزية لجزء من صلاحياتها إلى جماعات محلية منتخبة قريبة من المواطن وقادرة على التعبير على أولوياته.

يظلّ السؤال اليوم ما إذا كانت توجد علاقة لعدم المضي لانتخاب رؤساء بلديات جدد، وتقييد فرص التزكيات للانتخابات الرئاسية خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التضييقات التي رافقت المترشحين للانتخابات الرئاسية الأخيرة

وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت إبان حل البلديات أن موافقة الوالي باتت ضرورية بشأن قرارات بينها اتخاذ التراتيب العامة وإبرام عقود الكراء واللزمات وحتى ضبط المعاليم والرسوم بالبلديات.

  • تراجع الديمقراطية المحلية

مثلت تجربة البلديات رغم ما شابها من نواقص بدرجات مختلفة وذلك قبل حلّها عام 2023 فرصة لممارسة الديمقراطية المحلية بما تشمله من مشاركة فاعلة للمواطن ومن ذلك إمكانية حضوره للاجتماعات الدورية ومتابعة مداولات المجالس المنتخبة وتقديم مقترحاته. وهو الوضع الذي بات منعدمًا اليوم، وبما شمل أيضًا تراجع القدرة على المساءلة المحلية وبالتبعية تراجع مستويات الشفافية في تسيير الشأن البلدي بما يشمل مراقبة الصفقات واللزمات وإنفاق المال العمومي. ويُشار في هذا الجانب إلى أن مجلة الجماعات المحلية لعام 2018 كانت تنصّ أن رئاسة اللجنة المالية بالبلدية يترأسها عضو من غير قائمة رئيس البلدية ومساعده الأول، وذلك لضمان نجاعة الرقابة.

إذ كان المواطن، إلى جانب مكوّنات المجتمع المدني المحلي، يمتلك آليات تمكّنه من مساءلة أعضاء المجلس البلدي عن قراراتهم وأدائهم، سواء من خلال النقاشات العلنية في الاجتماعات أو عبر إمكانية تحشيد الرأي العام المحلي إضافة إلى آلية المحاسبة الانتخابية التي كانت تدفع المنتخبين إلى السعي المستمر لنيل رضا الناخبين. وهو ما أصبح، في السياق الحالي، منعدمًا أمام كتاب معينين تعيّنهم وزارة الداخلية وغير معنيين بأي رهان انتخابي.

يبدو أنّ السلطة الحالية غير معنية بالمضي نحو اللامركزية على النحو الذي أمّنه دستور 2014. وهو الدستور الذي استحدث في المدونة الدستورية التونسية مفهوم "السلطة المحلية" في الباب السابع ونظّمه في 12 فصلًا

ويُستذكر، في هذا الجانب، تجربة بلدية الزهراء التي ترأسها ريان الحمزاوي، المُفرج عنه مؤخرًا بعد قضاء محكوميته في قضية "التآمر 2". وهي كشفت وقتها القدرة على بناء مناخ ثقة بين السلطة المحلية والمواطن قوامه شرعية الإنجاز، دون عما كشفته من حيوية في الديمقراطية المحلية. وهي تجربة أكدت دور البلديات كمدرسة سياسية أولى سواء للمسؤولين المنتخبين أو الناخبين على حد السواء.

  • تقييد لفرص تزكية المرشحين للانتخابات الرئاسية

في الأثناء، إن إحدى التبعات غير المباشرة لتغييب المجالس البلدية هو تقييد قدرة المرشحين للانتخابات الرئاسية على الحصول على التزكيات اللازمة للترشح. فالمترشح الرئاسي طبق القانون الانتخابي يجب تزكيته من 10 نواب في البرلمان أو 10 آلاف ناخب أو 40 من رؤساء الجماعات المحلية وفي مقدّمتهم بالضرورة رؤساء البلديات. ولذلك أدى الشغور على مستوى رئاسة البلديات لعدم قدرة المرشحين للانتخابات الرئاسية الفارطة عام 2024 للبحث عن الصنف الثالث من التزكيات. ويظلّ السؤال اليوم إن ما كانت توجد علاقة لعدم المضي لانتخاب رؤساء بلديات جدد تقييد فرص التزكيات للانتخابات الرئاسية خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التضييقات التي رافقت المترشحين للانتخابات الرئاسية الأخيرة.

اقرأ/ي أيضًا: البلديات التونسية في مهب رياح العبث

  • المجالس المحلية قبل المجالس البلدية

في المقابل، أولت السلطة السياسية اهتمامها لصنف جديد مستحدث من الجماعات المحلية هي المجالس المحلية ومنها المجالس الجهوية ومجالس الأقاليم والتي يقتصر دورها على "العمل على تحقيق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي الشامل والعادل" و"التداول في مشاريع مخططات التنمية". في المقابل، لا يوجد أي اهتمام بالمجالس البلدية التي تمارس مهام ترتبط بالشؤون الحياتية للمواطن.

إذ يبدو أن السلطة الحالية غير معنية بالمضي نحو اللامركزية على النحو الذي أمّنه دستور 2014. وهو الدستور الذي استحدث في المدونة الدستورية التونسية مفهوم "السلطة المحلية" في الباب السابع ونظّمه في 12 فصلًا ومنها أن الجماعات المحلية تعتمد آليات الديمقراطية التشاركية ومبادئ الحوكمة المفتوحة.

ويظلّ السؤال اليوم، في نهاية المطاف، هل سنرى يومًا ما قانونًا للبلديات يضمن مبادئ اللامركزية والديمقراطية المحلية ويعيد الاعتبار للبلديات؟ وهل ستُجرى قريبًا انتخابات بلدية تنافسية وشفافة ونزيهة، على خلاف مناخ إجراء الانتخابات التشريعية والرئيسية، تمكّن المواطنين من مشاركة فاعلة لانتخاب ممثليهم على المستوى المحلي؟

الكلمات المفتاحية

المحكمة الإدارية طعون الانتخابات الرئاسية.jpg

مبادرة تشريعية لتنفيذ أحكام القضاء.. سؤال النجاعة والمبدئية في آن

تحتاج معالجة معضلة عدم تنفيذ أحكام القضاء لمقاربة مركّبة يعدّ النص القانوني جزءًا منها بما في ذلك النص الجزائي، فيما تظلّ عوامل أخرى رهينة الإرادة السياسية والإصلاح الإداري..


الحركة القضائية في تونس حسن مراد.jpg

قضاة جدد خارج الحركة القضائية.. الاستثناء الذي أصبح قاعدة في تونس

تتكرّر مجدّدًا تسمية القضاة الجدد خارج الحركة القضائية السنوية التي المفترض أن يعدّها المجلس الأعلى للقضاء قبل إحالتها لرئيس الجمهورية لختمها، بعد صدور أمر رئاسي يقضي بتسمية الملحقين القضائيين المتخرّجين من المعهد الأعلى للقضاء بعدد من المحاكم،


قصر العدالة Getty.jpg

مقترحات مبعثرة لتعديل المجلة الجزائية.. تهافت وكلفة غياب المراجعة الشاملة

المبادرات التشريعية الأخيرة للنواب تكشف فجوة غياب المشروع الشامل لمراجعة المجلة الجزائية الذي تتعمّد وزارة العدل ركنه في الرفوف معطّلة واحدًا من أهم الإصلاحات التشريعية التي طال انتظارها طيلة السنوات الأخيرة


المحكمة الدستورية

بين إرساء مؤجّل وسؤال الاستقلالية.. قراءة في مشروع المحكمة الدستورية في تونس

"تأخّر إرساء المحكمة الدستورية يظلّ محفوفًا بمخاطر فراغ دستوري باعتبار أنّ رئيسها هو الذي يتولّى مهام الرئاسة بصفة مؤقتة في حالة الشغور الدائم لمنصب رئيس الجمهورية.."

اتحاد الشغل  حسن مراد  Getty UCGUniversal Images
سیاسة

اتحادات جهوية للشغل تتمسك بتفعيل الإضراب العام وتدعو لتحركات وطنية.. ما القصة؟

الهيئة الإدارية لاتحاد الشغل بسيدي بوزيد: نرفض كل سياسات الاستهداف والتدجين والتهميش التي تمارسها السلطة قصد إضعافه وتمرير سياساتها اللاشعبية واللاديمقراطية

11 سجينًا سياسيًا يدعون في رسالة مشتركة للتوحّد لاستعادة الحرية والديمقراطية
رأي

رسالة المعتقلين من سجون تونس.. أيّ وحدة مأمولة؟

توجّه 11 معتقلًا سياسيًا من داخل السجون برسالة للتونسيين والفاعلين في الشأن العام، تضمّنت دعوة للتوحّد و"تأجيل كل خلاف فكري وسياسي إلى أن تعود الديمقراطية".. فهل أن توحّد الديمقراطيين المختلفين بداهة في توجهاتهم السياسية والفكرية يؤمّن تغييرًا في موازين القوى بما يؤدي بالتبعية إلى إنهاء الانحراف الاستبدادي واستعادة المسار الديمقراطي؟


منتدى الحقوق: نستنكر الانقطاع المتكرر للماء بالمتلوي ونساند تصعيد الأهالي السلمي
مجتمع

منتدى الحقوق: نستنكر الانقطاع المتكرر للماء بالمتلوي ونساند تصعيد الأهالي السلمي

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: ندعو سلطة الإشراف إلى تحمل المسؤولية كاملة والتسريع في إيجاد حلول جذرية تضمن حق المواطنين في الماء الصالح للشراب بعيدًا عن منطق التسويف والتخوين

مهرجان باجة
منوعات

الدورة 46 لمهرجان باجة الدولي.. تعرّف على قائمة العروض

يضم برنامج الدورة 46 لمهرجان باجة الدولي 13 عرضا تتوزع بين المسرح والطرب والعروض الشبابية والموسيقى البديلة.

الأكثر قراءة

1
مجتمع

عن أزمة المراحيض العموميّة في تونس


2
منوعات

علي العابدي يعتذر للشعب التونسي بعد خيبة المونديال.. ماذا قال؟


3
مجتمع

صابة الحبوب في تونس.. تجميع 9.1 مليون قنطار وباجة تتصدّر النسب


4
سیاسة

حركة النهضة: منذر الونيسي فقد القدرة على الكلام تمامًا


5
سیاسة

بعد عزلهم في 2022.. هيئة المحامين ترسّم 6 قضاة بجدول المحاماة