تونس والجزائر.. المقبول وغير المقبول
30 يوليو 2026
مقال رأي
"من يهدّد تونس نخلولو الخيمة تاع والديه"، بهذه العبارة التي قالها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون باللهجة المحلية، خلال الحوار الإعلامي الدوري، اندلعت حالة من الجدل في تونس بتعدّد قراءات هذا التصريح ودلالاته تزامنًا بالخصوص مع إحياء ذكرى انقلاب 25 جويلية/يوليو 2021، ولكن أيضًا أخذًا بسباق الالتباس حول طبيعة العلاقة بين سلطات البلدين في سياق يشوبه الغموض (مثلًا بخصوص مضمون اتفاقية التعاون الأمني والعسكري في أكتوبر/تشرين الأول الماضي) وشبهة موالاة غير محسوبة (مثلًا بخصوص انحياز تونس قيس سعيّد للموقف الجزائري في ملف الصحراء بما أدى لحوادث منتهاها أزمة دبلوماسية بين تونس والرباط).
لكن هل من المفيد في البداية التذكير بتاريخية العلاقة بين تونس والجزائر وعمق أواصر الارتباط بين شعبيهما؟ هذا مما لا يحتاج إلا لتأكيد فالعلاقة بين البلدين تاريخيًا، تحديدًا منذ النضال الوطني ضد الاستعمار، تتسم بدرجة عالية من التقارب، ولم تبلغ العلاقة بين النظامين، حتى في أسوأ مراحل التوتر أحيانًا، خاصة بعد الاستقلال وإثارة ملف ترسيم الحدود، درجة القطيعة. وربما إن حالة الارتباط المصلحي، على أكثر من مستوى من بينها الجيوستراتيجي، هي حالة محققة وثابتة بين الجارين، ولم يكن المشروع المغاربي، منذ بذرته قبل الاستقلال، إلا رافعة لتعزيز العلاقة بين البلدين في أفق إقليمي جامع للأسف فشل في تحقيق أهدافه.
عبارة الرئيس الجزائري، في الأثناء والتي بدت تلقائية، مرشحة أن تنضم لقائمة العبارات التي حفظتها الذاكرة عبر الأجيال بين البلدين، على غرار الجملة الشهيرة للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة حينما وصف الشعب التونسي في اجتماع جماهيري، ضمن حملته الانتخابية عام 1999، بأنه "شعب متع ذراع، شعب متع خدمة" عندما ذكّر الجزائريين، الذين كانوا يعانون وقتها ويلات العشرية السوداء، بأن موارد تونس من قطاع النسيج تعادل موارد الجزائر من الغاز الطبيعي.
عبارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، "من يهدّد تونس نخلولو الخيمة تاع والديه"، والتي بدت تلقائية، مرشحة للانضمام إلى قائمة العبارات التي حفظتها الذاكرة عبر الأجيال بين البلدين.. لكن هل من المقبول أن يدلي الرئيس الجزائري بتصريح بتلك الصيغة؟
لكن السؤال الراهن، هل من المقبول أن يدلي الرئيس الجزائري بتصريح بتلك الصيغة؟ يدافع البعض على تقدير أن الجملة لم تراع مقتضيات اللغة الدبلوماسية وما تقتضيه من وقار ذلك أن جزءًا من التونسيين اعتبروا في التصريح ما يستنقص من قدرة بلدهم على الدفاع عن نفسه، بل بما يمس من سيادته، ولكن البعض الآخر لا يرى في التصريح أي حرج، بل يعتبره من طبيعة العلاقة الأخوية مع "الشقيقة الكبرى" كما يصفون البلد الجار.
ولكن المشكل حقيقة ليس في صياغة الجملة، وليس حتى في مضمونها ذلك أنها قيلت في سياق تأكيد الرئيس الجزائري على قدرة بلده على الدفاع عن نفسه من الإرهاب، والتأكيد على أن الدفاع عن تونس هو لمصلحة بلده، وهو تأكيد أورده في سياق حديثه عن "دويلة" عربية كما أسماها احترفت زراعة الفتنة.
وهذا السياق من الضروري استحضاره لقطع الطريق على تأويل متعسف للبعض، اعتبر أن الجملة موجّهة للداخل التونسي وتحديدًا للمعارضة، خاصة أن نشر الحوار تزامن مع حالة احتقان شعبي وحراك احتجاجي في ذكرى 25 جويلية/يوليو. وقد أسهمت تغطية لوسيلة إعلام جزائرية في تغذية هذا التأويل. ويبدو أن بعض وجوه المعارضة في تونس حرصت على قطع الطريق أمام هذا التأويل، وهي التي تعلم أن خطاب استعداء البلد الجار لا يفيد في مقاومة السلطة، بل قد يضرّ. ولكن بعض الوجوه الأخرى في المعارضة استثمرت في العبارة لتأكيد وجود مساس بالسيادة تتحمّل مسؤوليته السلطات في تونس. والمعضلة الأساسية هنا.
اقرأ/ي أيضًا: رضا الشكندالي: التبعية الاقتصادية تنتهي في كثير من الأحيان إلى تبعية سياسية
فلماذا يمكن لتصريح قد يبدو مقبولًا بين أخوين، ولو تجاوز ما اعتدناه في اللغة الدبلوماسية، أن يثير صخبًا من عدم المقبولية في الطيف السياسي داخل تونس؟ المسألة تتعلق في عمقها لا بصيغة التصريح ولا إطاره، بل في صدوره في جو ينظر للعلاقة بين سلطة البلدين بريبة عنوانها الأساسي شبهة عدم التوازن أو الموالاة. انحازت السلطة في تونس بعد 25 جويلية/يوليو 2021، في قضية الصحراء التي تعدّ محدّدًا جوهريًا في طبيعة العلاقات في الفضاء المغاربي، إلى الطرح الجزائري عبر حدثين على الأقل هو امتناع تونس في مجلس الأمن في أكتوبر/تشرين الأول 2021 عند التصويت على تمديد بعثة "مينورسو" في الصحراء (البعثة الأممية لحفظ السلام) وهو الامتناع الوحيد مع روسيا مقابل تصويت بقية أعضاء المجلس للتمديد، واستقبال رئيس جبهة "البوليساريو" في تونس في أوت/أغسطس 2022 استقبال رؤساء الدول بروتوكوليًا بما أدى لسحب الرباط لسفيرها والدخول في أزمة دبلوماسية مع المغرب، هي الآن بصدد دخول عامها الخامس.
العلاقة بين الجارين لا يُمكن أن تبنى إلا على التوازن والندية والمصلحة المشتركة.. فلا يُعلم بأي مصطلح سيؤرخ المتخصصون في التاريخ المعاصر لهذه المرحلة في العلاقة بين تونس والجزائر، لكنني لا أستبعد أن تجد الأكاديميا فيها ما يكفي لإطلاق وصف "مرحلة التبعية"
هذا الانحياز هو غير مسبوق في تاريخ الدبلوماسية التونسية التي اقترنت بما يُسمى في أدبياتها بالحياد الإيجابي في قضية الصحراء وهو الحياد الذي جعلها تتبوأ الأمانة العامة للاتحاد المغاربي كعنوان مقبولية من الجزائر والرباط. خسرت تونس هنا دورها التاريخي للوساطة في الفضاء المغاربي في سياق جعل ممكنات تحقيق المشروع المغاربي أبعد مما كانت عليه قبل سنوات.
وهذا الانحياز للطرح الجزائري في قضية الصحراء، تزامن مع مؤشرات عدم توازن في إدارة ملفات مشتركة بين البلدين، ومنها ملف السدود الجزائرية على الحدود التونسية وتأثيراتها على مخزون المياه الباطنية، وهو موضوع تعرّض إليه متخصّصون، وملف الطاقة في ظل تصاعد سعي الجزائر لتخفيف التعويل على الأراضي التونسي في تصديرها للغاز الطبيعي إلى أوروبا إضافة لملف الجمارك وصعوبات نقل السلع بين البلدين.
ثم لم يكن تخصيص صحيفة ورقية جزائرية معروفة ومحسوبة على السلطة في الجزائر، أو أحد أذرعها تحديدًا، للصفحة الأولى للتهجم على الرئيس السابق المنصف المرزوقي، إلا عنصر استنفار لما يحمله من تورّط في الملف الداخلي التونسي بحكم أن الرئيس السابق يواجه أحكامًا سجنية على خلفية تصريحات إعلامية ضد السلطة في تونس. في خضمّ ما سبق، تصبح عبارة الرئيس تبون ورغم ما حملته من تلقائية مشروع لها أن تثير ما أثارته من جدل وتحفّظ.
فقدان تونس اليوم لدورها التقليدي كمساحة توازن ووساطة بين الجزائر والمغرب يمثل خسارة ذات دلالة لأنه يمس إرثًا دبلوماسيًا. ومرة أخرى، تكشف السلطة الحالية فشلها الفظيع في إدارة الملف الدبلوماسي
فالعلاقة بين الجارين لا يُمكن أن تبنى إلا على التوازن والندية والمصلحة المشتركة، والمسؤولية التي يتحمّلها سعيّد بوضوح، في ظل غياب مؤشرات إدارة العلاقة بما تفترضه من الشروط السابق ذكرها خاصة على ضوء تفريطه في إرث الدبلوماسية التونسية في ملف الصحراء وموالاته للطرح الجزائري وبما أدى لقطيعة دبلوماسية في المقابل مع المغرب الشقيق. فلا يُعلم بأي مصطلح سيؤرخ المتخصصون في التاريخ المعاصر لهذه المرحلة في العلاقة بين تونس والجزائر، لكنني لا أستبعد أن تجد الأكاديميا فيها ما يكفي لإطلاق وصف "مرحلة التبعية" لشدة الاختلال بالتوازن، وهذا بتقديري أحد أفدح الأثمان التي تدفعها تونس اليوم وسنكابد كثيرًا في المستقبل لترميمها.
إذ يجب الإقرار بأن فشل المشروع المغاربي تتحمل مسؤوليته تاريخيًا مختلف الأطراف في المنطقة، مع تفاوت واضح في درجات المسؤولية، وإن كانت تونس تعد من أكثر بلدان المنطقة دفعًا نحو ترسيخ مقوماته. غير أن فقدانها اليوم لدورها التقليدي كمساحة توازن ووساطة بين الجزائر والمغرب يمثل خسارة ذات دلالة لأنه يمس إرثًا دبلوماسيًا. ومرة أخرى، تكشف السلطة الحالية في تونس فشلها الفظيع في إدارة الملف الدبلوماسي. فتوثيق العلاقة مع "الشقيقة الكبرى" لا يجب أن يكون على حساب "الشقيق الآخر".
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

تثبيت حكم قضية التآمر في تونس.. هل من جديد؟
قرار رفض التعقيب، في الأثناء، يسدل الستار على مسار التقاضي ولكنه يؤشر على بدء مرحلة جديدة لقضية "التآمر" وهي حصره كملف سياسي في إطار النضال الحقوقي والديمقراطي لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين

سؤال "ما البديل؟".. بين التّعجيز والعجز
لم يعد السّؤال عن البديل مجرّد ترف فكريّ.. والأهمّ من ذلك، أنه لم يعد من المُحرّمات في الشّارع التّونسيّ. ولعلّ الإجابة تستوجب، إعادة صياغة السّؤال ذاتِه، من "ما البديل؟" إلى "كيف نبني هذا البديل؟"

جحيم السّجون في تونس
من التّهم الموجّهة من أنصار الرئيس سعيّد، لكلّ من يُثير مسألة الوفيّات الأخيرة، هي عدم حيازة تقرير طبّيّ يُؤكّد الحرّ سببًا للوفاة، والحال أنّه على الدّولة أن تُقدِم على تلك الإجراءات، من باب الشّفافيّة

طقس تونس.. سحب عابرة وأمطار متفرقة في بعض المناطق
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تتراوح بين 26 و31 درجة بالشمال وجهة الساحل

طقس تونس.. الحرارة في استقرار مع أمطار متفرقة وغزيرة ببعض المناطق
معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي قوية نسبيًا قرب السواحل الشرقية وبالجنوب وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

طقس تونس.. انخفاض في درجات الحرارة وأمطار رعدية في عدة جهات
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تواصل الانخفاض، لتتراوح القصوى بين 23 و28 درجة بالشمال والمرتفعات

تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية
تقام مباريات الجولة الرابعة للبطولة التونسية، أيام السبت 12 والأحد 13 والأحد 20 سبتمبر 2026 انطلاقًا من الساعة الرابعة بعد الزوال.




