تداعيات الحرب في إيران وصمت الدولة التونسية
25 أبريل 2026
مقال رأي
تتزايد خطورة تداعيات الحرب على إيران خاصة مع الإغلاق المضاعف لمضيق هرمز وحركة الملاحة البحرية وتهديد واردات الطاقة الأحفورية وأثار ذلك الهائلة على بقية القطاعات الاقتصادية والتجارة العالمية والتضخم. رغم ذلك تبدو الدولة التونسية متمسكة بالصمت الرسمي عمومًا مع بعض التصريحات القليلة التي تتجه لإعلان الاطمئنان والطمأنة. هل للدولة خطة ولم تعلنها أم أننا بصدد حالة دهشة وارتباك فعلي يتم اخفاؤه بإعلان الطمأنة؟
أصبحت الآن المؤشرات على أننا إزاء أزمة اقتصادية غير مسبوقة بسبب الأزمة الطاقية، أكثر من واضحة. حيث يُلقي إغلاق المضيق بظلاله الثقيلة على الدول المستوردة للطاقة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ومن بينها تونس التي تتعرض لهذه الصدمة عبر مسارات غير مباشرة لا تقل وطأةً عن تداعياتها المباشرة على دول الخليج ذاتها.
وفي هذا السياق، يُقدّم تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في أفريل/نيسان 2026 تحت عنوان "الحرب في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والتحديات على مستوى السياسات" (الصادر عن إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى) قراءة لحجم هذه الصدمة وتشعّباتها.
تتزايد خطورة تداعيات الحرب على إيران خاصة مع الإغلاق المضاعف لمضيق هرمز وحركة الملاحة البحرية وتهديد واردات الطاقة وأثار ذلك الهائلة على بقية القطاعات الاقتصادية والتجارة العالمية والتضخم. ورغم ذلك تبدو الدولة التونسية متمسكة بالصمت الرسمي عمومًا
جاوز سعر خام برنت حاجز المئة دولار للبرميل منذ اندلاع الحرب، فيما قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة تقارب ستين بالمئة جراء اضطرابات صادرات الغاز المسال، متخطيةً بذلك مستويات الارتفاع التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا. ويجب هنا التأكيد، مثلما أشار وزير المالية السعودي إلى ذلك منذ أيام، أن أسعار سوق البرنت ليست بالضرورة الواقعية، وأنها في الواقع أعلى بكثير.
ويُميّز التقرير بين سيناريوهين: في السيناريو المرجعي الذي يفترض انحسار الاضطرابات بحلول منتصف 2026، يبلغ متوسط أسعار النفط نحو اثنين وثمانين دولارًا للبرميل؛ أما في السيناريو الأشد سوءًا حيث تستمر الاضطرابات، فقد يصل هذا المتوسط إلى مئة وعشرة دولارات، مما ينزل بالنمو العالمي إلى نحو ستة وعشرين بالمئة ويرفع التضخم العالمي إلى ما يتجاوز خمسة بالمئة. وفي الحالتين نحن إزاء سيناريوهات أكثر تفاؤلًا من سيناريوهات أخرى أكثر تشاؤمًا، لكن حتى هذه السيناريوهات المتفائلة تبدو ذات تأثير سيء على دول مثل تونس.
اقرأ/ي أيضًا: دعوات لإقرار إجراءات عاجلة تحسّبًا لتداعيات حرب الشرق الأوسط على اقتصاد تونس
وعلى صعيد الأسمدة والسلع الزراعية الأساسية، يرصد التقرير ذاته ارتفاعًا في أسعار اليوريا (مركب عضوي وسماد نيتروجيني) في أسواق العقود الآجلة بنسبة تقارب أربعين بالمئة، مع تسجيل فوسفات ثنائي الأمونيوم والألمنيوم زيادات من خانتين، مما يُنذر بموجة تضخمية في تكاليف المدخلات الزراعية وأسعار الغذاء عالميًا، ولا سيما في الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد.
يمسّ ذلك تونس ضرورة، إذ يرتبط اقتصادها الزراعي ارتباطًا وثيقًا باستيراد الأسمدة التي يتصاعد ثمنها بوتيرة متسارعة، مما سيُحدث ضغطًا تضخميًا تراكميًا على الأسعار الغذائية الداخلية.
والجدير بالإشارة أن تونس لا تستورد نفطها ولا غازها مباشرةً من دول الخليج، بل تحصل على احتياجاتها من هذه المواد المُكررة عبر شركاء متوسطيين كإيطاليا وإسبانيا واليونان؛ وهو ما يجعل موقفها في آنٍ واحد أكثر تعقيدًا وأشد هشاشةً. فهذه الدول الوسيطة، ستجد نفسها في مواجهة ارتفاع حاد في تكاليف المواد لأولية والحاجات الطاقية، وفق ما يؤكده عدد من الخبراء ومنهم الخبير محمود الماي في تصريح أدلى به مؤخرًا لإذاعة ديوان أف أم (محلية/خاصة)، وبالتالي فهي لن تتورع عن رفع أسعار البيع لتونس حتى لو أمضت تونس عقودها منذ الخريف الماضي تحت عنوان "القوة القاهرة" أو البحث عن مشترين أكثر ملاءةً في الأسواق الأوروبية، مما يُعرّض تونس لمخاطر انتزاع حصتها من الإمدادات في ظل منافسة سعرية لا تستطيع الصمود فيها.
عرض صندوق النقد الدولي مؤخرًا سيناريوهين هي أكثر تفاؤلًا من سيناريوهات أخرى، لكن حتى هذه السيناريوهات المتفائلة تبدو ذات تأثير سيء على دول مثل تونس.. في المقابل تعكس تصريحات المسؤولين التونسيين القليلة أصلًا، والمترددة، سعيًا للتخفيف من خطورة الصدمة النفطية
في هذا الإطار تحديدًا، يُشير تقرير صندوق النقد الدولي صراحةً إلى أن توقعات نمو تونس خُفِّضت بنحو ثمانية وثمانين من المئة على أساس تراكمي لعامَي 2026 و2027 جراء صدمة إمدادات السلع الأولية، ضمن سياق أشمل يُقدّر فيه الصندوق أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة عشرة بالمئة يكلّف البلدان المستوردة ما يقارب نصف نقطة مئوية من الناتج المحلي وزيادة نقطة مئوية كاملة في التضخم.
وبالنظر إلى ما يُمثّله هذا الواقع من ضغوط متزامنة على ميزان المدفوعات وفاتورة الاستيراد وقدرة الدولة على ضبط الأسعار الداخلية للطاقة والغذاء، فإن تونس تجد نفسها أمام استحقاق استراتيجي جوهري: إما السعي إلى تنويع مصادر الإمداد عبر اتفاقيات طاقة إقليمية بديلة وتعزيز طاقتها التكريرية الذاتية، وإما القبول بأن تنعكس هذه الصدمة الخارجية على المواطن التونسي في صورة موجات تضخمية متعاقبة وتآكل متسارع للقدرة الشرائية.
في المقابل تعكس تصريحات المسؤولين التونسيين القليلة أصلًا، والمترددة، سعيًا للتخفيف من خطورة الصدمة النفطية وتداعياتها على الاقتصاد الوطني، مع التركيز على بديل الطاقات المتجددة الذي لا يمكن أن يتم تفعيله سريعًا ولايزال يحتاج الى سنوات للتنزيل.
اقرأ/ي أيضًا: ما تداعيات تواصل العدوان على إيران على اقتصاد تونس؟ مختصون يجيبون
فقد شدّد كاتب الدولة المكلّف بالانتقال الطاقي على أنّ تونس تسعى إلى تعزيز السيادة الطاقية عبر تسريع نسق الاستثمار في الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية والريحية، إلى جانب العمل على تحسين النجاعة الطاقية وترشيد الاستهلاك، بما يحدّ من التبعية للأسواق الخارجية وتقلباتها، مع التأكيد على أن التزود بالمحروقات لا يزال مؤمّنًا رغم الاضطرابات الدولية.
في المقابل، نبّه وزير الشؤون الخارجية إلى أنّ استمرار ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد التونسي، من بينها تفاقم عجز الميزان التجاري وارتفاع كلفة الدعم والضغط على المالية العمومية، وهو ما يستوجب تكثيف التنسيق الدبلوماسي والاقتصادي لتفادي تداعيات الأزمة.
وتلتقي هذه المواقف في التأكيد على أهمية الانتقال الطاقي كخيار استراتيجي، وعلى ضرورة اعتماد سياسات استباقية تجمع بين الإصلاح الداخلي والانفتاح الدبلوماسي لمواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
المشكل الآخر يتمثل في الانتقادات الموجهة للانتقال الطاقي والتي تعرضنا إليها سابقًا، خاصة تلك التي أعلنت عنها جامعة الكهرباء والغاز التابعة للاتحاد الشغل مؤخرًا. إذ حذرت من مخاطر ما تعتبره "ارتهانًا" للسيادة الطاقية في تونس، في ظل توجهات الانتقال نحو الطاقات المتجددة.
هذه الأسابيع تستوجب مُضي الحكومة في إعداد ميزانية العام القادم، مع احتمال التوجه نحو ميزانية تكميلية، فضلًا عن الحسم في تنفيذ الزيادات في الأجور.. هذه التحديات التي تستوجب تركيز الدولة عوض ملاحقة الآراء والتدوينات
وانتقدت الجامعة منح لزمات إنتاج الكهرباء لشركات أجنبية، معتبرة أنّ ذلك كلّف الدولة خسائر مالية مهمة وأدّى إلى التفريط في موارد استراتيجية مثل سندات الكربون. كما عبّرت عن تخوّفها من اعتماد نموذج انتقال طاقي "أحادي" يمنح المستثمرين الأجانب نفوذًا كبيرًا في قطاع حيوي، مما قد يضعف دور الشركة التونسية للكهرباء والغاز ويهدد الاستقلال الطاقي.
وفي المقابل، شددت على قدرة هذه المؤسسة العمومية على تطوير مشاريع الطاقات المتجددة، داعية إلى تفعيلها ومنحها الأولوية، إلى جانب اعتماد مقاربة وطنية تقوم على الحوار وتحقيق توازن بين الانفتاح على الاستثمار وحماية المصلحة الوطنية.
في كل الحالات توجيه الجدل حول مواجهة المخاطر الراهنة والعاجلة نحو بديل الانتقال الطاقي لا يبدو مناسبًا. إذ إن ذلك سيحتاج مثلما أشرنا إلى سنوات. المشكل لا يكمن فقط في صعوبة الحل، بل الأهم في الحوكمة السياسية الحالية التي يبدو أنها تعتبر الصمت وتجنب الشفافية أمام الرأي العام منهجية تواصلية يمكن أن تخفف من أثار مثل هذه الصدمات عوض الشفافية والوضوح وإعلام الرأي العام بالخيارات المطروحة الصعبة منها خاصة لتهيئته بكل مسؤولية لما هو قادم.
لن يتأخر الأمر كثيرًا في كل الحالات، إذ إن هذه الأسابيع تستوجب مُضي الحكومة في إعداد ميزانية العام القادم، وسيتم في هذا السياق طرح احتمال ميزانية تكميلية تواجه قصور الميزانية في حال اضطراب التزويد وزيادة التضخم. من جهة أخرى سيتوجب على الحكومة قريبًا إعلان قدرتها من عدمها لتنفيذ الزيادات المبرمجة في الأجور والتي تبلغ في مجمل ميزانية هذا العام المليار دينار، وهو مبلغ يصبح مهمًا قياسًا بالضغوطات المحتملة الجديدة.
هذه التحديات التي تستوجب تركيز الدولة عوض ملاحقة الآراء والتدوينات والكلام، الذي لا يمكن أن يهددها قياسًا بهذه التحديات.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
رسالة المعتقلين من سجون تونس.. أيّ وحدة مأمولة؟
توجّه 11 معتقلًا سياسيًا من داخل السجون برسالة للتونسيين والفاعلين في الشأن العام، تضمّنت دعوة للتوحّد و"تأجيل كل خلاف فكري وسياسي إلى أن تعود الديمقراطية".. فهل أن توحّد الديمقراطيين المختلفين بداهة في توجهاتهم السياسية والفكرية يؤمّن تغييرًا في موازين القوى بما يؤدي بالتبعية إلى إنهاء الانحراف الاستبدادي واستعادة المسار الديمقراطي؟
مرة أخرى حول السيادة.. عقول تُصدَّر وكهرباء تُرهَن
تلك هي المفارقة التونسية الراهنة: لم يسبق أن ارتفع صوت السيادة بهذا العلوّ، ولم يسبق أن كانت مضامينها بهذا الفراغ..
في عبثيّة القمع
"إنّ سلطة الأمر الواقع تحظى، اليوم، في سياساتها القمعيّة، بدعم لا يُستهان به من قطاع من الرّأي العامّ، أي أنّ الأمر لم يعد يتعلّق بأجهزة ومؤسّسات رسميّة قمعيّة فحسب، بل بجزء من المجتمع يتبنّى القمع كأسلوب حكم ويُحرّض عليه.."
رسالة المعتقلين من سجون تونس.. أيّ وحدة مأمولة؟
توجّه 11 معتقلًا سياسيًا من داخل السجون برسالة للتونسيين والفاعلين في الشأن العام، تضمّنت دعوة للتوحّد و"تأجيل كل خلاف فكري وسياسي إلى أن تعود الديمقراطية".. فهل أن توحّد الديمقراطيين المختلفين بداهة في توجهاتهم السياسية والفكرية يؤمّن تغييرًا في موازين القوى بما يؤدي بالتبعية إلى إنهاء الانحراف الاستبدادي واستعادة المسار الديمقراطي؟
منتدى الحقوق: نستنكر الانقطاع المتكرر للماء بالمتلوي ونساند تصعيد الأهالي السلمي
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: ندعو سلطة الإشراف إلى تحمل المسؤولية كاملة والتسريع في إيجاد حلول جذرية تضمن حق المواطنين في الماء الصالح للشراب بعيدًا عن منطق التسويف والتخوين
الدورة 46 لمهرجان باجة الدولي.. تعرّف على قائمة العروض
يضم برنامج الدورة 46 لمهرجان باجة الدولي 13 عرضا تتوزع بين المسرح والطرب والعروض الشبابية والموسيقى البديلة.
طقس تونس.. درجات الحرارة تواصل ارتفاعها مع ظهور الشهيلي
معهد الرصد الجوي: الريح من القطاع الجنوبي ضعيفة فمعتدلة ثم تتقوى نسبيًا قرب السواحل وبالمرتفعات