بين الجامعة والمبيت.. يوميات طالبة تونسية في رمضان
7 مارس 2026
يحمل رمضان المُعظّم في طياته عبقًا خاصًا ينسج ذكريات لا تُمحى، رائحة الطعام المنبعثة من مطبخ البيت، ضحكات العائلة المتصاعدة حول المائدة، وصوت الآذان الذي يملأ أركان المكان دفئًا وروحانية. لكن التجربة تختلف جذريًا حين تكونين بعيدة عن كنف العائلة، داخل غرفة صغيرة ومحدودة المساحة في سكن الطالبات، حيث تحاولين جاهدةً صياغة أجواء دافئة من العدم.
هذا هو حال فرح بن عمر، طالبة السنة الثالثة في صحافة وعلوم الأخبار، التي اختبرت رمضان بعيدًا عن دفء البيت، لكنها حولت كل تحدٍّ واجهته إلى لحظة مميزة من المشاركة والضحك والتعاون الصادق.
تتحدث فرح لـ "ألترا تونس" عن تفاصيل يومها الرمضاني قائلة: "أمضي يومي بين قاعات الجامعة وغرفتي في المبيت، أرتّب المكان، أدرس قليلًا، وأتفقد ما ينقصني لإعداد وجبة الإفطار. وإذا وجدت بعض الأغراض ناقصة، أتوجه إلى أقرب مغازة لأشتري كل ما أحتاجه، ثم أعود لأبدأ رحلة الطبخ".
المطبخ في السكن الجامعي ليس مطبخًا تقليديًا بالمعنى المعتاد، بل هو غرفة صغيرة يتحول فيها الفضاء الضيق إلى ورشة طبخ جماعية، حيث تجتمع الصديقات في غرفة واحدة ويتشاركن كل شيء
تفتقد فرح الحنان العائلي، لكن روح التعاون بين الزميلات تجعل المكان أقرب إلى البيت، وتضيف مبتسمة: "والله، الأجواء لا تضاهي أبدًا أجواء البيت بين العائلة والإخوة، ومع الأم في المطبخ حين تتمازحان وتطبخان معًا، ومع ذلك أحاول خلق جو مرح مع زميلاتي في السكن".
المطبخ في السكن الجامعي ليس مطبخًا تقليديًا بالمعنى المعتاد، بل هو غرفة صغيرة يتحول فيها الفضاء الضيق إلى ورشة طبخ جماعية، حيث تجتمع الصديقات في غرفة واحدة ويتشاركن كل شيء؛ هناك من تتكفل بطهي الشوربة، وأخرى بإعداد الطبق الرئيسي، وثالثة تحضر السلطة، ورابعة تتفنن في إعداد "البريك". أحيانًا قد تجلب إحدى الصديقات أطعمة جاهزة، لكن الغالب دائمًا هو الطبخ المنزلي بأيديهن.
اقرأ أيضًا: الامتحانات في رمضان.. إرهاق وعبء مضاعف على الأمهات
وعلى الرغم من توفر المطعم الجامعي الذي يقدم وجبات الإفطار، إلا أن جودة الطعام المحدودة تدفع الطالبات للاعتماد على أنفسهن في الطبخ لضمان وجبة شهية. ومع ذلك، يظل المطعم رافدًا مساعدًا، حيث يمكن الاستفادة من الحلويات والمقبلات، بالإضافة إلى وجبة السحور التي غالبًا ما تتضمن أصنافًا حلوة تساعد على صمود الجسم طوال فترة الصيام الطويلة.
إن الاعتماد على النفس لا يقتصر في السكن الجامعي على الطبخ فقط، ففرح وصديقاتها يتشاركن كل تفاصيل الحياة اليومية في رمضان، من غسل الصحون بعد الإفطار، إلى إعداد القهوة العربية، إلى متابعة الدراسة حتى في وقت متأخر من المساء.
فرح بن عمر، طالبة تونسية لـ"الترا تونس": الغربة في رمضان تصقل الشخصية وتمنحنا نضجًا مبكرًا، ففي غياب الرعاية المباشرة من الوالدين، نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام مسؤولية الحفاظ على الذات
تقول فرح: "الجسم يضعف عادةً بعد الإفطار ويشتهي النوم، لكن ضغط الدراسة والامتحانات يجعلنا نتغلب على الإحساس بالكسل، ونسعى جاهدات لطلب العلم من أجل تحقيق أهدافنا وإسعاد عائلاتنا".
وتتجاوز تجربة رمضان في السكن الجامعي حدود الصيام لتتحول إلى درس عملي في الاعتماد على الذات، كما تمنح شعورًا بالمسؤولية يشبه مسؤولية الأم تجاه طفلها، ولكنّ الطفل هنا هو "أنتِ".
وتؤكد فرح أن قضاء الشهر الفضيل بعيدًا عن الأهل يغرس شعورًا عميقًا بالمسؤولية والنضج، مضيفة: "إن الغربة في رمضان تصقل الشخصية وتمنحنا نضجًا مبكرًا، ففي غياب الرعاية المباشرة من الوالدين، نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام مسؤولية الحفاظ على الذات وإدارة المال. إنها اختبار حقيقي حيث نتعلم ضبط نفقاتنا وإدارة شؤوننا بحكمة واتزان".
الأجواء الرمضانية في سكن الطالبات مليئة بالأنشطة الجماعية من تحضير الإفطار والمشاركة في توزيع المهام، إلى الاستماع للقرآن الكريم، ثم الجلوس حول طاولة واحدة لتناول الإفطار
وعلى الرغم من إرهاق الصيام وفقدان دفء العائلة، تعيش فرح لحظات مرحة لا تُنسى. تروي موقفًا طريفًا حدث معها ومع صديقاتها: "ذات مرة، تناولت إحدى صديقاتنا الطعام قبل أذان المغرب، لأنها سمعت صوت الأذان ينبعث من هاتف صديقة أخرى، وظنت يقينًا أنه وقت الإفطار، ليتبين لاحقًا أنه مجرد صوت أذان في مقطع فيديو".
هذه المواقف تضيف روحًا عفوية على الأيام الطويلة وتجعلها أكثر دفئًا رغم البعد عن البيت. وأفضل اللحظات في يومها هي تلك التي تسبق الإفطار، حين تصلها المكالمة الدورية من أهلها لتشاركهم تفاصيل ما أعدته للأكل مع التوصيات الدائمة بأن تعتني بنفسها ودراستها، والسؤال المستمر عمّا ينقصها.
الأجواء الرمضانية في سكن الطالبات مليئة بالأنشطة الجماعية من تحضير الإفطار والمشاركة في توزيع المهام، إلى الاستماع للقرآن الكريم، ثم الجلوس حول طاولة واحدة لتناول الإفطار. وبعد صلاة المغرب وغسل الصحون، تخرج الطالبات معًا لأداء صلاة التراويح، ثم العودة للغرفة لمواصلة السهر، إعداد الحلويات، ومتابعة المسلسلات الرمضانية مثل "خطيفة" و"أكسيدون" و"شوفلي حل".
كل لحظة تحمل طابع المشاركة، الضحك، والصداقة التي تحل مكان الأجواء العائلية الغائبة.
وعلى الرغم من الجهد والمسؤولية، لا تخلو الأيام من لحظات الحنين إلى البيت؛ تقول فرح: "في الحقيقة، اللحظات التي نسترجع فيها ذكرياتنا مع عائلاتنا مؤثرة جدًا، وكل واحدة منا تقول: لو كنت الآن في منزلنا لكان حالي أفضل، ولكنت مجتمعة مع أهلي. لكننا نواسي بعضنا البعض قائلين: لا بأس، لقد جمعنا القدر لنعيش معًا، ونتشارك (الخبز والملح)، ونكون عائلة واحدة".
هذه التجربة تُظهر الجانب الإنساني لطالبات بعيدات عن أسرهن، فهي تجربة تعلم المسؤولية والاستقلالية والصبر، وتمنحهن فرصة لصناعة لحظات من السعادة والتعاون وسط محدودية الموارد والأجواء الجامعية الباردة.
وفي النهاية، يظل رمضان في السكن الجامعي مدرسة حياة تعلم الطالبة الاعتماد على النفس، تنظيم الوقت، وتحمل المسؤولية، مع الحفاظ على روح المشاركة والمحبة بين الصديقات. ومن خلال هذه التجربة، تصنع فرح وصديقاتها أجواءً دافئة، ويتعلمن أن الروح العائلية يمكن أن تُخلق حتى في أصغر الغرف الجامعية. وكما تقول فرح في ختام حديثها: "حتى لو داهمتك لحظة ضعف أو رغبة في البكاء، فلا بأس، ابكي.. لكن عليك أن تظلي قوية".
الكلمات المفتاحية
الحزام الأخضر.. رهان بيئي جديد لمجابهة التصحر في تونس
مشروع "الحزام الأخضر" يهدف إلى تعزيز الغطاء النباتي ومكافحة التصحر وتحسين التوازن البيئي في 6 ولايات.. فماذا تعرف عنه؟
حفلات الطلاق في تونس.. لماذا يُحتفى بنهاية الزواج؟
سيدة الجلاصي (خبيرة في العلاقات) لـ"الترا تونس": بروز ما يُعرف بـ"حفلات الطلاق"، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في أماكن خاصة، لم يعد أمرًا معزولًا، بل صار سلوكاً ينتشر تدريجيًا ويتأثر بثقافة المنصات الرقمية وأنماط العيش الجديدة
الطريق إلى الطين.. رحلة الحرفيات مع الوجع والجمال
في قرى الشمال التونسي، صناعة الفخار ليست مجرد حرفة، بل هي هوية. فكل آنية "قلة" أو "طاجين" أو "مبخرة" هي سجل للمسافات التي قُطعت، والبرد الذي استُحمل، والجوع الذي أُجّل. هي شاهدة على نساء جعلن من الطين ذهبًا، ومن الوجع فنًا
تراجع عقود الزواج في تونس بين 2019 و2023 بأكثر من 12% مع انخفاض عدد الولادات
المعهد الوطني للإحصاء: رغم المنحى التصاعدي المسجّل بين سنتي 2021 و2023، حيث ارتفعت حالات الطلاق بنسبة تقارب 27,2% (من 12 ألفًا و589 حالة إلى 16 ألفا و12 حالة)، فإن العدد الجملي للطلاق سجّل تراجعًا بنحو 7,5% مقارنة بسنة 2019
سنة سجنًا ضدّ الناشط الحقوقي عبد الله السعيد والنيابة تستأنف
المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية: ملف عبد الله السعيد أحيل إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، الذي أقرّ بغياب أي شبهة إرهابية، قبل أن يُعاد إلى المحكمة الابتدائية بمدنين. ورغم توجيه تهم خطيرة في مرحلة أولى، تم التخلي عنها لاحقًا والاكتفاء بتتبعات ذات طابع مالي.
جدل في تونس حول التفريط في سندات الكربون والسيادة الطاقية لصالح مستثمرين أجانب
عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز: اللزمات يجب أن تخضع لتقييم خاصة لزمات ديسمبر 2019 والتي كلّفت الدولة والشركة التونسية للكهرباء والغاز خسائر بمئات المليارات
مواعيد حافلات النقل العمومي للدورة 40 من معرض تونس الدولي للكتاب
شركة نقل تونس: توفير حافلات لتأمين سفرات خاصة لفائدة التلاميذ يوم الأحد 26 أفريل 2026 في اتجاه قصر المعارض بالكرم ذهابًا على الساعة العاشرة صباحًا من أمام المكتبات الجهوية بكلّ من ولايات تونس وأريانة وبن عروس ومنّوبة وإيابًا على الساعة الثانية بعد الزّوال من أمام قصر المعارض بالكرم