بين الأمان العاطفي والخوف من الفشل.. لماذا يلجأ البعض إلى وسطاء الزواج؟
26 يونيو 2026
ظهرت في السنوات الأخيرة موجة جديدة من الصفحات والحسابات التي تروّج للزواج عبر الوكالات في مشهديّة تعكس خروجًا من فكرة الزواج التقليدية سواء عن طريق العائلة أو التعرّف المباشر إلى اعتماد الوسطاء في التعرّف على الشريك.
تبثّ عشرات الصفحات يوميًا مقاطع قصيرة تُظهر قصص "نجاح"، لقاءات أولى للتعارف انتهت بخطوبة أو زواج، وشهادات لأشخاص يقولون إنهم وجدوا "فرصتهم الأخيرة" عبر هذه القنوات.
بالإضافة إلى بثّ مباشر لأصحاب وكالات يقدّمون الخدمات بأسلوب ساحر يرفع الحرج على المتقدّمين للاستفادة من المزايا.
ظهرت في السنوات الأخيرة موجة جديدة من الصفحات والحسابات التي تروّج للزواج عبر الوكالات في مشهديّة تعكس خروجًا من فكرة الزواج التقليدية سواء عن طريق العائلة أو التعرّف المباشر إلى اعتماد الوسطاء في التعرّف على الشريك
والملفت للنظر أنّ أبطال هذه القصص ينحدرون من مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية، سواء كانوا أطباء، مهندسين، موظفين، أصحاب أعمال أو باحثين عن عمل، داخل تونس أو خارجها. كما ترحب هذه الوكالات بجميع الفئات العمرية والحالات الاجتماعية، من عُزّاب ومطلقين وأرامل، رجالًا ونساءً، بهدف مساعدتهم على إيجاد شريك حياة يتوافق مع تطلعاتهم وقيمهم.
لكن خلف هذا "السحر الرقمي"، تتشكل قصص إنسانية معقدة، وأحيانًا أسئلة أعمق: هل نحن أمام تسهيل حقيقي لمسار الزواج؟ أم أمام تسويق جديد للعلاقات البشرية في شكل خدمات منظمة؟
"تقدّمت في السن دون عائلة".. شهادة امرأة تبحث عن بداية مختلفة
ليلى، امرأة عزباء في منتصف الأربعينيات (45 سنة)، تروي لـ"الترا تونس" تجربتها حيث تؤكّد أنّها أمضت سنوات طويلة مكتفية بحياة اجتماعية محدودة جدًا بسبب شخصيتها الخجولة والمحافظة. بالإضافة إلى أنّها كانت المعيلة الوحيدة لوالدتها حيث ضحّت بكلّ شيء لتعيش حياة كريمة حتى وافتها المنيّة: "عندما توفّيت أمّي تركت فراغًا كبيرًا في حياتي وبدأت ألاحظ الشيب الذي بدأ يغزو رأسي والعمر الذي مرّ دون أن أتحسّسه. هل أستطيع في هذا العمر أن أكوّن عائلة؟ من سيلتفت لامرأة بدأت تذبل مع السنين؟ كانت كلّ هذه الأسئلة تؤرقني وبدأت أفقد الأمل في فكرة الزواج".
تضيف ليلى أنها اكتشفت مؤخّرًا بعض الصفحات التي تعرض خدمات الزواج عبر الوكالات، وكل واحدة منها تقدّم نفسها بأسلوب مختلف: بعضها يعتمد على الدين، بعضها على الخبرة، وبعضها على "قصص نجاح" مؤثرة"، وقالت في حديثها مع "الترا تونس": الذي شدّ انتباهي أنّ الموضوع لم يعد يحمل ذلك الثقل القديم. تشعر وكأنك تدخل إلى نظام واضح ومنظّم: تقدّم مواصفاتك، ثم يقترحون عليك أشخاصًا مناسبين".
تقول محدّثتنا إنها لم تتصور يومًا أنّها ستعتمد هذه الآلية لإيجاد شريك مناسب، ولكن متابعتها للعروض جعلتها تتشجّع وتقدّم ملفًا للوكالة، مضيفة أنّها في مرحلة انتظار لنتيجة هذه التجربة.
"استغربت لجوء البعض لوكالات الزواج"
محمود، أرمل في الخمسينيات من عمره وأب لفتاة ذات عشر سنوات، وصل إلى هذه المنصات من باب مختلف. فبعد سنوات من الحياة الزوجية، ثم تجربة الفقدان التي قلبت موازين حياته، لم يعد يرى في البحث التقليدي عن شريكة حياة خيارًا يناسب واقعه الجديد.
يقول محمود إن وفاة زوجته جعلته أقل استعدادًا لخوض تجارب طويلة ومفتوحة على كل الاحتمالات: "لم تعد لديّ الطاقة للدخول في علاقات غير محددة المعالم خاصّة أنّ وضعيّتي معقّدة لوجود فتاة تحتاج حنان امرأة تعوّضها عن فقد أمّها".
والملفت للنظر أنّ أبطال هذه القصص ينحدرون من مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية، كما ترحب هذه الوكالات بجميع الفئات العمرية والحالات الاجتماعية.. لكن خلف هذا "السحر الرقمي"، تتشكل قصص إنسانية معقدة، وأحيانًا أسئلة أعمق
وبالصدفة، قادته خوارزميات "تيك توك" إلى حسابات تديرها وسيطات ووكلاء زواج. في البداية تعامل مع الفكرة بكثير من الاستغراب، لكنه سرعان ما اكتشف حجم الإقبال عليها.
بعد فترة من المتابعة، قرر التواصل مع إحدى الوكالات عبر الإنترنت. هناك بدأت رحلة تعارف مختلفة عما عرفه سابقًا. بالنسبة إليه، كانت أكبر ميزة في هذه التجربة أن كل طرف يدخل وهو يعلم تقريبًا ما الذي يبحث عنه الطرف الآخر، وهو ما يوفر الوقت ويقلل من خيبات الأمل وسوء الفهم.
د.العويني: اللجوء إلى وسيط زواج مؤشر على النضج في الاختيار في هذه الحالة
وفي هذا الإطار يرى الأخصائي النفسي أنس العويني أن الإقبال على وكالات الزواج أو الزواج المنظم عبر وسيط لا يرتبط بسبب واحد، بل يعكس مزيجًا من الدوافع النفسية والاجتماعية المتداخلة.
ويؤكد العويني لـ"الترا تونس" أن الحاجة إلى الأمان العاطفي تظل من أبرز هذه الدوافع، إذ يبحث الفرد عن شريك جاد يمنحه شعورًا بالطمأنينة ويجنبه الإحساس بأنه عرضة للتلاعب أو إضاعة الوقت. ويضيف أن هذا الإحساس بالأمان يجعل الشخص أكثر استعدادًا للانخراط في العلاقة والاستثمار فيها عاطفيًا.
الأخصائي النفسي أنس العويني: الإقبال على وكالات الزواج أو الزواج المنظم عبر وسيط لا يرتبط بسبب واحد، والحاجة إلى الأمان العاطفي تظل من أبرز هذه الدوافع..
كما يلفت العويني إلى أن اللجوء إلى وسيط زواج يساعد كثيرين على تجنب القلق المرتبط بالرفض، خاصة في ظل تجارب متكررة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو العلاقات التقليدية التي قد تنتهي بخيبات أمل متتالية، مشيرًا إلى أنّ تكرار الرفض يمكن أن يترك آثارًا نفسية سلبية، قد تصل في بعض الحالات إلى الاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس.
ومن زاوية أخرى، يوضح أن هذه الوكالات توفر نوعًا من الكفاءة في البحث عن شريك الحياة، إذ تختصر الوقت والجهد المعرفي اللازمين للتعارف والفرز والتأكد من جدية الطرف الآخر. فليس جميع الأفراد يمتلكون المهارات الاجتماعية نفسها أو القدرة ذاتها على بناء العلاقات، وهو ما يجعل الوسيط بالنسبة إلى البعض أداة عملية لتسهيل الوصول إلى شريك مناسب.
وحول ما إذا كان اللجوء إلى هذه الوكالات يعكس حاجة إلى الأمان أم خوفًا من الفشل، يُجيب العويني بأن الأمر يختلف من شخص إلى آخر، لكنه غالبًا ما يكون مزيجًا من الاثنين.
فبالنسبة إلى البعض، يعبر ذلك عن نضج في فهم الذات ورغبة في بناء علاقة قائمة على التوافق في القيم والأهداف، بعيدًا عن الانجذاب العابر أو الاختيارات المتسرعة. وفي المقابل، قد يكون الدافع لدى آخرين مرتبطًا بالخوف من تكرار تجارب فاشلة أو التعرض للخداع والوعود الزائفة التي تنتهي بخيبة أمل.
الأخصائي النفسي أنس العويني: اللجوء إلى وسيط زواج قد يكون مؤشرًا على النضج في الاختيار عندما يكون الشخص واعيًا بذاته.. لكنه قد يعكس في المقابل نوعًا من القلق الاجتماعي أو الخوف المرضي من التواصل المباشر إذا تحول الوسيط إلى بديل كامل عن المبادرة الشخصية
ويربط الدكتور العويني كذلك انتشار هذه الظاهرة بالتغيرات الاجتماعية المتسارعة التي شهدتها المجتمعات الحديثة. فإيقاع الحياة السريع وضغوط العمل وتراجع الوقت المتاح للتعارف الطبيعي دفعت كثيرين إلى البحث عن حلول أكثر عملية. كما ساهم تفكك الشبكات الاجتماعية التقليدية، التي كانت العائلة أو المحيط المحلي تلعب فيها دور الوسيط الطبيعي، في تعزيز الحاجة إلى مؤسسات أو وسطاء متخصصين في هذا المجال.
ويؤكد أن اللجوء إلى وسيط زواج قد يكون مؤشرًا على النضج في الاختيار عندما يكون الشخص واعيًا بذاته، ومُدركًا لنقاط قوته وضعفه، ويبحث عن التوافق الحقيقي لا عن المظاهر فقط. لكنه قد يعكس في المقابل نوعًا من القلق الاجتماعي أو الخوف المرضي من التواصل المباشر إذا تحول الوسيط إلى بديل كامل عن المبادرة الشخصية، أو إذا اعتمد الفرد بشكل مطلق على اختيارات الآخرين دون تقييم أو مشاركة فعلية في اتخاذ القرار.
الكلمات المفتاحية

بين تعثّر الأشغال ومداهمة الشتاء.. هضبة سيدي بوسعيد على شفير الهاوية
يرى خبراء الجيولوجيا والهندسة المدنية أنّ هضبة سيدي بوسعيد تتكون من طبقات رسوبية وطينية هشّة تتأثر بشكل مباشر بتشبع التربة بالمياه التي تتسرب من القنوات الباطنية ومن التساقطات الهامة التي تشهدها المنطقة سنويًا

رزق شحيح.. يوميات "البرباشة" في زمن أزمة المياه المعدنية
تُظهر هذه الأزمة المزدوجة كيف تتسرب الآثار الجانبية للتغيرات المناخية وأزمات السلع الأساسية إلى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع

ارتفاع درجات الحرارة يعيد جدل العودة المدرسية والجامعية.. هل تتجه تونس نحو تأجيلها؟
مع تصاعد الجدل حول موعد العودة المدرسية والجامعية في تونس، تتزايد الدعوات إلى تأجيل استئناف الدروس في ظل..

من الذبائح إلى الأسماك.. غلاء الأسعار يُغيّر عادات وليمة الأعراس في تونس
شهدت أسعار اللحوم الحمراء في تونس ارتفاعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما هذا العام إذ بلغت في بعض المناطق 70 دينارًا للكيلوغرام من لحم الضأن و50 دينارًا للحم البقر، ما أدّى إلى تراجع حضورها على موائد الكثير من العائلات، خاصة محدودي الدخل الذين اضطروا إلى مقاطعتها بسبب تدهور المقدرة الشرائية

طقس تونس.. سحب عابرة وأمطار متفرقة في بعض المناطق
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تتراوح بين 26 و31 درجة بالشمال وجهة الساحل

طقس تونس.. الحرارة في استقرار مع أمطار متفرقة وغزيرة ببعض المناطق
معهد الرصد الجوي: الريح فتكون من القطاع الشمالي قوية نسبيًا قرب السواحل الشرقية وبالجنوب وضعيفة فمعتدلة ببقية الجهات

طقس تونس.. انخفاض في درجات الحرارة وأمطار رعدية في عدة جهات
معهد الرصد الجوي: درجات الحرارة تواصل الانخفاض، لتتراوح القصوى بين 23 و28 درجة بالشمال والمرتفعات

تعرّف على برنامج مباريات الجولة الرابعة من البطولة التونسية
تقام مباريات الجولة الرابعة للبطولة التونسية، أيام السبت 12 والأحد 13 والأحد 20 سبتمبر 2026 انطلاقًا من الساعة الرابعة بعد الزوال.


