المحاكمة السياسية في تونس.. لسان الدفاع "جاهز" رغم الحصار
13 يوليو 2025
مقال رأي
لا ينحصر دور الدفاع في المحاكمات السياسية على التصدّي لها عبر توظيف الأدوات القانونية الناجعة، بل أيضًا في تبيان جوهرها بوصفها تجريفًا منهجيًا للحريات في سياق حقوقي حرج، وكشف ملابسات غياب مقوّمات الحكم العادل لجهة غياب ضمانات المحاكمة العادلة في مقدمتها وضع السلطة التنفيذية يدها على القضاء الذي بات منزوع أسس الاستقلالية هيكليًا ووظيفيًا. وهذا دور جوهري للسان الدفاع تقتضي ممارسة المحامي لحرياته العامة في مقدمتها حرية التعبير لكشف ملابسات المحاكمة وظروفها وسياقها. وذلك من صميم مهمة المحامي، المفترضة على الأقل، خاصّة وأن المحاماة تُعرّف، في مرسومها، بوصفها مهنة تدافع عن الحقوق والحريات.
وهنا، من قبيل المغالطة، وأحيانًا أقرّب للإساءة، ذلك التمييز المزعوم، داخل أوساط المحامين، بين المهني من جهة والحقوقي من جهة أخرى، وكأن المهنية تتعارض مع الدفاع عن حقوق الإنسان أو هما في صفان متقابلان. ربّما تعريف القانون نفسه للمحاماة كفيل بالرّد ذلك أن جوهر المهنية، للمحاماة بوصفها رسالة سامية وليست مجرّد مهنة حرّة، هو الدفاع عن حقوق الإنسان. ولذلك أقدّر أن التمييز بين المحامي المهني والمحامي الحقوقي هو تشويه للثنائية الواقعية في التمييز بين المحامي الذي يمارس المهنة كمجرّد محترف قانوني يؤدي خدمات لحرفائه دون أي انغماس في المهمّة الحقوقية لا داخل أوساط المهنة ولا خارجها، وبين المحامي الذي يمتهن بوصفه حاملًا لرسالة سامية وهي الدفاع عن الحقوق والحريات بما يقتضي أداء التكليف رغم مخاطر ذلك أحيانًا. فما دأب معجم المحاماة الرسمية على تسميته بالدور الوطني للمهنة يندرج ضمن هذا الإطار، ولذلك طالما تصدّر المحامون الحراك السياسي والمدني طيلة التاريخ المعاصر ابتداءً من الحركة الوطنية مرورًا بالنضال ضد الاستبداد وصولًا للثورة.
من قبيل المغالطة، وأحيانًا أقرّب للإساءة، ذلك التمييز المزعوم، داخل أوساط المحامين، بين المهني من جهة والحقوقي من جهة أخرى، وكأن المهنية تتعارض مع الدفاع عن حقوق الإنسان
وثم حينما ابتدأ الحكم السلطوي المتنامي، كان واضحًا استهداف حق الدفاع، ضمن مسار الإجهاز على مقومات المحاكمة العادلة، فيما اختارت المحاماة الرسمية منذ زمن العميد إبراهيم بودربالة الانخراط في ذلك اصطفافًا مع السلطة السياسية في ردّة عن الجادّة ستحفظها ذاكرة المحاماة مليًا. كان خنجر العميد بودربالة داميًا في ظهر المحاماة لا يدفع المحامون فقط ثمنه، لجهة هرسلتهم وضرب ضماناتهم عبر استسهال السلطة لذلك، ولكن أيضًا التونسيون بوجه عامّ.
تتابع استهداف حق الدفاع بصفة تصاعدية بالخصوص عبر القضاء العدلي حينما استتبّ وضع اليد للسلطة السياسية بعد حلّ المجلس الأعلى للقضاء ومظلمة إعفاءات 1 جوان/يونيو 2022 التي نجحت، في نهاية المطاف، في إشاعة مناخ من الترهيب في صفوف القضاة بعد أن بات مصيرهم، المهني على الأقل، مرتبط بجرّة قلم من قصر الرئاسة أو بناية وزارة العدل. وتتالت التتبعات كملاحقة العياشي الهمامي من أجل تصريح على خلفية دفاعه عن القضاة المعفيين وأخرى ضد أعضاء هيئة الدفاع في قضية التآمر شملت عبد العزيز الصيد وجوهر بن مبارك وإسلام حمزة وآخرهم أحمد صواب. وهي تتبعات على خلفية تصريحات صحفية كشفت ملابسات المحاكمات السياسية التي ظهر أن السلطة لم تكن متحمّسة لكشفها للعموم على نحو ما يمكن تبيّنه على الأقل منذ إصدار قرار منع "التداول الإعلامي" في قضية التآمر. لسان الدفاع علاوة على دوره في التصدّي للمحاكمات داخل أسوار المحكمة، في مكاتب التحقيق وقاعات الجلسات، من واجبه التصدّي بإعلاء صوت الحق عبر الكلمة الحرّة الكاشفة للحقيقة.
الملاحقات القضائية ضد المحامين لا يجب أن تنجح في عرقلتهم عن أداء مهامهم وإن كان التحدّي متصاعدًا في مناخ تعسّف وقهر، وهذا الحصار الذي يسعى لتحييد لسان الدفاع عن رسالته في هكذا سياق، لا خيار إلا فكّه أساسًا عبر تضامن المحامين فيما بينهم
لكن المهمّة ليست يسيرة في مناخ مشوب بالملاحقات والتتبعات على نحو دفع لإشاعة جوّ من الخوف حتى في أوساط عديد المحامين ممّن باتوا يفضّلون مثلًا خفض الصوت في مكان عامّ كلّما حل نقد للسلطة. الاستنزاف أيضًا قاس ليس على المستوى الجسدي خاصة بما فرضه ماراطون المحاكمات من تنقّل بين المحاكم والسجون، ولكن أيضًا نفسي. المعضلة هنا تكثّفت حينما يُعاين أنه مهما تنوّعت خطط الدفاع في المحاكمات السياسية فالإدانة سابقة. فسواء دعم المحامون رفض مشاركة المعتقلين في المحاكمات عن بعد أو لم يمانعوا في ذلك، فالنتيجة واحدة.
وسواء تمسك المحامون بفرض الحد الأدنى لضمانات المحاكمة العادلة أو تجاوزوها وخاضوا في الأصل، فالنتيجة واحدة. وسواء خرج محامون للإعلام لكشف الحقيقة للرأي العام أو اعتماد دفاع الظل داخل قاعة المحكمة فقط، فالنتيجة دائمًا واحدة. وسواء تم تكييف القضية، منذ البداية، بأنها محاكمة سياسية جرّفت الجميع، أو تفضيل استراتيجية تسعى لسحب "المنوّب المسكين البريء" عن بقية "المتهمين الآخرين"، فالنتيجة مجددًا واحدة. وسواء تمّ التصدّي للدفاع بحقوقيين متطوعين يمارسون رسالتهم بكل وفاء، أو تطعيم الفريق قصدًا بمن يجاهر في دعم السلطة السياسية ويبيّض انتهاكاتها لتوجيه رسالة معلومة، فمجددًا النتيجة واحدة.
يصبح المحامي أحيانًا في حالة إحباط وهو يعاين عدم قدرته على تأمين دفاع ناجع أي منتهاه إنهاء مظلمة، ولذلك يشجّع محامون قرار منوّبيهم بمقاطعة الجلسات باعتبار أنه ليس للدفاع أي معنى في هكذا سياق
بالنهاية، المحاكمة السياسية ليست مواجهة داخل المحكمة بل هي خارجها، ولذلك الميزان مختلّ. وهنا يصبح المحامي أحيانًا في حالة إحباط وهو يعاين عدم قدرته على تأمين دفاع ناجع أي منتهاه إنهاء مظلمة. ولذلك يشجّع محامون قرار منوّبيهم بمقاطعة الجلسات باعتبار أنه ليس للدفاع أي معنى في هكذا سياق. والمقاطعة، في الأثناء، أقدّر أنه لا يمكن اتخاذ موقف حدّي تجاهها باعتبارها قرارًا يخضع لتقدير يختلف بحسب الملف والإطار رغم وحدة السياق العامّ وكلّ ذلك بشرط أن تكون المقاطعة حيوية أي أنها لا تؤدي لاستقالة الدفاع عن واجبه في كل الأحوال. ولكن تجاوزًا لذلك، فإن قدر الدفاع، في كل الأحوال، هو أن يكون "جاهزًا"، وهي العبارة التي يرددها المحامون في قاعة الجلسات إعلامًا لهيئة المحكمة بالاستعداد للترافع بعد إتمام إعداد وسائل الدفاع. فالمحامي هو جدار صدّ داخل المجتمع أمام تعسّف السلطة فهو، بحكم مهنته، من يرفع لواء الحرية في معركة النضال الحقوقي.
ولذلك فالملاحقات القضائية ضد المحامين لا يجب أن تنجح في عرقلتهم عن أداء مهامهم وإن كان التحدّي متصاعدًا في مناخ تعسّف وقهر. وهذا الحصار الذي يسعى لتحييد لسان الدفاع عن رسالته في هكذا سياق، لا خيار إلا فكّه أساسًا عبر تضامن المحامين فيما بينهم وتكاتفهم للتصدّي لاستهداف حقوقهم وضماناتهم القانونية مع التمسك، في الوقت نفسه، بممارسة مقتضيات رسالتهم بكل صرامة لتعلم السلطة أنّ الملاحقات لن تحقق المبتغى منها. فيما تظلّ دائمًا لهيئة المحامين مسؤولية في الدفاع عن ضمانات المهنة وحقوق منظوريها بدل التراخي الذي قد يبلغ أحيانًا مرتبة المشاركة ذلك أن الصمت وانعدام التحرّك الناجع ساعة المحنة، يمثّل موقفًا.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

الانسحاب من "الكان".. أكبر من مجرّد إخفاق رياضيّ
"لا يُرتقَب أيّ تحسّن على المدى القريب والمتوسّط، على الأقلّ، أمام تراكم المشاكل المحيطة بالرّياضة وتعاظمها.."

في معنى التفویض واحتكار المشھد تونسيًا
"إن مفھوم "التفویض" ھو درجة أكثر تقدمًا داخل نسق الخطاب الشعبوي الذي یعتبر أن الشعب ھو فاعل سیاسي موحد یفوضه ضد النخب.."

2025.. سنة الصّعود إلى الهاوية الشّاهقة!
"البحث عن المشروعيّة هو إقرار ضمنيّ بغياب المُنجَز ومن قبله المشروع. فقد كان عام 2025 عام "الصّفر فاصل إنجاز".. وإذا ما كانت المشروعيّة تٌقاس بأعداد المتظاهرين بالفعل، فالأسلم القول إنّ "الخميس العظيم" الّذي شهدته قابس، في أكتوبر 2025، أكسب مطلبَ "تفكيك الوحدات" بالمجمع الكيمائيّ دعمًا شعبيًّا لا يُمكن تجاهله. لكنّ الملفّ لا يزال يُراوح مكانه!

عضو مجلس محلي لـ"الترا تونس": منظومة كهربائية متهالكة وراء احتجاج أهالي ماجل بلعباس
تداولت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، مساء الخميس 15 جانفي 2026، مقاطع فيديو تُظهر عددًا من أهالي حي الدشرة بمعتمدية ماجل بلعباس من ولاية القصرين وهم ينفذون تحركًا احتجاجيًا تمثلت في قطع الطريق، إثر اشتعال النيران في خطوط إمداد الكهرباء، في اليوم نفسه الذي تم فيه إصلاح محوّل كهربائي بالمنطقة

جمعية القضاة: نحذر من محاولات لتعليق نشاطنا ومنع عقد مؤتمرنا الانتخابي
أصدرت جمعية القضاة التونسيين بلاغًا، يوم الجمعة 16 جانفي/يناير 2026، أوضحت فيه أنها بعد الإعلان عن عقد مؤتمرها الانتخابي الخامس عشر، تلقّت يوم 7 جانفي 2026 تنبيهًا من رئاسة الحكومة يتعلق بإخلالات مزعومة، وينتهي أجل الردّ عنه بتاريخ انطلاق المؤتمر الانتخابي، وهو ما يفتح، وفق تقديرها، إمكان تعليق نشاط الجمعية وإيقاف عقد مؤتمرها في ذلك التاريخ.

طقس تونس.. سحب كثيفة وأمطار متفرقة مع إمكانية تساقط البرد
أفاد المعهد الوطني للرصد الجوي بأنّ طقس تونس يتميّز بظهور ضباب محلّي في الصباح، ثم تكون السحب أحيانًا كثيفة مع أمطار متفرقة بالمناطق الغربية، لتشمل تدريجيًا بقية الجهات، وتكون مؤقتًا رعدية وأحيانًا غزيرة بعد الظهر بالشمال ومحليًا بالوسط، مع إمكانية تساقط محلي للبرد

تنسيقية إطارات وأعوان الصحة تقرّ تحركات احتجاجية بعد عيد الفطر
أمين عام التنسيقية الوطنية لإطارات وأعوان الصحة: "تمسّك أعضاء المكتب التنفيذي للتنسيقية الوطنية بمواصلة الدفاع عن كرامة الإطار الصحي وحماية المرفق العمومي، مع التشديد على عدم التراجع عن المطالب المشروعة مهما كانت التحديات"

