الكتب الصوتية في تونس.. مبادرات شبابية لتقديم تجربة قراءة تفاعلية
9 مايو 2026
"هناك شيء ما ناقص في المشهد.. يناديني لأكمله!" هكذا كان إعلان الصحفي جاسر عيد عن ولادة مشروع -لطالما كان يدغدغ وجدانه- يتمثّل في منصة لنشر الكتاب الورقي والصوتي وتهدف أساسًا إلى المساهمة في بناء مكتبة صوتية للكتب التونسية، في إطار تنامي استهلاك الكتب الصوتية في تونس.
وفي سياق التحوّلات الرقمية المتسارعة التي يشهدها قطاع النشر، تبرز تجربة جاسر عيد كمثال على محاولة إعادة صياغة علاقة القارئ بالكتاب عبر الصوت. ومن خلال مشروعه "كاست إنك للنشر - Cast Ink Publishing"، يقدّم عيد رؤية تقوم على تحويل الكتاب من مادة ورقية صامتة إلى تجربة سمعية حيّة، تنسجم مع إيقاع الحياة الحديثة.
جاسر عيد (مؤسس كاست إنك للنشر): هدفنا المساهمة في بناء مكتبة صوتية تونسية
يشرح عيد لـ"الترا تونس"، أنّ البذرة الأولى للفكرة لم تكن مشروعًا تجاريًا بقدر ما كانت مشكلة شخصية.. فمع تراكم الالتزامات اليومية، وتقلّص الوقت المخصّص للقراءة، بدأ يشعر بأن علاقته بالكتب تتراجع تدريجيًا حيث يقول: "أوقات كثيرة كانت تضيع بين التنقل، القيادة، أو فترات الانتظار، وهي لحظات كان يمكن أن تتحول إلى فرص للقراءة".
ومن هنا بدأ البحث عن بديل يعيد ربطه بالمعرفة دون أن يصطدم بضغط الوقت.
برزت في تونس مبادرات لإعادة صياغة علاقة القارئ بالكتاب عبر الصوت، خاصة وأنّ الكثيرين باتوا يعتمدون بشكل شبه دائم على سماعات الأذن لاستهلاك المحتوى الصوتي بمختلف أنواعه
لاحقًا، اكتشف أن هذه المشكلة ليست فردية، بل ظاهرة عامة. فالكثير من الأشخاص حوله باتوا يعتمدون بشكل شبه دائم على سماعات الأذن، سواء للاستماع إلى الموسيقى أو البودكاست أو الدروس أو المحتوى الصوتي بمختلف أنواعه. هذه الملاحظة، كما يوضّح، شكّلت نقطة التحول الأساسية في التفكير: لماذا لا تكون الكتب جزءًا من هذا العالم الصوتي المتنامي؟
انطلاقًا من هذا السؤال، بدأ البحث عن الكتب الصوتية، ليصطدم بفراغ واضح في السوق التونسية والعربية من حيث الإنتاج المحلي. أغلب المحتوى المتوفر كان مستوردًا أو غير مرتبط بالهوية الثقافية المحلية.
هذا المعطى دفعه إلى التعمّق أكثر، ودراسة تجارب دولية في المجال، وتحليل نماذج النجاح والفشل، قبل أن تتبلور فكرة إنشاء منصة متخصصة في النشر الصوتي.
هكذا وُلدت Cast Ink Publishing، ليس فقط كمنصة إنتاج، بل كمشروع ثقافي يسعى إلى بناء مكتبة صوتية تونسية قادرة على مواكبة التحولات الرقمية في علاقة الإنسان بالكتاب.
في رؤيته، يؤكد مؤسس الدار، جاسر عيد، أنّ الكتاب الصوتي لا يمكن أن يكون بديلًا عن الكتاب الورقي، بل هو امتداد له. فلكل وسيط خصائصه وتجربته الخاصة. فالكتاب الورقي، بحسب تعبيره، يظل "الأصل" لما يتيحه من تركيز وهدوء وتفاعل عميق مع النص، بينما يقدم الكتاب الصوتي تجربة موازية أكثر مرونة، تسمح باستهلاك المعرفة أثناء الحركة أو الانشغال.
ويرى أن القيمة المضافة للكتاب الصوتي لا تقتصر على الراحة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل تجربة القراءة نفسها. ففي كتب الرعب مثلًا، يمكن للصوت أن يضيف عنصر التشويق والخوف، بينما في الروايات البوليسية يعزز الإيقاع السردي. أما في سياق التربية، فيعتبر أن الكتب الصوتية أصبحت ضرورة، خصوصًا للأطفال الذين يعيشون في عالم رقمي سريع الإيقاع.
ويضيف أنّ الجمع بين النص المكتوب والصوت يمكن أن يساعد الأطفال على تحسين مهارات القراءة والتهجئة، ويعزز ثقتهم بأنفسهم، خاصة أولئك الذين يعانون من صعوبات في التعلم. لذلك، يرى أنّ مستقبل كتب الأطفال سيكون في نموذج مزدوج يجمع بين الورقي والصوتي.
اقرا/ي أيضًا: حوار| سامي المقدم: أحلم أن تصبح المرسى مزارًا سياحيًا لمحبّي سانت إكزوبيري حول العالم
أما على مستوى الإنتاج، فيكشف أن التحديات لم تكن بسيطة. أبرزها كان مرتبطًا بمدة تسجيل الكتب، ما كان يفرض كلفة عالية على كراء الإستوديوهات. هذا التحدي دفعه إلى اتخاذ قرار استراتيجي بإنشاء استوديو تسجيل خاص بمقرّ دار النشر، مما ساعد على التحكم في الجودة وتقليص الوقت والتكلفة في آن واحد.
التحدي الثاني كان مرتبطًا بحقوق النشر، وهو ملف حساس في صناعة الكتاب. يوضح عيد أن العمل في هذا المجال تطلّب استشارة قانونية دقيقة، ووضع ثلاث صيغ تعاقدية مختلفة تضمن حقوق المؤلفين ودور النشر، وتسمح في الوقت نفسه بتطوير إنتاج صوتي قانوني ومنظم.
أما فيما يتعلق باختيار الأصوات، فيعتبر أنّ هذا الجانب أقل تعقيدًا مما يبدو من الخارج. فالمشروع يعتمد على تجارب أداء دورية، يتم من خلالها اختيار أصوات قادرة على الإلقاء السليم، وضبط الإيقاع، وإيصال المعنى بطريقة حيّة. كما يتم بناء قاعدة بيانات صوتية تُعرض على الكتّاب لاختيار الأنسب لكتبهم.
جاسر عيد (مؤسس كاست إنك للنشر) لـ"الترا تونس": العالم يتجه نحو طفرة في المحتوى المسموع، مدعومة بانتشار البودكاست وتغير أنماط الاستهلاك الرقمي، والمستقبل سيكون للأصوات البشرية المميزة، التي ستصبح أكثر قيمة وسط عالم رقمي متشابه
ويؤكد أن الجودة الصوتية عنصر حاسم، لأن الصوت ليس مجرد وسيط، بل جزء من تجربة القراءة. الصوت البشري تحديدًا، حسب رأيه، يحمل روحًا لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعوّضها بالكامل، رغم التطور التكنولوجي الكبير في هذا المجال.
في ما يتعلق باختيار الكتب، يوضّح أنّ المشروع لا يعتمد على معيار واحد، بل على توازن بين القيمة المعرفية وقابلية التحويل إلى تجربة سمعية جذابة. ومع ذلك، هناك تركيز خاص على كتب الأطفال، باعتبارها الفئة الأكثر حاجة إلى محتوى تفاعلي.
ويشير إلى تجربة تحويل سلسلة "مختلفون" للكاتبة عبير مزاح إلى صيغة صوتية، والتي لاقت تفاعلًا إيجابيًا لدى الأطفال والأولياء، ما اعتبره مؤشرًا على نجاح هذا التوجه.
وعن مستقبل المجال، يرى جاسر عيد أنّ العالم يتجه نحو طفرة في المحتوى المسموع، مدعومة بانتشار البودكاست وتغير أنماط الاستهلاك الرقمي. وتشير بعض الدراسات التي يستند إليها إلى أنّ عدد مستخدمي الكتب الصوتية قد يصل إلى 1.8 مليار شخص عالميًا بحلول عام 2030، ما يجعل القطاع فرصة استثمارية حقيقية.
اقرا/ي أيضًا: حوار| صحبي كرعاني: "دفاتر الجيلاني ولد حمد" رواية لصون ذكرى المكان من الاندثار
لكن في المقابل، يحذر من الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في إنتاج الكتب الصوتية، معتبرًا أنه رغم قدرته على تسريع الإنتاج، إلا أنه قد يؤدي إلى تشابه كبير في الأصوات وفقدان البعد الإنساني. لذلك، يعتقد أنّ المستقبل سيكون للأصوات البشرية المميزة، التي ستصبح أكثر قيمة وسط عالم رقمي متشابه.
ويختم عيد رؤيته بالتأكيد على أنّ مشروعه لا يسعى فقط إلى إنتاج كتب مسموعة، بل إلى إعادة تعريف علاقة الإنسان بالكتاب في العصر الرقمي، عبر دمج المعرفة بالتكنولوجيا دون فقدان روحها الإنسانية.
وفاء الطرابلسي (صحفية): القراءة الورقية تظل أكثر عمقًا
وفي نفس السياق، تؤكد الصحفية وفاء الطرابلسي أن تجربتها مع الكتب الصوتية بدأت بصدفة تحوّلت إلى عادة مرافقة ليومياتها.
وتروي الطرابلسي لـ"الترا تونس"، أنّ التحدي الأكبر كان في الالتزام بالمطالعة اليومية وسط مشاغل الحياة. وتضيف أنّ الكتب الصوتية مثّلت بالنسبة لها حلًا عمليًا، حيث أصبحت تستمع إلى الكتب عبر المنصات الرقمية أثناء القيادة، ما منحها شعورًا بأنها لم تتخلّ عن علاقتها بالكتاب رغم ضيق الوقت.
وفي حديثها، تبرز الطرابلسي الفارق بين التجربتين، معتبرة أنّ القراءة الورقية تظل أكثر عمقًا، إذ تساهم في تهذيب اللغة وتعزيز الصبر، في حين تبقى الكتب الصوتية وسيلة مكمّلة لا بديلًا كاملاً. كما تؤكد أن جودة الأداء الصوتي تلعب دورًا حاسمًا في التفاعل مع النص، حيث إنّ نبرة القارئ وسلامة مخارج الحروف تؤثر بشكل مباشر في مدى التركيز وفهم المحتوى.
ورغم الإقبال المتزايد على هذا النوع من الكتب، تعترف الطرابلسي بأنها لم تعش نفس الاندماج العاطفي مع الشخصيات كما حدث معها في الكتب الورقية، معتبرة أنّ "للورق روحًا خاصة" لا يمكن تعويضها بالصوت.
وتخلص الصحفية إلى أنّ الكتب الصوتية تمثل مدخلًا مهمًا لعالم القراءة، خاصة للمبتدئين، إذ تنصح من لا يحب القراءة بأن يبدأ بالاستماع، معتبرة أن هذه الخطوة قد تفتح له لاحقًا باب العودة إلى الكتاب الورقي بشغف أكبر.
هكذا، تظل العلاقة بين الصوت والورق علاقة تكامل لا تنافس، يختار فيها القارئ ما يناسب إيقاع حياته دون أن يتخلى عن جوهر التجربة القرائية.
فادي حمزة (مدرّب في المُحتوى الصّوتي): الذكاء الاصطناعي مازال يفتقر إلى الإحساس والحيوية في التجربة الصوتية
وفي مقابل الحماس للكتب الصوتية، يقدّم المدرّب في ورشات صناعة البودكاست والمُحتوى الصّوتي فادي حمزة رؤية أكثر تحفّظًا، تنطلق من تجربة شخصية تمزج بين الفائدة العملية وحدود التفاعل العاطفي مع هذا النوع من المحتوى.
ويؤكد حمزة لـ"الترا تونس"، أنه لا يُعدّ من المولعين كثيرًا بالكتب الصوتية، مشيرًا إلى أن اللجوء إليها غالبًا ما يكون بدافع الحاجة، خاصة في سياق التحضير للتدريبات أو تطوير المحتوى المهني. ويضيف أنه يعتمد أحيانًا على ما يتوفر عبر المنصات المفتوحة مثل يوتيوب، معتبرًا أن هذه الوسيلة تتيح الوصول السريع إلى مصادر معرفية دون تعقيد.
وفي قراءة غير مباشرة لتجربته، يبدو أن العامل الزمني هو الدافع الأساسي لاعتماد الكتب الصوتية، إذ يراها وسيلة "تربّح الوقت"، خاصة عند القيام بمهام موازية. غير أن هذا المكسب، وفق تقديره، لا يعوّض متعة القراءة الورقية، التي تمنحه تركيزًا أكبر رغم اعترافه بمعاناته أحيانًا من التشتت.
ويشدّد حمزة على أنّ جودة التجربة السمعية ترتبط بشكل أساسي بطبيعة الصوت، مفضّلًا الأصوات البشرية على تلك الناتجة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي يعتبرها، رغم تطورها، ما تزال تفتقر إلى الإحساس والحيوية. فالصوت المحترف، القادر على الإلقاء السليم وضبط الإيقاع، هو وحده القادر—بحسب رأيه—على شدّ انتباه المستمع وتعزيز تفاعله مع المحتوى.
ورغم إقراره بالفائدة العملية للكتب الصوتية، خاصة من حيث توفير الوقت، يخلص فادي حمزة إلى أنها تبقى تجربة مكمّلة لا ترقى إلى عمق العلاقة التي يخلقها الكتاب الورقي مع القارئ.
الكلمات المفتاحية
معرض "انبثاق الجسد" للرسام الراحل الحبيب شبيل.. مدونة جمالية ما فتئت تجادلنا
استعادت الحياة التشكيلية والثقافية التونسية جزءًا من التجربة الجمالية واللغة البصرية الباذخة للرسام الراحل الحبيب شبيل (1936 ــ 2004) لتبرزها من خلال معرض تشكيلي استعادي تحتضنه قاعات دار الفنون بالبلفدير بالعاصمة تونس لمدة تقارب الشهر
فاطمة بن سعيدان ممثلة مسرحية وسينمائية بهوية بصرية استثنائية
شاركت فاطمة بن سعيدان في أفلام اجتماعية وإنسانية وتاريخية، لقيت رواجًا وحصدت جوائز وطنية ودولية وتركت بصمتها على خشبة المسرح أو على الشاشة الكبيرة والصغيرة.
مسلسل أكسيدون.. عن سيكولوجيا الانتقام في الدراما التونسية
لئن أعرض صاحب السيناريو عن البوح بالعنوان الأقرب لمسلسل أكسيدون وهو "الانتقام" فإنّ أغنية الجينيريك وتصميمه قد أوحت بذلك منذ البداية..
فن العرائس في تونس.. حكايات فنانين وجدوا ذواتهم في أجساد الدمى
في فضاء المسرح التونسي، يظلّ فنّ العرائس واحدًا من أكثر الفنون التباسًا وسوءًا للفهم. إذ يُختزل غالبًا في الترفيه السريع أو في عروض موجّهة للأطفال، بينما يُخفي في جوهره اشتغالًا معقّدًا على الصوت والجسد والخيال، وعلى تلك المنطقة الرمادية بين الإنسان وما يصنعه بيديه. في هذا الهامش بالذات، اختار محمد الأخوص وأسامة الماكني أن يغوصا في تفاصيل هذا العالم بحثًا عن معنى أعمق للفعل المسرحي
4 سنوات سجنًا في حق خولة بوكريم.. نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54
نقابة الصحفيين: نُدين تواصل توظيف المرسوم 54 ضد الصحفيين وآخرها الأحكام الصادرة بحق الصحفية خولة بوكريم، والنزاعات المتعلقة بالمضامين الإعلامية يجب أن تعالج في إطار المرسوم 115 الخاص بحرية الصحافة والطباعة والنشر
أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل يحتجون للمطالبة بتطبيق قانون انتدابهم الاستثنائي
يواصل أصحاب الشهائد العليا المعطلون عن العمل، احتجاجاتهم رفضًا لـ"سياسة المماطلة في تنفيذ القانون 18 وإصدار الأوامر الترتيبة القاضية بانتدابهم".
كم بلغت حالات الغش خلال الدورة الرئيسية لبكالوريا 2026؟
مدير عام الامتحانات الوطنية بوزارة التربية: الوزارة لا تهدف إلى معاقبة التلاميذ، بل توفير شروط النجاح لهم، مع التصدي لإصرار بعض الأطراف على التشويش على الامتحانات الوطنية
رسميًا.. "الفيفا" يرفع المنع من الانتداب عن الترجي الرياضي التونسي
تم تحيين جدول العقوبات في منصة منع الانتداب للفيفا، حيث أُزيل اسم نادي الترجي الرياضي التونسي رسمياً من قائمة الأندية المحظورة بعد تسوية ملفه