الغش والتسريبات في البكالوريا.. هذا ما جنيناه من مدرسة التسييس والتساهل والمحاباة
5 يونيو 2026
رغم التشتّت الذهني والانفعاليّ الذي تفرضه المعلومات والأخبار المتدفّقة السائلة، ورغم الأحداث السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والأمنيّة والحقوقيّة الحارقة، ظلّت البكالوريا هذه السنة كسابقاتها مركز اهتمام العامّة والخاصّة، يخوضون في مواضيعها وملابساتها وخروقاتها بأسلوب سجاليّ متوتّر.
وبصرف النظر عن زوايا المعالجة والتقييم، فإنّ الجامع بين كلّ المتدخّلين هو الوعي بأنّ هذه المناسبة الوطنيّة تكتسي أهميّة بالغة نظرًا إلى أنّها كانت ومازالت تمثّل في الذاكرة والذائقة معيارًا معرفيًّا وبيداغوجيًّا ولونًا من ألوان السيادة والتفوّق المعرفيّ الذي نُباهي به الأمم، هذا فضلًا عن كونها مصعدًا اجتماعيًّا تتجسّد فيه العدالة والاستحقاق ولا يقبل بأي حال من الأحوال أن تدوسه أيادي الفساد والمحسوبيّة.
ما انفكت البكالوريا تفقد شيئًا فشيئًا مصداقيتها ومنزلتها المرجعيّة، وتظافرت عناصر عديدة جعلتها موضوع تشكيك وتلبيس، من بينها: التساهل المُسيّس والأخطاء والغش التسريبات المتكرّرة
وإنّي لأذكر دردشة خاطفة مع أحد رجالات بن علي في التسعينيّات بعد أن بلغ سنًّا لا تقتضي التحفظ ولا يليق بها الكذب، كان ابنه الأوّل قد رسب ثلاث مرّات وابنه الثاني مرّتين في البكالوريا فقلت كيف حدث هذا قبل أربعة عقود وأنت من أنت في ذاك الزمن؟ فلم يدّع النزاهة المطلقة والطهورة المثاليّة وإنما ردّ بعبارة فيها ما فيها من العمق "كلّ شي إلّا البكالوريا".
هذا القول ينطوي ضمنيًّا على مُصادرة مفادها أنّ رجل الدولة في تونس منذ الاستقلال حينما يمتلك النفوذ وتتاح له السلطة المطلقة يمكن أن يرتكب ما يشاء من التجاوزات ولكنّه لا يجرأ على هيكل التعليم وحرمة البكالوريا.
اقرأ/ي أيضًا: تسريب امتحانات البكالوريا.. كيف علّقت جامعة التعليم الثانوي؟
لا بدّ أن نعترف الآن أنّ حرمة البكالوريا أصبحت منذ سنوات مهتوك سرّها ومنتهك مقامها، ما انفكت تفقد شيئًا فشيئًا مصداقيتها ومنزلتها المرجعيّة، ولقد تظافرت عناصر عديدة جعلتها موضوع تشكيك وتلبيس، ومن تلك العناصر نذكر التساهل المُسيّس والأخطاء والغش التسريبات المتكرّرة.
كتيبة الصمت على الغش وتبريره
الغشّ في الامتحانات لم يعد في ظنّ التلامذة -وقسمًا واسعًا من المربّين- جريمة تضرب مبدأ الاستحقاق، فقد تحوّل إلى ثقافة مدرسيّة قلّما يتمّ التصدّي لها بالأسلوب الصارم المناسب، بل إنّك واجد من يبرّره، فهذا متعاطف يحرّكه الجهل والسذاجة الانفعاليّة في ما يمكن إدراجه كما ذكرنا في مقال سابق "الفساد على وجه الطيبة"، وذاك شريك بمقتضى بعض المصالح التي يدور رحاها حول الدروس الخصوصيّة والزبونية والمصالح المتبادلة، وهؤلاء مستقيلون لا تعنيهم إلّا المصلحة الذاتية، فهم في مرتبة المتسترّ عن الجريمة إمّا بسبب عدم الشعور بالمسؤوليّة أو خوفًا من ردّ فعل الجاني، معلّلين سلبيتهم بالعنف والأذى الذي أصاب بعض المربين بسبب كتابة تقارير حول وقائع غش عاينوها.
وثمّة فئة أخرى تتوخّى التعميم المُعمي والتبخير والمغالطة المنطقيّة القائمة على ضرورة الكفّ عن محاسبة المذنب ما دام يفعل ما يرتكبه الغالبيّة أو الجميع "تْحب تْحاسب حاسب الجميع أو كُفّ عن ذلك"، فتتحوّل في ظنّهم ملاحقة مرتكب الغش بمقتضى هذا المنطق إلى لون من ألوان الظلم والتمييز والفرز وأخذ الفرد بجريمة الكلّ.
بات جلّ التلامذة في حاجة إلى من ينوب عنهم في قراءة موضوع الامتحان وتفكيكه وبناء الأسئلة، لأنّ التلميذ قد بلغ درجة من الضعف تجعله عاجزًا عن هذه المهارات اليسيرة البديهيّة كمجهود الفرز والاختيار والتنظيم والإعداد الفرديّ
وثمّة طرف آخر يدّعي في الإصلاح عبقريّة وفلسفة يبرّر صمته على الفساد المدرسيّ ومنه الغش بأنّ الواقع التربوّي قد بلغ أخطر درجات الترديّ دون أن تتصدّى له المجموعة الوطنيّة سلطة وشعبًا وأحزابًا قبل الثورة وبعدها تصديًّا حكيمًا جادًّا جذريًّا، فينبغي إذن وفق هذا التصوّر الغريب الفريد أن ننظر وننتظر حتّى يبلغ الوضع قاع الرداءة والفوضى والتعفّن علّ التونسيين يعون بالحريق الذي يداهمهم، يستأنس "هذا الثوريّ الراديكاليّ" في رأيه بقول الشابّي مخاطبًا بني وطنه الخانعين الغافلين العاجزين عن التنبؤ والتقدير وتوقّع المآلات: "أنت شعب لا يفهم الأشياء إلّا بعد مسّ وجسّ".
يأس فوعد كاذب فغش..
الغش سبله عديدة أبسطها الاستعانة بوثائق أثناء الامتحان ينقل منها التلميذ ما يتناسب مع الأسئلة، وهو فعل يقتضي حدًّا أدنى من مجهود الفرز والاختيار والتنظيم والإعداد الفرديّ، ولأنّ التلميذ قد بلغ درجة من الضعف تجعله عاجزًا عن هذه المهارات اليسيرة البديهيّة، حتّى إن كان الامتحان بكراسات وكتب مباح فتحها والاستئناس بها، فقد بات جلّ التلامذة في حاجة إلى من ينوب عنهم في قراءة موضوع الامتحان وتفكيكه وبناء الأسئلة وتحريرها لذلك انتشرت ظاهرة التسريبات أثناء السنة الدراسيّة أو في الامتحان الوطني، ولقد ساعدت على ذلك سهولة النسخ والتصوير والإرسال بفضل الإنترنت والبرمجيات الحديثة والتجهيزات التقنية المتجدّدة باستمرار وذات الاستعمال السريع والفعّال.

الأدلّة المنشورة التي وثقت حصول تسريبات في بكالوريا 2026 منذ الدقائق الأولى من اليوم الأوّل لا ينكرها أحد ولا يمكن أن يجحدها إلّا من اختار المغالطة والمكابرة، هذا الحدث الصادم يردّد صدى ما وقع في سنوات ماضيّة وقد أفضى سابقًا وسيفضي هذا الأيّام إلى متابعات أمنيّة وأحكام قضائيّة تطال تلامذة وأساتذة وعناصر أخرى يفضي إليها التحقيق.
ما يعنينا في هذا كلّه هو تكرّر نفس الجريمة بأسلوب أوسع وأسرع رغم وعود سلطة الإشراف بشلّ كلّ عمليّات الغش ورغم تسلّحها بما هو متاح من إمكانيّات بشريّة وتقنية.
اقرأ/ي أيضًا: الغش الإلكتروني في الباكالوريا.. تونس إزاء مجتمع "التكييت"
تكرّر هذه الجريمة لا يعنى أنّ الجاني متّصف بالجرأة، إنّما الأمر عائد إلى أنّ المعنيين بالمسألة التربويّة قد غفلوا أو تغافلوا عن معطيات مهّدت لخروج الأمور عن السيطرة منها وعي الجميع أنّ جلّ المقبلين على امتحان البكالوريا يتصفون بضعف في التكوين يجعل رهانهم على النجاح باستحقاق أمرًا يدخل في باب الاستحالة، وقد اعترف فتحي السلاوتي وزير التربية الأسبق قبل ثلاث سنوات بأنّ 83% من تلامذة التاسعة أساسيًّا في حالة شبه أميّة، ولأسباب ومعطيات عديدة بلغ هؤلاء أو جلهم البكالوريا وهم واعون أنّ الشحن بدعاء الأمهات أو بالأوهام التي يبيعها بارونات الدروس الخصوصية لا يمكن أن يجعل التلميذ المعدم معرفيًا ومنهجيًا قادرًا على التعويل على إمكانيّاته، ممّا يحوّل العديد منهم إلى لقمة يسهل تطويعها وابتلاعها بالنسبة إلى المبشرين بالنجاح عبر ما يسميها التلامذة "الكيت والتكييت"، أي استعمال السماعات الهاتفيّة ونقل التلميذ ما يمليه عليه الأستاذ من أجوبه عن بعد، وعلى هذا النحو تتحقّق معادلة الضعف المؤدّي إلى ارتكاب الجرائم والحماقات والخروقات "Toute méchanceté vient de faiblesse".
التلميذ المتورّط في الغش هو مجرّد عنصر في منظومة تربويّة فاسدة شديدة التعقيد بدأت تنحو منذ سنوات منحى عنكبوتيًا يتغذى من أزمة القيم ويوظفّ الطفل والحرم المدرسي والتقنيات الحديثة توظيفًا إجراميًّا
بناء على هذا كلّه فإنّ أربعة أسباب أسهمت في تواصل جريمة الغش في البكالوريا:
الأولى، تتّصل بأزمة القيم التي تجعل الغش إن في الامتحان أو في غيره من المهامّ والمصالح أمرًا مباحًا تقبله الذائقة العامّة بل تستسيغه أحيانًا وتشجّع عليه.
الثانية، النجاح شبه الآلي منذ عقود في مستويات التعليم الأساسيّ والإعدادي والثانويّ جعل تلامذة شبه أميين يدركون الامتحان الوطني وهو فقراء معرفيًّا ومنهجيًا لكنهم مشحونون بأمل النجاح وهو ما يجعلهم يتمسكون وإن لزم الأمر بأسلوب متهوّر انتحاريّ بكلّ السبل المحظورة ومنها التسريبات.
السبب الثالث هو غياب القدوة، فعدد كبير من المعلمين منذ السنوات الأولى من الدراسة كانوا بمثابة المدربين على الغش والمحرضين عليه والشركاء فيه، أي نعم!، فحينما تمتحن "آنستي" المعلمةُ تلميذ التعليم الأساسيّ في القسم في مسألة عالجتها معه في الدرس الخصوصيّ وتُشعره وتشعر والديه بأنّ الأمر ينبغي أن يحاط بالكتمان، فهي تضع اللبنة الأولى لطفل أو مراهق أو شابّ تجربة واستعدادًا للدخول في وفاق إجراميّ أوسع وأخطر فيه يرتكب الغش عبر تسريب الامتحان وهو عمليّة أصبحت معقّدة تحتاج إلى التخطيط وإعداد العدّة والعمل السريّ والتعبئة البشريّة والماديّة والعمليّات البيضاء إن لزم الأمر في امتحانات وسط السنة.
رابعًا، نزعُ الهيبة عن امتحان البكالوريا بسبب الدفع الملحّ منذ عهد بن علي نحو نجاحات باهرة تتخطّى في الغالب الخمسين بالمائة، نجاحات مسيّسة تتباهى بها الحكومات، وهي أعلم بأنّها أرقام مزيّفة تزييفًا تواطأت فيه التشريعات الميسّرة والممارسات المريبة فرديًّا وجماعيًّا إضافة إلى نوعيّة الاختبارات التي اتخذت في بعض الموادّ شكلًا نمطيًّا متكرّرًا يحث على الاستذكار أكثر من التشجيع على الفهم والتفكيك والبناء.
اقرأ/ي أيضًا: من بينها إلغاء الدورة وتحجير الترسيم مع الرفت.. تعرّف على عقوبات الغش في البكالوريا
وممّا زاد في تجريد البكالوريا تمامًا من هيبتها، تواتر الأخطاء في صياغة بعض الامتحانات، فتكون في البدء موضوع جدال وسجال على صفحات التواصل الاجتماعيّ بين أساتذة ومتفقدين لا يفهمهم العامّة والتلامذة، ولكن ما يعلق في أذهان الجميع أنّ البكالوريا صارت بلا هيبة حينها تصبح مستباحة وحينها يتجرأ عليها الغشّاشون والمدلّسون والمسرّبون للامتحانات والفاسدون عامّة.
إنّ مَثَلَ التلميذ في هذا المحيط الفاسد كمثل من تمّ إلقاؤه في اليمّ وقيل له لا تغرق، في هذه الحالة ستراه ماسكًا بكلّ ما من شأنه أن يعبر به إلى برّ الأمان وإن لزم الأمر تشبّث بأقذر الأدوات والوسائط.
التلميذ المتورّط في الغش هو مجرّد عنصر في منظومة تربويّة فاسدة شديدة التعقيد اتخذت أشكالًا طفيليّة لكنها بدأت تنحو منذ سنوات منحى هرميًّا وأخطبوطيًا وعنكبوتيًا يتغذى من أزمة القيم ويوظفّ توظيفًا إجراميًّا أنبل العناصر هي الطفل والحرم المدرسي والتقنيات الحديثة.
الكلمات المفتاحية
منها النقد والموعظة والسخرية.. معاني التشبيه في اللهجة التونسية ومرجعياته
التشبيه في اللهجة التونسيّة ينطوي على عمق ثقافيّ ودينيّ وقيمي ويتّصف بالانفتاح على الواقع في بعده الاجتماعي والسلوكي ويتميّز بالطرافة وروح الإبداع والابتكار
"وينهم أولادنا؟".. رسالة من عائلات المهاجرين المفقودين إلى سفير إيطاليا بتونس
قدّمت جمعية الأرض للجميع، باسم عائلات المهاجرين المفقودين والمفقودات، رسالةً إلى..
هل يُفتح اختصاص التمريض أمام تلاميذ الآداب؟ وزير التعليم العالي يجيب
أوضحت وزارة التعليم العالي، في ردّها على سؤال كتابي صادر عن النائب يوسف التومي أن..